Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحراك الشعبي في الجزائر يربك حسابات النظام

تنحية مدير حملة الرئيس الانتخابية قبل 24 ساعة من موعد الترشيح الرسمي

مسيرة ضد محاولة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية خامسة (أ.ف.ب)

تشهد الأحداث السياسية في الجزائر تسارعاً ملفتاً، بعد أشهر طويلة من الركود والترقب، فقد أفرز الحراك الشعبي، المناهض لمشروع التمديد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، ردود فعل متباينة لم تشمل مختلف أطياف المجتمع والطبقة السياسية فحسب، بل امتدت تبعاتها أيضاً إلى داخل تركيبة النظام الحاكم، إذ خرجت إلى العلن خلافات حادة وغير مسبوقة بين أجنحة النظام.

فقد أعلن بيان لوكالة الأنباء الرسمية، على نحو مفاجئ، تنحية مدير الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة، رئيس الحكومة السابق عبد المالك سلال، وتعويضه بشخصية ثانوية وغير معروفة، هي وزير النقل والأشغال العمومية، عبد الغني زعلان. وجاءت هذه الخطوة، التي لم ترشح أي معلومات رسمية أو مؤكدة حول دوافعها، في توقيت حساس للغاية، كونها تأتي قبل 24 ساعة من موعد الإيداع الرسمي لترشيح الرئيس لدى المجلس الدستوري.

"سلال"... شخصية مفتاحية

ويعد سلال شخصية مفتاحية في تركيبة الفريق الموالي للرئيس بوتفليقة. فهو لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، وإن كان قد خرج من عباءة "جبهة التحرير الوطنية"، كغالبية كوادر النظام الجزائري، وقد أسهمت "حياديته" السياسية في جعله شخصية توافقية بين مختلف مكونات "الفريق الرئاسي"، الذي يضم تحالفاً واسعاً من الأحزاب القومية والليبرالية والإسلامية المعتدلة، ما خوله تولي إدارة الحملات الانتخابية الثلاث الماضية للرئيس بوتفليقة، أعوام 2004 و2009 و2014، قبل أن يرأس الحكومة حوالي خمسة أعوام (2012 – 2017)، في الفترة التي واكبت مرض الرئيس بوتفليقة والتدهور التدريجي لصحته، ما جعل من رئيس الحكومة الشخصية السياسية الأولى عملياً، على الأقل على صعيد الواجهة الرسمية للنظام، بعيداً عن "مراكز النفوذ" و"جماعات الضغط" التي تمسك بزمام القرار السياسي، وتدير دفة الحكم من وراء ستارة.

توالي الاستقالات

شخصية مفتاحية بهذا الحجم لا يمكن أن يمر قرار إبعادها من دون عواقب وانعكاسات من شأنها أن تعمق فجوة الخلافات والصراعات بين مختلف مكونات التحالف الرئاسي، ولم تلبث بوادر ذلك أن بدأت بالخروج إلى العلن، فقد تسارعت سلسلة الاستقالات داخل "منتدى رجال الأعمال"، الذي يرأسه علي حداد، وهو ليس مجرد جمعية لأرباب العمل، بل يعد المنظمة الممولة والراعية للحملة الانتخابية الحالية للرئيس، بعدما كانت قد مولت حملته السابقة، عام 2014. وكان مفاجئاً أن يعلن عدد من أبرز رجال الأعمال وأكثرهم تأثيراً، أمثال حسان خليفاتي ومحمد أرزقي أبركان والعيد بن عمر (نائب رئيس المنتدى)، استقالاتهم أو تجميد عضوياتهم من هذه المنظمة، والبعض من هؤلاء، كخليفاتي مثلاً، قالوا صراحة إن دافع الاستقالة هو "الوقوف مع شعبنا".

القبضة الحديدية

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعدّ "منتدى رجال الأعمال"، الذي أسسه ويرأسه حداد، أبرز رموز "الأوليغارشية المالية" التي نمت وترعرعت في أحضان التحالف الموالي للرئيس بوتفليقة، ثم أصبح بمثابة القطب الأقوى في "مراكز القرار"، داخل المؤسسة الحاكمة في الجزائر، خصوصاً منذ أن نجح عام 2014، في إطاحة الجنرال توفيق مدين، وتفكيك "جهاز الاستخبارات والأمن"، الذي لعب دور القبضة الحديدية للنظام الجزائري، وإن كانت آلة القبض، أحياناً، وبالذات خلال فترة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، مغلفة بقفازات من حرير، لاستمالة الرأي العام وحشده في مواجهة التطرف.

تصدع أركان "منتدى الأوليغارشية" بفعل تسارع وتيرة الاستقالات في صفوفه، ينم عن ارتباك في استراتيجية الائتلاف الموالي للرئيس بوتفليقة. وما يزيد من غموض المشهد السياسي، خصوصاً في ظل تضارب المعلومات حول الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة، الذي يوجد منذ 24 فبراير (شباط) الماضي في مصحة بجنيف، وبعد استعراض القوة الكبيرة الذي حققه الحراك الشعبي في مسيراته المليونية الجمعة، لم يعد مرتبطاً بقدرة الرئيس بوتفليقة، صحياً، على الترشح فعلياً إلى ولاية جديدة فحسب، بل بدأت التساؤلات تُثار حول مدى قدرة الفريق الموالي للرئيس على التمسك بقرار ترشيحه، على الرغم من انتفاضة الشارع الجزائري.

"بدائل قليلة التكلفة"

الخلافات والانقسامات التي برزت في صفوف الائتلاف الرئاسي تنم بأن بعض أقطابه بدأ بالتفكير في "بدائل قليلة التكلفة" عن ترشيح بوتفليقة، لتفادي التضحية بمصالحه كقطب مؤثر في مراكز القرار، من أجل التمديد لرئيس مقعد ومرفوض شعبياً. لكن، على الرغم من كل هذه الخلافات والتصدعات التي أصابت أركان "البيت الرئاسي"، إلا أن كل المؤشرات ترجح بأن ترشيح الرئيس بوتفليقة لن يجري سحبه قبل موعد الإيداع الرسمي لدى المجلس الدستوري، هذا الأحد، كما يطالب به نشطاء الحراك الشعبي. الشيء الذي قد يزيد من احتقان الأوضاع. إذ لم تعد المصادر المقربة من مراكز القرار، خصوصاً داخل المؤسسة العسكرية، تستبعد تأجيل الانتخابات لأسباب أمنية، وإعلان حالة الطوارئ، لتفادي انفلات الأوضاع السياسية بفعل تفاقم التجاذبات السياسية الحالية.

إعلان شغور منصب الرئاسة؟

حيال هذه التطورات والتجاذبات المتسارعة، يبدو المخرج الوحيد لإنقاذ ماء وجه النظام، من دون الدخول مجدداً في دوامة الطوارئ والحكم العسكري، الذي عانت البلاد تبعاته خلال تسعينات القرن الماضي، إقناع مختلف أجنحة السلطة الحاكمة بضرورة إعلان شغور منصب الرئاسة، بسبب عجز الرئيس بوتفليقة صحياً، وإدارة "معركة الخلافة" وفق ما ينص عليه الدستور. لكن قراراً كهذا يحتاج إلى اجماع سياسي لم يتحقق بعد، على الرغم من أن مصادر عدة تؤكد أنه جرى بحثه أخيراً في اجتماعات عدة، على أعلى المستويات داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الحاكمة.