"كورونا" يعصف بالاقتصاد العراقي والبنك المركزي يتخذ تدابير مستعجلة

مجمل الفئات الاجتماعية من غير موظفي الدولة ستعاني ولا وجود لأي تدابير لحل الأزمة

اقفال تام في النجف بسبب كورونا (غيتي)

تتفاقم أزمة فيروس كورونا يوماً بعد آخر، ويبدو أن انعكاساتها تجاوزت الأزمة الصحية لتدخل على الاقتصاد بطريقة لا تقل ضراوة، حيث بدأت بوادر الأزمة واضحة في العراق، ولم يقتصر تأثيرها على المستوى الحكومي من خلال زيادة عجز الموازنة نتيجة انخفاض أسعار النفط فحسب، بل انعكست على جميع المصالح الاقتصادية على جميع الأصعدة وتحديداً القطاع الخاص والأفراد، ما ينذر بإشكالية إضافية قد تواجه المجتمع العراقي في الفترة القليلة المقبلة.

ولعل ما قد يزيد الأزمة خطورة، اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط كمرتكز أساسي في الموارد العامة للدولة، ويعد الاقتصاد أحد أبرز أوجه القياس للارتدادات التي تسبب بها الوباء، إذ تعطلت مصالح المواطنين في بلد يعاني زيادة معدلات الفقر وغياب فرص العمل في الجهاز الحكومي، فضلاً عن اعتماد عدد كبير من مواطنيه على الدخول اليومي، التي باتت منعدمة نتيجة الحظر الإجباري للتجوال، مع عجز حكومي شبه تام عن توفير تدابير حقيقية من شأنها الحد من خسائر الشركات والأفراد، نتيجة شحة موارد الموازنة.

إعفاءات البنك المركزي

 

وفي سياق محاولات التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، أعلن البنك المركزي العراقي، تأجيل استيفاء الأقساط المترتبة عن المستفيدين من مبادراته الخاصة بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لمدة ثلاثة أشهر.
وقال محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق في بيان، إن "تأجيل الاستيفاء يكون لمدة ثلاثة أشهر ويشمل ذلك قروض المصرف العقاري وصندوق الإسكان الممولة من البنك المركزي"، مؤكداً عدم ترتب أية زيادة بالفوائد نتيجة هذا التأجيل".

 

وتابع أن "المشاورات مستمرة مع إدارات المصارف المختلفة لغرض اتخاذ الإجراءات المناسبة من قبلها في ما يخص الأنواع الأخرى من القروض".
 
في المقابل، أوضح مدير المكتب الإعلامي للبنك المركزي العراقي أيسر جبار أن "البنك أطلق قروضاً بقيمة خمسة مليارات دولار، نحو أربعة منها للمصارف القطاعية وهي المصرف الصناعي والزراعي والعقاري وصندوق الإسكان، ومليار للمصارف الخاصة لدعم المشاريع المتوسطة والصغيرة".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية"، "وافق البنك على تأجيل سداد القروض لمدة ثلاثة أشهر، ودعا وزارة المالية إلى تأجيل استيفاء قروض الأفراد"، مبيناً أن "المصارف الحكومية ستؤجل سداد القروض، أما المصارف الخاصة فلها الحرية بالقبول أو الرفض".

ولفت أن "البنك المركزي قد يتخذ إجراءات تدعم المصارف الخاصة في مواجهة الأزمة، مقابل دعوتها لتأجيل سداد القروض".

أزمة مركبة

من جانبه، يرى الاختصاصي المالي محمود داغر أن "الأزمة الاقتصادية مركبة وتتمثل بظهور فيروس كورونا وهبوط أسعار النفط، وتشكل مأزقاً للبنية الاقتصادية في العراق"، مشدداً على ضرورة "الإسراع بتشكيل حكومة وقيام موازنة وإيجاد حلول للتصدي للأزمة".

ويضيف في حديث لـ "اندبندنت عربية"، "الإشكالية الكبرى ستواجه القطاع الخاص، حيث أن عدم إقرار الموازنة يؤدي لتعطيل الاستثمارات الخاصة"، لافتاً أن "حظر التجوال له أثر كبير على أنشطة هذا القطاع".

وتابع أن "البنك المركزي وجه حزمة لدعم مشاريع القطاع الخاص بنحو 5 مليارات دولار، لكنها للتحفيز وليست لتعويض الخسائر".

وأشار إلى أن "لدى البنك المركزي الأدوات في ما يتعلق بعمله، لكنه يتطلب جهداً من وزارات ومؤسسات أخرى متعطلة لعدم إقرار الموازنة العامة".

موازنة طوارئ

في السياق ذاته، قال مستشار رابطة المصارف الخاصة سمير النصيري، إن "العراق يمر بالأزمة بشكل مختلف عن أغلب دول العالم لأنه يعاني من وضع اقتصادي حرج نتيجة هبوط أسعار النفط بنسبة تجاوزت 60 في المئة، خصوصاً كونه يعتمد على النفط في رفد نحو 93 في المئة من الموازنة السنوية"، مبيناً أن "هذا الهبوط يحتم على الحكومة إعادة هيكلة الموازنة وإجراء التعديلات في بنودها بما يخدم الظرف الحالي كموازنة طوارئ".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية"، "اعفاءات البنك المركزي تتطلب أن يتخذ إجراءات لغرض مساعدة القطاع المصرفي الخاص، لأنه بلا نشاط نتيجة حظر التجوال، ما تسبب بخسائر"، مشيراً إلى أن "الوضع الحالي يتطلب أن يقوم البنك المركزي بسماح ومرونة في موضوع الغرامات التي تفرض على المصارف لمخالفتهم تعليمات سابقة من خلال تأجيلها أو إيقافها في فترة الثلاثة أشهر المقبلة".

ولفت أن "من الضروري أيضاً أن تتم مطالبة الحكومة والهيئة العامة للضرائب بإعفاء أصحاب المصالح الخاصة والشركات والمصارف الخاصة من فرض الضرائب خلال الفترة ذاتها".

وتابع أن "مشاوراتنا مستمرة مع الجهات الرسمية مع البنك المركزي والحكومة لتدارك الأزمة".

إمكانات غير متوافرة

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي ماجد الصوري، إنه "لا وجود للأموال ولا لسياسة واضحة أو إجراءات اقتصادية متكاملة إزاء الأزمة الحالية، فضلاً عن انعكاس الأزمات السياسية على إقرار الموازنة التي لا تستطيع أن تغطي حتى التكاليف التشغيلية من رواتب وأجور في الجهاز الإداري للدولة".

وأضاف لـ "اندبندنت عربية"، "كانت هناك رغبة لتعويض خسائر القطاع الخاص، إلا أن الإمكانات غير متوافرة والموارد المالية بأزمة كبيرة، وستكون النتائج كارثية إذا استمرت الأزمة بهذه الطريقة".

 وتابع أن "مجمل الفئات الاجتماعية من غير موظفي الدولة ستعاني ولا وجود لأي تدابير لحل الأزمة، لعدم توافر الإمكانات".

وعن إجراءات البنك المركزي، بيّن الصوري أن "تلك الإجراءات ستؤدي للتخفيف عن المقترضين، لكنها بالمقابل ستتسبب بتعسّر في النظام المصرفي بشكل عام"، لافتاً إلى أنها "إجراءات اضطرارية قد تساعد في التخفيف بشكل طفيف من حدة الأزمة لبعض فئات القطاع الخاص".

وأشار إلى أن "التدابير اللازمة هي إعفاء من الضرائب وتكاليف الكهرباء ومدخلات الإنتاج للتقليل من تكاليف الإنتاج، وبالنسبة للأفراد يجب تعزيز البطاقة التموينية وسرعة العمل على مسألة الضمان الاجتماعي للفقراء وأصحاب الدخل المحدود"، مردفاً "من غير الممكن تحقيق ذلك في الوقت الحاضر، والوضع العام متجه إلى تدهور كبير".

إجراءات ترقيعية

أما الخبير الصناعي باسم أنطون، فرأى أن "المحنة التي تمر بها البلاد من انتشار وباء كورونا وانخفاض أسعار النفط وتعطل الموازنة، ستنعكس سلباً على القطاع الخاص بشكل رئيسي، حيث أن هناك نحو 8 ملايين مواطن يعملون في هذا القطاع من دون ضمان اجتماعي أو تقاعد ويحصلون على قوتهم يوماً بيوم".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية"، "قطاعات عدة تأثرت نتيجة الأزمة الحالية، حيث أصيب قطاع السياحة والنقل بشلل كامل وتضررت كثيراً".

ووصف الإجراءات التي اتخذتها الدولة في مواجهة الأزمة بأنها "ترقيعية"، مبيناً أن "تأجيل دفع القروض لا يكفي، ولن يفيد طبقات أخرى متضررة"

وأشار إلى أن "من المفترض تقليص النفقات الحكومية وفتح صندوق في شبكة الحماية الاجتماعية لذوي الدخول الواطئة، لكنها مسألة ليست سهلة حالياً".

وتابع أن "البطاقة التموينية عاجزة ومشلولة ولا تشتمل سوى على أربع فقرات، ومن الممكن اللجوء للتعويض المالي للتخفيف من معاناة المواطنين اليومية".

وفرضت السلطات العراقية حظراً للتجوال في عموم المحافظات، مع فرض غرامات مالية على المخالفين نتيجة التخوف من انتشار وباء فايروس كورونا في البلاد، إلا أن ذلك خلَّف تذمر عدد كبيرٍ من المواطنين المعتمدين في دخولهم على الأجر اليومي، مع غياب أي إجراءات حكومية تعوض هؤلاء المتضررين.