Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"طرطوف" للألماني مورناو... الفن يدق ناقوس الخطر

"التعبيرية" تستعين بالمنافق الفرنسي لفضح الكارثة المقبلة

 مشهد من "طرطوف" مورناو عام 1926 (غيتي)

حين يستعرض المرء تاريخ السينما الألمانية الصامتة، وبخاصة من خلال نحو دَزِّينة من أفلامها، أو من خلال كتابين رئيسين، "من كاليغاري إلى هتلر" لسيغفريد كراكور، و"الشاشة الشيطانية" لمؤلفته لوت إيزنر، صدرا لتحليلها وربطها بالمكونات الاجتماعية التي أوجدتها، علماً بأنها التيار السينمائي الأكثر ارتباطاً ببعده الاجتماعي في تاريخ الفن السابع، سيفاجأ إذ يطالعه باسم طرطوف بين أسماء لا يبدو أنه يمت إليها بصلة، من فاوست إلى نوسفراتو إلى الدكتور كاليغاري مروراً بمابوزي أو متروبوليس أو كل أنواع الغيلان، ويطلع بسؤال حائر، ما الذي جاء يفعله هنا بين هؤلاء السادة غير المحترمين، بل المرعبين حتى، ذلك المنافق المرح والغريب الأطوار الذي وضع عنه سيد الكوميديا المسرحية الفرنسية في عصرها الذهبي في القرن السابع عشر موليير، واحدة من أقوى مسرحياته؟

رمز لانحطاط اجتماعي

سيحتاج المرء بالطبع إلى شيء من الصبر والتعمق حتى يجد الجواب ويدرك سبب وجود طرطوف بين الأبالسة الأشرار وأن شرّه لم يكن واحداً من الأسباب، بل بالتحديد سلوكه الاجتماعي وكونه رمزاً لذهنية اجتماعية تفسر بعض الانحطاط الأخلاقي الذي يعيشه مجتمع ما. والحال أننا لسنا في حاجة هنا إلى العودة بشكل تفصيلي إلى مسرحية يعرفها الكل بما في ذلك جمهور المسرح المصري في القرن التاسع عشر والذي شاهدها متحوّلة إلى "الشيخ متلوف" بتعريب من عثمان جلال. حسبنا هنا أن نذكّر بأن المسرحية التي كتبها موليير في عام 1664 أي في مرحلة تألقه الكبرى، تدور حول شخصية ذلك المتصنّع الورع الذي يعيش من الاحتيال على الآخرين ومن النفاق ويحدث له هنا أن يخدع الشاب الساذج أورغون وأمه بيرنيل ليدخل منزلهما وسط عداء كل الآخرين وإدراكهم مبلغ احتياله ومقدار نفاقه. ومن خلال وجوده في المنزل تدور مجموعة من الحكايات والألاعيب التي تضع المجتمع بأسره موضع الاتهام حتى اللحظة التي يفتضح فيها أمر طرطوف.

لقد أخذ مورناو هذه المسرحية، على غير توقّع، وفرّغها من معظم الشخصيات الثانوية مبقياً على الأساسيين فيها، ولكن لا ليتحدث عن مجتمع القرن السابع عشر الفرنسي، بل عن مجتمع الربع الأول من القرن العشرين الألماني بالطبع.

وكان فردريخ مورناو واحداً من السينمائيين الأساسيين الذين أعطوا السينما الألمانية ذلك التيار الذي عرف باسم "التعبيرية"، وكان نسيجاً وحده بين التيارات كافة التي عرفها الفن السابع، ليس فقط بسبب الأشكال الفنية التي ابتكرها، ولا كذلك بسبب تعامله الخلاق مع ميتافيزيقية الأسطورة، بل لأنه كان التيار الذي عبر أكثر من أي تيار آخر عن ذلك الرعب الذي استبد بألمانيا بعد هزيمتها الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا كان هذا التيار الأكثر درساً وتحليلاً من قبل مؤرخي السينما، ولكن أيضاً من قبل مؤرخي الذهنيات والظواهر الاجتماعية، لأن السينما التعبيرية الألمانية، بقدر ما كانت فناً وتعبيراً عن حساسيات فنية لدى السينمائيين، كانت كذلك انعكاساً لذهنيات شعبية ولظواهر اجتماعية، وأكثر من هذا وذاك، كانت ناقوس الخطر الذي دق غير مرة، وعلى أكثر من شكل، منذراً بوصول النازية. ومن هنا كان التساؤل مشروعاً عما أتى بالشخصية المولييرية الأساسية لتفعله ليس فقط في التيار التعبيري، بل خصوصاً في سينما مورناو نفسه.

من ألمانيا إلى هوليوود

فالمخرج الألماني الذي قضى عليه حادث سير بالقرب من لوس أنجلوس، نعاه الأميركيون يومها بوصفه مخرج فيلم "الفجر" الأميركي الذي أذهلتهم صوره الرائعة فعوّدتهم أن يتعلموا نطق اسمه، فردريخ فلهلم مورناو، جاعلة إياهم يتراكضون لمشاهدة الفيلم الثاني الذي أسهم فيه في الولايات المتحدة.

بيد أن ما لم يكن الأميركيون يعرفونه في ذلك الحين أن هذين الفيلمين لم يكونا سوى العلامات الأخيرة، والأقل مجداً، في مسار سينمائي كان قد بدأ في ألمانيا قبل ذلك بنحو عشرين سنة وجعل لصاحبه مكانة مرموقة بين أقطاب السينما التعبيرية الألمانية، التي كان أحد مؤسسيها عبر أفلام قصيرة صامتة فقد أكثرها، ولكن على وجه الخصوص عبر أفلام معروفة كانت قد حققت نجاحاً كبيراً في أوروبا ومن بينها تحديداً "نوسفراتو" (1922) المقتبس عن رواية "دراكولا" لبرام ستوكر، و"فاوست" (1925) المقتبس عن غوته، و"آخر الرجال" (1924) ثم بشكل خاص "طرطوف" المأخوذ عن مسرحية موليير.

هذه الأفلام وغيرها كانت تنتمي إلى تلك السينما الخاصة التي عرفت كيف تمزج بين علم النفس والمسرح، بين الأدب والميتافيزيقا، بين الأسطورة والواقع، في لعبة ظلال وأضواء تقوم من الناحية الشكلية على أربعة عناصر، تزويد الموضوع المصوّر ببعد أسلوبي يكثّف طبيعته، استخدام الانعكاسات والظلال والمرايا، في لعبة انتقال فجائي من الواقع إلى التخيل وبالعكس، استخدام الضوء بوصفه عنصراً درامياً سيكولوجياً، وأخيراً، إخضاع الحركات والوجوه والأجساد لنوع من التضخيم المسرحي المقترب من منظور الباليه، وذلك بهدف إضافة قوة ذات دلالة للمعاني المطروحة.

والحقيقة أن "طرطوف" يحمل كلّ هذه العناصر الأساسية، في أشكاله على الأقل، ومع هذا يظل موضوعه عصيّاً عليها ويبدو أقرب إلى سينما النقد الاجتماعي والنقد الأخلاقي التي تتنافى مع الشكل التعبيري وعلى الأقل بواقعية مضمونها.

مهما يكن، إذا تساءل المرء عما دفع مورناو حينها إلى "فرض" تعبيريته على عمل واقعي قد يجد الجواب في رغبة الفنان في تقديم الفن بوصفه "حواراً داخلياً منفرداً"، وذا طبيعة تكشف عن أمور عدة من بينها التعبير عن القلق والارتباك العظيمين اللذين كانت تعيشهما الأمة الألمانية بأسرها إثر الصدمة الكبيرة التي تمثلت في الهزيمة ومعاهدة فرساي.

إزاء هذا كله كان لا بد أولاً من تعرية المجتمع بوضع مرآة أمام أفراده تكشف لهم بعض ذهنيات يرى المبدع أنها أسهمت بصورة أساسية في السياسات التي أدت إلى مثل تلك الأوضاع التي أوصلت بدورها إلى الكارثة. وفي هذا المعنى بدا موليير صالحاً لقول الحقائق التي لا بد من قولها، والتي تقود إلى الكارثة التي ستكون أكثر اجتماعية منها سياسية أو اقتصادية. وهذا ما كان يحدس به كثر من المبدعين الألمان في ذلك الحين.

"البطل" والكارثة المقبلة

كان هؤلاء يعلمون أن الكارثة مقبلة، وستتخذ شكل "بطل"-غول (ومنافق لدى مورناو)، يمكنه أن يجمع الشعب من حوله مستخدماً أساليب الإبهار الجماعي، ومن هنا لم يكن من الصدفة أن يعنون الباحث كراكور كتابه "من كاليغاري إلى هتلر" مشيراً بهذا إلى أن الدكتور كاليغاري صاحب العيادة الشيطانية المشؤومة في فيلم روبرت فاين "عيادة الدكتور كاليغاري" ليس سوى هتلر، الغول المقبل من رداءة الأسطورة إلى ظلام الواقع. أما مورناو فوجدناه يحقق ثلاثة أفلام على الأقل تدق ناقوس الخطر. فنوسفراتو-الغول في فيلمه ليس سوى الزعيم الآتي من عالم الشياطين ليقبض على الروح الألمانية، كما سوف يحدث لاحقاً بالطبع، وفي "فاوست" يبدو العقد بين الدكتور والشيطان كأنه عقد بين النازية المقبلة والشعب الألماني الذي بات على وشك أن يفقد روحه بعد أن فقد في الحرب كرامته. ليأتي "طرطوف" موضحاً أن المنافق ليس سوى ذاك الذي يستبد بعقول الناس عبر لفظية تخفي مساوئه التي من المدهش أنها غائبة عن الإدراك على رغم وضوحها.

لسنا بحاجة إلى القول هنا إن هذه التعبيرية السينمائية، كانت من أولى ضحايا النازية وأن بعض أبرز صانعيها اضطروا إلى الفرار ما إن استتبت السلطة في أيدي النازيين، وذلك بكل وضوح لأن النازيين أدركوا فحوى ذلك التيار الذي وصفوه بأنه "تيار انحطاطي يحاول أن يدمر الروح الألمانية"، ومنعوا أفلامه ودمروا منتجيه. وحده فريتز لانغ، رغم يهوديته، نال رضاهم، لأنه حين استخدم الأسلوب التعبيري، في عمله الأشهر "متروبوليس"، جيّره لصالح فكرة تلتقي في نهاية الأمر مع الفكر النازي. لكن لانغ، لخوفه الشديد، فضّل الهرب ملتحقاً بزملائه، وبخاصة مورناو، الذي كان الأوضح والأصرح في تعبيره عن قلقه من قدوم النازية، وكان الأكثر عبقرية بين أبناء جيل أصر على أن يجعل من الفن السابع ناقوس خطر يدق، حتى لو لم يجد من يصغي إليه.

المزيد من ثقافة