لماذا تباطأت أوروبا تجاه "كورونا"؟

تعتبر القارة الأوروبية ثاني أكبر بؤرة لانتشار الفيروس بعد الصين

إحدى الحدائق العامة في مدينة لندن في 25 مارس (غيتي)

في خضم تفشي فيروس "كورونا" المستجد (كوفيد-19)، الذي صنفته منظمة الصحة العالمية بأنه "جائحة"، إذ اجتاح معظم أرجاء العالم، وشمل أكثر من 150 دولة، وما بين تسارع أعداد الإصابات والوفيات وعدم توفر دواء لمعالجته، أصبح الخوف والإرباك واضحَيْن، خصوصاً بعد إجراءات غلق الحدود والمطارات والعزل الاجتماعي في تقييد حركة الأشخاص وإبقائهم في بيوتهم. 

بيد أن تصاعد وتيرة "كورونا" في أوروبا وتباطؤ الوقاية الاستباقية، جعلا القارة منكوبة وثاني أكبر بؤرة لانتشار المرض بعد الصين. وهذا التباطؤ يثير علامات استفهام كثيرة، لا سيّما أن تردّي الوضع بدأ في إيطاليا، حيث فاقت أعداد الوفيات فيها ما سُجل في الصين، ثم في إسبانيا، أي أن الخطورة ظهرت في أوروبا الغربية، وهي جزء رئيس ومهم في منظومة العالم الغربي، الذي يتميّز بقوة التقدم.

بلا ريب، هناك جملة من الأسباب جعلت أوروبا متباطئة في مواجهة "كورونا"، ومنها:

أولاً، إن الآلية العملية الرأسمالية في الحياة الغربية جعلت المدنية مادية، لذلك ليس هيناً على الدولة والشركات العملاقة أن توقف تلك الآلية على نحو سريع وفجائي.

ثانياً، تمهل الإجراءات الداخلية لكل بلد أوروبي، فعلى الرغم من إعلان إيطاليا عن الخطر الرهيب الداهم، كان التواصل البري والجوي والبحري متفاوت الاستجابة معها.

ثالثاً، صعوبة العزل الاجتماعي الفوري في بعض الدول الأوروبية الرئيسة، نظراً إلى تعدد الثقافات فيها، فبريطانيا وفرنسا وألمانيا تضم في مجتمعاتها كيانات من جذور أفريقية وهندية وصينية وعربية وغيرها.

رابعاً، حيوية الاحتفالات الجماعية، ففي مناسبة يوم المرأة العالمي، احتشد أكثر من مئة ألف شخص في إسبانيا.

خامساً، الفردية والحرية في الحياة الأوروبية الغربية لا يمكن تقييدهما بقرار سياسي عاجل.

إن تلك الأسباب وغيرها، أدت إلى تأخير الاستباق الاحترازي في أوروبا، ما جعلها تواجه كارثة. إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من نقد هذا التباطؤ غير المقصود، لا سّيما أنّ بعض الإجراءات يمكن تطبيقها بقرار رسمي صادر عن وزارات أو مؤسسات حكومية، مثل وزارة التربية وتعطيل الدراسة في البلاد.

مقارنة سعودية بريطانية

في هذا الخصوص، أود أن أتناول مقارنة بين السعودية وبريطانيا. ففي الثامن من الشهر الحالي، قررت السعودية تعليق الدراسة حتى إشعار آخر، وفي حينها كانت الإصابات بفيروس "كورونا" محدودة وقليلة، لكنها خطوة استباقية ضرورية. وفي ذلك التاريخ، كان عدد الإصابات في بريطانيا وصل إلى 209 إصابة وحالتَيْ وفاة فقط. وعندما قررت بريطانيا تعليق الدراسة في 20 من الشهر ذاته، كانت الإصابات بلغت 2626 إصابة، وعدد الوفيات 53. أي خلال أيام، ارتفع عدد الإصابات إلى عشرة أضعاف، والوفيات إلى 25 ضعفاً، بينما إلى غاية ذلك التاريخ، كانت الإصابات في السعودية بلغت 238 إصابة، والوفيات صفر.

لذلك، تقدمت السعودية على كثير من دول العالم، بل صارت رائدة يُقتدى بها، جراء حرصها على مواطنيها والمقيمين على أراضيها وعلى الصلات الإنسانية في العلاقات الدولية. لذلك، أجرى رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون اتصالاً هاتفياً بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وكذلك فعل رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانتشيز، خصوصاً أن السعودية تترأس مجموعة العشرين (G20).

العلماء والدواء

يسعى العلماء في معظم المختبرات شرقاً وغرباً، إلى إيجاد دواء لمعالجة فيروس "كورونا" المستجد. وفي أوروبا، أفادت بعض وسائل الإعلام بأنّ إيطاليا بدأت بتجربة دواء لعلاج المصابين، ثبُتت فعاليته، من دون ذكر تفاصيل أخرى.

إلاّ أنّ شركة دوائية فرنسية، وهي "سانوفي" عرضت دواء "بلاكتيل" المضاد للملاريا لمعالجة مرضى "كورونا". كما أعلنت هذه الشركة جهوزيتها لإنتاج هذا الدواء، وأنها مستعدة لتقديم ملايين الجرعات منه إلى السلطات الفرنسية. وقال المتحدث باسم الشركة إنّ "سانوفي تتعهّد بوضع دوائها في متناول فرنسا، وتقديم ملايين الجرعات، وهي كمية يمكن أن تتيح معالجة 300 ألف مريض".

وفي ألمانيا، توقع خبراء شركة "كيور فاك" أنهم سينجحون في تطوير لقاح ضد "كورونا" بحلول الصيف. وقال المتحدث باسم الشركة تورستن شولر إنّ "التوصل إلى هذا اللقاح على سلّم أولوياتنا منذ يناير (كانون الثاني) الماضي". وأكد متحدث باسم وزارة الصحة الألمانية، أن هناك "اهتماماً كبيراً للغاية" بتطوير لقاحات ومواد فعّالة ضد مرض "كورونا" في ألمانيا وأوروبا وأن الحكومة الألمانية "على تواصل مكثف مع شركة كيور فاك".

أمَّا في بريطانيا، فإنّ وكالة الصحة البريطانية قالت إن جامعة أكسفورد تستعد لبدء تقييم دواء طُوّر من قِبل علماء الجامعة، وقد تبدأ تجارب اللقاح ضد "كوفيد- 19" خلال شهر أبريل (نيسان) المقبل. وأفادت صحيفة "الغارديان" بالتصريح ببدء التجارب البشرية قبل اكتمال الاختبارات على الحيوانات، من أجل تسريع عملية التطوير، ولقد ثبُت سابقاً أن لقاحات مماثلة طُوّرت لأمراض أخرى آمنة في التجارب البشرية.

ومن الدول الأوروبية، إلى الصين والولايات المتحدة، التي أجرت  التجارب السريرية على لقاح يتم تطويره لمكافحة "كورونا". كما أن السعودية أسهمت في هذا المجال، إذ يجري العمل في مركز للأبحاث الطبية على تطوير لقاح مضاد للفيروس، أُفيد بأنه وصل إلى مرحلة متقدمة.

إنّ العمل على تطوير لقاح ضد الفيروس القاتل "كورونا" ليس للعلاج والتعافي منه فحسب، بل لمنع ظهوره مستقبلاً، إذ قد يكون أكثر فتكاً ممّا هو عليه الآن، ما يؤكد فكرة أن العالم بعد اجتياح "كورونا"، لن يكون كما كان.

المزيد من آراء