"كورونا" يختبر التعليم في العالم العربي... عن بعد

نجاحات وإخفاقات وفجوات رقمية تضع 90 مليون طالب عربي في مهب الفيروس

الأمر ليس تحولاً اختيارياً، أو تفاخراً تقنياً، أو حتى على سبيل التجربة العملية. إنه عصر التحول الرقمي في التعليم، رغم أنف الممسكين بتلابيب اللوح والطباشير، والمتعلقين بقشة القلم والتلقين، والعائمين في بحر ما أكل عليه زمن التعليم وشرب حتى ضربتهم "كورونا" في مقتل التعطيل والإغلاق.

تعطيل وإغلاق المدارس الناجمين عن فيروس "كورونا المستجد" أو "كوفيد-19"، وضع بلايين البشر حول العالم وجهاً لوجه أمام منظومة "التعليم عن بعد". جانب من هذه البلايين وجد نفسه مستعداً شاهراً أدواته المجربة والموثقة في وجه قرار التعطيل، وجانب آخر يعافر ويعاني ويصارع ويسارع علّه يلحق بعضاً مما فاته.

وحتى ساعات قليلة مضت، بلغ عدد الطلاب الذين اضطرتهم "كورونا" إلى الانقطاع عن المدارس بليون و344 مليون و914 ألف طالب وطالبة في 138 دولة حول العالم بنسبة 82.2 في المئة من الطلاب المقيدين في مدارس. منهم نحو 83 مليون طالب مدرسي في الدول العربية (بالإضافة إلى أعداد المتسربين من التعليم والمتوقفين عنه بفعل الحروب والصراعات الدائرة رحاها خلال العقد الماضي)، وذلك بحسب "يونسكو" (منظمة الأمم المتحدة للعلم والثقافة).

"كورونا" الذي تطور وارتقى بنفسه وتحول من شبح يلوح في الأفق إلى واقع يفرض نفسه على الكوكب وضع أنظمة التعليم في العالم كله في خانة اليك.

"خانة يك" أممية

"خانة اليك" الأممية حاصرت دول العالم واضعة إياها أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها فيما يخص التعليم. فإما تعليم عن بعد، أو تعليم يعتمد على درجة وعي واستجابة الأهل، أو لا تعليم. الخانة نفسها وضعت مفاهيم عدة قيد الاختبار وكذلك الانهيار.

هل يودع العالم العربي التعليم التقليدي بمكوناته الكلاسيكية، حيث المدرسة والمعلم والطالب والسبورة والاختبار الورقي، وداعاً بائناً لا رجعة فيه؟ هل يشهد ميلاداً قوياً وتوثيقاً عتيداً للتعليم عن بعد، حيث الرقمنة والتقنية عماده، والعالم الافتراضي عتاده؟ هل ينزلق في مرحلة حرجة حيث جيل بأكلمه من أنصاف المتعلمين أو المتسربين تحت وطأة الفيروس؟ هل تخرج الدول بحلول غير تقليدية، لا سيما في ظل الفجوة الرقمية وهوة الإمكانات وأولوية المتطلبات المتأرجحة بين الصحة والتعليم والإعاشة في زمن "كورونا"؟

زمن "كورونا"

زمن "كورونا" يسلط الضوء على منظومة التعليم في العالم العربي كما لم يحدث من قبل. هذه المرة لا يأتي التسليط نتيجة اجتماع وزاري لعرض الخبرات وتبادل التحيات. كما لا يأتي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أنظمة تعليم ضربتها كوارث؟ وهي لا تأتي بقرار من جامعة الدول العربية لبحث ضمان الجودة أو العدالة في التعليم. الأضواء هذه المرة تنبئ بخطورة لكنها تكشف حقائق وربما تحمل فرصاً. لكن الفرص لا تأتي إلا بعد المكاشفات والتقييمات.  

مصر وبنك المعرفة

حتى الأمس القريب جداً، كانت كلمة "إي كي بي" تعاني التجاهل والتقاعس والاستهزاء. اليوم صارت "إي كي بي" طوق نجاة وقبلة حياة. "إي كي بي" أو "بنك المعرفة المصري"، الذي تعرّض لـ"هبد" غير مسبوق و"رزع" غير معقول منذ تأسس في يناير (كانون الثاني) عام 2016 هو واحدة من كبريات المكتبات الرقمية في العالم تمنح موارد غير محدودة للمصريين حصرياً. لكن لم تلتفت لها الغالبية حتى ساعات قليلة مضت.

نجم الإغلاق المدرسي

وتشاء الأقدار أن يردّ الفيروس الأممي الاعتبار لأحد أكبر الإنجازات المصرية في القرنين الـ20 والـ21. فمنذ صدر قرار تعطيل الدراسة في المدارس المصرية، شهد "بنك المعرفة المصري" إقبالاً غير مسبوق، لا سيما وأن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني أنشأت منصة خاصة للطلاب تحوي كل المناهج الدراسية من مرحلة رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية باللغتين العربية والإنجليزية. المنصة المتاحة لأضلع العملية التعليمية: طلاب، ومعلمين، وإداريي مدارس، وأولياء أمور أصبحت نجم الإغلاق المدرسي في زمن "كورونا" من دون منازع.

في البدء كان الـ"إي ميل"

لكن النجوم أشكال وألوان، منها ما يسطع في السماء، ومنها ما تحجبه السحب. محمد يعمل سائقاً لدى أسرة وله ثلاثة أبناء في مدارس حكومية. يقول "مسألة الإنترنت صعبة لأن الأولاد صغار في السن، لكني سأستكشف المنصة التي أعلنت عنها الحكومة. الأولاد يتصرفون وكأنهم في إجازة آخر العام، ويستغلون عدم وجودي وأميّة زوجتي ولا يذاكرون، إلا أن زوجتي تجبرهم على متابعة القناة التعليمية وتسمع معهم الدروس".

 

في المقابل تقول دعاء سلام (أم لثلاثة أبناء) إن العملية التعليمية لأبنائها من البيت تسير بشكل جيد، ولكن بدرجات متفاوتة. المدرسة الخاصة الملتحق بها ابناها في الصفين الخامس والسابع تنتهج التعلم الرقمي منذ سنوات، لذا كانت شبه جاهزة مع قرار الإغلاق. تقول "يمضي اليوم الدراسي كالمعتاد من الثامنة حتى الثانية والنصف، بحصصه وأوقات الراحة، ولكن أمام الشاشة، وذلك عبر تطبيقي (زووم) و(غوغل كلاسروم). أما مدرسة ابنتي الخاصة أيضاً فقد وجدت نفسها في مواجهة مفاجئة مع التكنولوجيا لأنها تتبع الطرق التقليدية. لذلك، بدأت إدارة المدرسة في التعامل مع الطالبات عبر البريد الإلكتروني، ثم بدأت تطور من أدائها تدريجياً".

"ياسين"، الطالب في الصف الخامس في مدرسة خاصة، يقول إنه سعيد جداً بعدم الذهاب إلى المدرسة. يصف تجربة التعلم عن بعد بـ"نصف نصف"، لا سيما وأن الـ"ميستر" يساعده فيما يتعثر فهمه من دروس. أما شقيقه "عبد الله"، الطالب في الصف السابع في المدرسة نفسها، فيقول بثقة شديدة إن المدرسة كانت قبل "كورونا" تعتمد في جانب كبير على التقنيات الرقمية، و"نحن أصلاً ننجز اختباراتنا على اللوح الرقمي، لذلك تسير الأمور بشكل جيد، لكن هناك استثناءات". يقول "نعتمد كثيراً على (غوغل ميت)، لكن البعض يتصرف بطريقة غير لائقة مع بعض المعلمين ويشغّلون أغنيات مهرجانات في الخلفية ويضحكون بصوت عال، ونحن (أون لاين)، لذا يضطر المعلم إلى إغلاق الميكرفون والاعتماد فقط على تلقي الأسئلة والإجابة عليها". 

تقول الأم هند أبو عيطة إن "التجربة أثبتت عواراً في تربية الكثير من الأبناء، وهو ما ظهر في ظل غياب الرقابة المباشرة من المدرسة. لكن عموماً التعلم عن بعد عبر الإنترنت أسهل بالنسبة إلى الأكبر سناً، أما الصغار فيحتاجون حضوراً مستمراً من الأهل، وهو أمر صعب لا سيما إن كانت الأمهات ما زلن يذهبن إلى أعمالهن".

قبح الأزمة

قبح الأزمة كشف عن وجه التكنولوجيا المضيء. وزير التربية والتعليم والتعليم الفني المصري، طارق شوقي، يقول إنه "جاء الوقت للاعتماد على قواعد التعلم عن بعد التي تعمل عليها الوزارة منذ سنوات بسبب (كورونا)"، مشيراً إلى أن المكتبة الإلكترونية أصبحت جاهزة بالإضافة إلى "بنك المعرفة المصري"، حيث كل المناهج الدراسية بدءاً من رياض الأطفال وحتى الصف الثالث الثانوي باللغتين العربية والإنجليزية على https://study.ekb.eg

سبل الاتصال

ولأن سبل الاتصال بهذه المنصات يتم عبر الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المتصلة بالإنترنت، ولأن نسبة كبيرة من الطلاب القابعين في بيوتهم لا سيما في القرى غير متصلين بالإنترنت، فقد لجأت الوزارة إلى بث الحياة مجدداً في القنوات التلفزيونية التعليمية التي يشرح معلموها المناهج للسنوات الدراسية المختلفة، وهي القنوات التي كانت ذائعة الصيت في عصور ما قبل الإنترنت وعهود ما قبل الدروس الخصوصية.

فيروس الدروس الخصوصية

لكن من رحم الفرص الذهبية تولد السخافات الأزلية. فيروس "الدروس الخصوصية" والبلايين المتسربة من جيوب منتفعيها ما زالت تصارع من أجل البقاء عبر الشبكة العنكوبتية. عروض تتواتر على مجموعات "الماميز" على "واتس آب": "مدرسك الخصوصي عبر سكايب بتخفيض 25 في المئة" "احجز الآن قبل نفاد الأماكن. عشرة طلاب ومعلم واحد في السنتر الافتراضي" وغيرها الكثير.

السعودية تدخل الاختبار

الكثير يفرض نفسه على واقع التعليم العربي في ظل "كورونا". خليجياً، يبدو الأمر أخفّ وطأة. وفي السعودية تحديداً، هناك من خاض تجربة التعلم عن بعد في زمن ما قبل "كورونا". فكلا النظامين - التقليدي وعن بعد- يسهمان في العملية التعليمية، ولكن قليلين هم من فضلوا "التعلم عن بعد".

اليوم وفي زمن كورونا، أصبح التعلم عن بعد واقعاً في ظل قرارات تعليق الدراسة. بدأ نمط جديد للتعليم، حيث تقع المسؤولية على الطالب والأهل، مع الأخذ في الاعتبار أن متطلبات التعلم عن بعد مرهقة للكثير من الأسر، لا سيما تلك التي تعيش في أماكن نائية.

حيرة وبُعد

تباينت آراء الأمهات حول مدى فعالية التعلم عن بعد. "منال" في حيرة من أمرها، فهي أم لثلاثة أبناء، ما ضاعف مشكلة تنظيم وقت المتابعة معهم، لا سيما وأن البيت فيه جهاز كمبيوتر واحد فقط. وفي الوقت الذي ترى فيه "نجلاء" أن التجربة كانت ناحجة، إذ استمر ابنها في التحصيل الدراسي عبر الـ"يوتيوب" من دون مشكلات تذكر، ترى "روان" أن التجربة سيئة للغاية بسبب عدم فهم ابنتها للدروس عن بعد، بالإضافة إلى تغيير معلمات الفصل اللاتي تعرفهن الصغيرة.

 

العملية التعليمة تعتمد في الأساس على المعلم الذي تقع على عاتقه القدرة على توصيل المعلومة للطلاب وجذبهم والتفاعل معهم أثناء العملية التعليمية.

"المعلم الجيد قادر على إيصال المعلومة عبر التعلم عن بعد كقدرته على إيصالها في عملية التعليم التقليدية"، حسبما يقول رئيس مركز "تعارفوا" للإرشاد الأسري والتربوي، سعود المصيبيح. ويضيف أن "عدم قدرة المعلم على توصيل المعلومة للطالب عن بعد يعني فشله في الأسلوب التقليدي أيضاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى المصيبيح أن المرحلة الحالية تتطلب من الأهل متابعة تعلم الأبناء من البيت، مشيراً إلى أن وزارة التعليم خصصت نحو 20 قناة فضائية تعليمية لمراحل التعليم العام المختلفة، مضيفاً "لا بد من تعاون الأهل في هذا الشأن، فهم من يقع عليهم العبء الأكبر في عملية التعلم عن بعد، حيث ضرورة معرفة أوقات بثّ الحصص، وتهيئة الجو المناسب لتلقي الدروس".

التحول المفروض بأمر "كورونا" في السعودية يسلط الضوء على جانبين سلبيين يستحقان التدخل السريع. الأول هو ضرورة تحديث طرق التعلم التقليدية، والاستعانة بالألواح الرقمية التي تحوي المناهج الدراسية، بالإضافة إلى إمكانات التواصل بين الطلاب والمعلمين. والثاني هو الفجوة الرقمية بين طلاب المدن وأقرانهم في القرى والمناطق النائية، حيث شحّ وسائل الاتصال الحديثة.  

مخاوف تونسية من "سنة بيضاء"

تعليق الدراسة في ظل شح وسائل الاتصال الحديثة المتاحة في العملية التعليمية المدرسية في تونس دفع التونسيين إلى التكهن بـ"سنة بيضاء"، وهو ما نفاه وزير التربية، السيد محمد الحامدي. وعلى الرغم من تعطيل الدراسة، فإن الحديث الرسمي ما زال محصوراً في التأكيد على أن وزارة التربية "بصدد إعداد خطة عملية لتأمين الدروس عن بعد، وذلك بالاعتماد على البث التلفزيوني للدروس بما يضمن التحصيل المعرفي للطلاب وحسن الاستعداد للامتحانات الوطنية". واقع الحال يشير إلى حالة متردية لمعظم المؤسسات التربوية من حيث البنية التحتية، واهتراء وسائل العمل وغياب بنية اتصالية وعدم اتصال معظم المؤسسات التعليمية المدرسية بشبكة الإنترنت.

شبكة الإنترنت، وتحديدا، منصات التواصل الاجتماعي هي ما ستعتمد عليه أستاذة التعليم الثانوي في مادة التصرف، السيدة سامية بن عمار. تقول إنها ستعوّل على إمكاناتها الذاتية، وتتواصل مع طلابها عبر منصات التواصل الاجتماعي لشرح الدروس المتبقية في العام الدراسي. ووصفت "بن عمار" الخيارات الأخرى المطروحة بـ"الارتجالية"، التي لا تضمن التحصيل المعرفي  للطالب في ظل غياب التفاعل وعدم تأكد الأستاذ من مدى استيعاب الطالب للدرس.

استيعاب الطالب

استيعاب الطالب أحد أهم الجوانب المقلقة في عملية "التعلم عن بعد". تقول اختصاصية علم النفس الاجتماعي، هاجر النيال، إن "ثقافة الأسرة التونسية لم تعتد على هذا النمط من التعلم، إضافةً إلى أنّ العقل الباطني للطالب التونسي اعتاد الحضور إلى المدرسة بسِحرها وانضباطها وإطاراتها. بالتالي من الصعب أن ينضبط في الحضور الذهني في درس يتلقاه عن بعد".

ويعاود شبح الفجوة الرقمية الظهور، إذ تشير النيال إلى جاهزية المدارس الخاصة أكثر من مدارس القطاع العام في مسألة التقنيات الحديثة، وذلك على الرغم من أن تونس احتلت المرتبة الـ 84 عالمياً والسابعة عربياً في مؤشر "دافوس" لجودة التعليم العالي لعام 2019. وتضيف أن تونس تفتقر البنية التّحتية الرقمية التي تُخوّلها المراهنة على التعلم عن بُعد، إلا أنها رأت فرصة في أزمة "كورونا" قد تُحفّز الدولة على مزيد من الاستثمار في هذا القطاع.

تعويض الدروس في المغرب

هذا القطاع في المغرب لم يخض أي تجارب من قبل في شأن "التعلم عن بعد". وعلى الرغم من ذلك، فقد قررت وزارة التربية الوطنية المغربية تعويض الدروس "الحضورية" بأخرى عن بعد تسمح للطلاب بمتابعة دروسهم من البيت.

الغريب أن العديد من الطلاب استحسنوا التجربة في أيامها الأولى. طالبة البكالوريا، آمال حجازي، من مدينة ورزازات، تقول إن التعلم عن بعد مكّنها من الاستفادة والفهم بشكل أفضل. كذلك الطالب محمد جمال (17 عاماً)، الذي اعتبر التعلم عن بعد أفضل من الذهاب إلى المدرسة، واصفاً إياه بـ"التجربة الجميلة وغير المكلفة". لكنه عاد وأضاف أن منظومة التعلم عن بعد ليست في متناول قدرات كل الطلاب نظراً لتفاوت الإمكانات التقنية.

 

تفاوت الإمكانات

تفاوت الإمكانات التقنية ليس وحده العائق أمام التجربة في المغرب، فقدرات المعلمين في الشرح وإدارة الدروس عن بعد أيضاً متفاوتة. المعلم في "ثانوية مولاي رشيد" في مدنية ورزازات، محمد أيت إيشو، يقول إن فيروس "كورونا" ربما يدفعنا لاكتشاف تقنيات جديدة في النظام التعليمي. ويضيف "لننجح في مجال التعليم عن بعد، نحن في حاجة إلى تدريب المعلمين والطلاب، وهذا الأمر غير متاح حالياً، لكن في المستقبل يجب أن نعمل على هذه التقنية ونستفيد منها".

يوضح "بدأت التدريب على التعليم عن بعد في عام 2009، كنا نقدم الدروس بطريقة تطوعية للتلاميذ، وهذه التجربة جعلتني اليوم مؤهلاً للتدريس في صف افتراضي".

التعلم عن بعد نخبوي

زميله معلم المستوى الابتدائي في مدنية ورزازات أيضاً، إسماعيل أيت حماد، يرى فكرة التعلم عن بعد جيدة، لكنها غير كافية، إذ ينبغي أن ترافقها خطوات عملية أخرى. هذه الخطوات تشمل توجيهات ونصائح للأهل والطلاب والمعلمين لكيفية التعامل مع الكمبيوتر! ويضيف أن التعليم عن بعد في المغرب ما زال نخبوياً، إذ أن العديد من الأسر لا يمتلك هواتف ذكية وغير متصل بالإنترنت.

المجتمع الطلابي غير المتصل بالإنترنت يمثل عقبة حقيقية في المغرب. اختصاصي علم الاجتماع في جامعة ابن زهر أكادير، عبد الرحيم عنبي، يقول إن "التعلم عن بعد في المغرب لم ينجم عن تفكير وتخطيط، بل جاء لأجل الترقيع. وكان يجب أن يُخطط له من قبل، لأننا نحتاج تجهيزات تقنية. كما أن أولياء أمور الطلاب يجب أن يكون لديهم حد أدنى من الوعي لمواكبة الطالب، لا سيما في المرحلة الابتدائية".

ضوء المبادرات الفردية

ورغم عتمة الإنترنت والهواتف المحمولة، يبزغ ضوء المبادرات الفردية، حيث الآباء في العديد من القرى ممن هم على درجة من النضج المعرفي يتبرعون لمساعدة الطلاب في دروسهم في زمن "كورونا". ضوء آخر خافت تضيئه وزارة التعليم المغربية بتخصيص القناة الرابعة العمومية لبث برامج تعليمية ليستفيد منها الطلاب غير المتصلين بهواتف محمولة أو كمبيوتر.

شاشات جزائرية للترفيه

الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر حال توفّرها لدى الطلاب في الجزائر تجد من يستخدمها لأغراض أخرى. مدير مركز "الزوار للتعليم" في العاصمة الجزائر، عبد الرحيم صاولي، يقول إنّ العائلة هي المعلم الأول والأكثر أهمية في الظرف الذي يعيشه العالم بسبب "كورونا"، مضيفاً أنّه بات من الضروري دعم العائلة للطلاب بشتى الطرق لتعويض ما يمكن تعويضه ممّا فقدوه جراء تعطّل الدراسة، لأن الجزائر لا تمتلك الإمكانيات التي تسمح بالتدريس عن بعد.

صدمة ما بعد كورونا

ويوضح أن أولياء الأمور باتوا يعانون رفض الأبناء، لا سيما في المرحلتين المتوسطة والثانوية، الاهتمام بالدروس، إذ يفضلون الألعاب الإلكترونية ومشاهدة الأفلام لمواجهة الحجر الصحي، متوقعاً أن يشهد المستوى التعليمي في الجزائر صدمة بعد الانتهاء من "غول كورونا"، في حال تأخرت السلطات في إيجاد حلول لاستدراك ما ضاع.

يشار إلى أنه منذ أصدر الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، قرار إغلاق المدارس والجامعات حتى انتهاء العطلة الربيعية في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل كإجراء للوقاية من تفشي فيروس "كورونا"، التزم الطلاب بيوتهم، من دون التطرق إلى أي حديث عن الدراسة أو الامتحانات أو المراجعة أوالاستعداد للفصل المقبل، وهو ما يكشف غياب استراتيجية تعوّض الإغلاق.

"المشروع النموذجي للقسم الرقمي"، هو اسم المشروع الذي تحاول الجزائر هذه الأيام تحويله إلى واقع. وزارة التربية الوطنية الجزائرية قالت إنه يتسم بـ"الطابع الاستعجالي".

سوريا والتحول الرقمي المنقوص

ومن الطابع الاستعجالي في الجزائر إلى الكشف غير المتوقع في سوريا. فعلى الرغم من أن تجربة التعليم عن بعد في سوريا ليست  حديثة، لكن اتضح بعد أزمة "كورونا" أنها ما زالت تحبو. فحين وضع فيروس "كورونا" الأصفاد على أبواب المدارس وأحكم إغلاقها، وبات التعلم عن بعد ضرورة، اتضح أن التقنيات الحديثة في مأزق.

أغلقت المدارس أبوابها في 14 مارس (آذار) الحالي، لكن من دون اتضاح بدائل، لا سيما مع اقتراب موعد الامتحانات. وبدا التعلم عن بعد  الحل المنطقي الوحيد للحجر المنزلي المفروض على الطلاب والمعلمين، على حدّ سواء. لكن اتضح أنه غير متاح. وكانت النتيجة وقوع الطلاب وأولياء الأمور في حيرة من أمرهم.

السيدة وفاء (40 عاماً) عبّرت عن قلقها بسبب الدروس التي توقفت ولم يتمكن ابنها من تحصيلها في المرحلة الثانوية. ويشير طالب ثانوي إلى تخبطه الشديد بعد إغلاق مدرسته والمعهد الذي يتلقى فيه الدروس الخصوصية أيضاً. يقول "بتنا من دون متابعة أو تحصيل. كل ما لدينا مجموعة على (فيسبوك) للمتابعة".

مجموعات عنكبوتية مغلقة

أعداد متزايدة من الطلاب والمعلمين تقبل هذه الأيام على إنشاء مجموعات مغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي المتاحة، فهي الأكثر شعبية في سوريا، وتتيح لهم الاستماع إلى الدروس والتواصل مع المعلمين.

أستاذ الفيزياء، عبد القادر عكروم، يعرب عن تخوفه من عدم فهم الطلاب للمادة، لا سيما أنها تحتاج تطبيقاً عملياً جبناً إلى جنب مع الشرح النظري. يقول "أحاول حالياً ترتيب مكان لشرح الدروس للطلاب".

مبادرة فردية أطلقها معهد تعليمي خاص، إذ أنشأ صفوف درس افتراضية، لكل مادة شروح ومعلمين. يقول أحد المعلمين إن الفكرة تبلورت بعد توقف الدراسة، وقيام عدد من المعلمين بشرح الدروس عن طريق الإنترنت، وهو ما لاقى قبولاً من الطلاب وأولياء  أمورهم.

عقبات ومشكلات

لكن تظل هناك عقبات يشرحها اختصاصي هندسة الاتصالات، المهندس يزن قدور، أبرزها بطء الإنترنت، إذ تحتل سوريا المرتبة رقم 195 عالمياً في سرعة الإنترنت. ويصف قدور قرار وزراة الاتصالات الأخير بتحويل بوابات شبكات الإنترنت إلى نظام الباقات بعد ما كان مفتوحاً للاستخدام باشتراك على مدار الساعة دون قيود بـ"الصعب والمخيب للآمال".

 

ووسط حديث عن إمكانية تمديد تعليق الدراسة، وإلغاء الامتحانات التجريبية لطلاب الشهادات، أشار وزير التربية السوري، عماد العزب، إلى طوق نجاة قد يخفف من وطأة بطء الإنترنت، ألا وهو تخصيص ساعات بثّ على الفضائية التربوية لتلقي الاتصالات والأسئلة المطروحة من  الطلاب للإجابة عليها.

"نيوتن" لم يرَ النور في العراق

في تلك الأثناء، ينتظر "نيوتن" الانطلاق في العراق. وزارة التربية العراقية كانت قد خططت لإطلاق منصة "نيوتن التعليمية"، لكنها لم ترَ النور بعد. لذلك، تعتمد المدارس حالياً على إرسال المواد عبر قنوات "تليغرام" أو مجموعات "واتسآب" لضمان سير الواجبات المدرسية.

قناة تعليمية

أمين عام سر نقابة المعلمين العراقيين، عدي العيساوي، يقول إن القسم الإعلامي في وزارة التربية يبث حلقات لكل المواد العلمية لكل المراحل على القناة الفضائية التربوية التابعة للوزارة. لكن المشكة تكمن في أنها تعرض لمرة واحدة فقط،  كما أن عدد متابعي هذه القناة من الطلاب قليل.

لكن الأمر ليس كله سيئاً، فقد أسهمت المدارس في حل الأزمة، وذلك عبر إنشاء  صفحات خاصة بها على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل "فيسبوك"، حيث يجري التواصل مع الطلاب وإرسال الواجبات وبث الدروس مصورة أو مكتوبة. ويوضح العيساوي أن الأمر يتطلب متابعة مضاعفة من أولياء الأمور لتعويض نقص الرقابة المدرسية.

"تليغرام" والفيديو

مريم أحمد، طالبة عراقية في المرحلة المتوسطة وتتابع دروسها عبر صفحة "تليغرام" الخاصة بالمدرسة. تقول إن هذه الطريقة زادت من الأعباء عليها، كون مدرسات مرحلتها يرسلن المواد (بي دي إف) ومن دون شرح، ما يسبب ارتباكاً شديداً.

لكن الارتباك سمة الجميع بمن فيهم أولياء الأمور. ابتسام إبراهيم تقول إن هذه الطريقة أثقلت كاهل الأهل، فبدلاً عن شرح 50 في المئة من المواد لابنتها، أصبحت تشرح ما يقارب مئة في المئة منها.

وتوافقها الرأي زينب كريم التي لا ترى بديلاً عن قاعة الدرس، واصفة ما يحدث حالياً بأنه تراكم للمواد من دون خطة واضحة، ما أدى إلى عزوف الطلاب عن متابعة الدروس.

عزوف وتعثر

وبين عزوف وتعثر ونجاح نسبي وهوات اجتماعية ورقمية وعقبات نفسية وفوضى الفصل الافتراضي، يقول مدير تكنولوجيات الإعلام والاتصال في أكاديمية "آرتشر" في العاصمة البريطانية لندن، أمين الصادق، إن "التعلم عن بعد نظام تعليمي عصري متطور جاء نتيجة استثمار طويل ومستمر في مجال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وليس شعاراً يُرفع في المناسبات".

لكن هذه "المناسبات" تكون فرصة للتقييم. يقول "التعلم عن بعد يحتاج بنية تحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأنظمتها، بما في ذلك البرامج والأجهزة وتأمين الشبكات والمواقع وغيرها، وهو ما يفتقده معظم المؤسسات التعليمية في الوطن العربي. التعلم عن بعد الناجح في العالم أتى بعد تراكم تجارب على مدار سنوات، وتطور الفكرة. أما المؤسسات التعليمية التي ليست لديها شبكة معلوماتية قوية فلا يمكنها التحول الفجائي إلى نظام التعلم عن بعد".

المطلوب إرادة سياسية

ويضيف أن الوضع الحالي فاجأ عدداً كبيراً من الدول التي لم تطوّر التعليم لمواكبة التحول السريع في مجال الرقمنة. ويشير إلى أنه يمكن في الظرف الحالي الإسراع في بناء وإطلاق منصات تعليمية افتراضية تشمل جميع المواد وكل الأقسام تمكن الطلاب من الولوج إلى المواقع المخصصة لهم ومتابعة دروسهم، وذلك في انتظار رسم استراتيجية تعليمية بعيدة عن السياسة والأيديولوجيات، ومبنية على المعرفة والتكنولوجيات الحديثة. المطلوب إرادة سياسية للتحول الرقمي لمن لم يمتلك الإرادة بعد.

هل أخفقت أم نجحت الدول العربية في مواجهة "كورونا" بالتعلم عن بعد؟ الإجابة تتراوح بتراوح إمكانات كل دولة على حدة، وفي داخل كل دولة، حيث فجوات رقمية قومية ووطينة، وجاهزية بنيتها التقنية التحتية. تخفف المبادرات الفردية من حدة الأزمة هنا، وتظهر أفكار مبتكرة عبر مجموعات "واتسآب" أو "فيسبوك" تقدم العون في حدود المتاح هناك. تتدخل الدولة بمنصات يتم تدشينها على عجل أو قنوات فضائية تم تعطيلها في زمن فات. وتظل المنظومة قيد التجربة، وفي مرحلة لاحقة القياس والتقييم، وربما المبادرة بتغيير الدفة بعد انتهاء الأزمة أو إبقائها على ما هي عليه.