Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يسدد ضربات موجعة للاقتصاد العالمي... فهل تنجح البنوك قبل الوصول للهاوية؟

 شبح الانكماش الحتمي في طريقه نحو الانتشار والفزع يشل مراكز المال الدولية

 تسعى البنوك المركزية حول العالم إلى إنقاذ اقتصادياتها من فخ الانكماش عبر ضخ حزم تحفيزية غير مسبوقة للسيطرة على تداعيات فيروس "كورونا"، إلا أنها حتى الآن لم تقدم الدعم المطلوب للأسواق المالية وسط حالة من الفزع من استمرار بطش الفيروس.

وفي هذا الصدد، قال متخصصون لـ"اندبندنت عربية"، إن ظهور أثر حزم التحفيز سيستغرق بعض الوقت حتى يظهر فاعليته ولكن الأسواق بحاجة إلى مزيد من إجراءات التحفيز، مع توجه الاقتصاد العالمي نحو هاوية الركود.

وتجاوزت وفيات فيروس كورونا حول العالم نحو 13 ألف شخص، والمصابون به أكثر من 300 ألف. لم تسلم دولة من ضربة الوباء الموجعة، فحتى تلك التي لم تعلن تسجيل أي إصابة بعد، اضطُرّت إلى اتخاذ إجراءات تمس حياة مواطنيها اليومية، وفرضت قيوداً مشددةً على الداخلين إلى أراضيها، لعلها تُبقي الفيروس بعيداً عنها.

إجراءات تصاعدية

وفي هذا الصدد، قال وضاح الطه، عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار، "إن الإجراءات المالية والنقدية المتخذة بالفترة الراهنة تتسم بالحرفية والمراقبة وأفضل من ذي قبل وهي ذات طبيعة تصاعدية نتيجة المراقبة اللصيقة لأزمة تفشي وباء كورونا".

وأوضح أن هناك حزماً تحفيزية تقع على مستويات البنوك المركزية أو الحكومات نفسها تهدف إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه بقدر الضرر الذي حصل نتيجة تفشي فيروس كورونا، مضيفاً "بشكل عام الحزم التحفيزية لا تأتي دفعة واحد، وإنما تتناسب مع الوضع وهناك أحياناً بعض التباطؤ في الإقرار لحين وضوح المشهد الاقتصادي.

وأفاد بأن أغلب الدول أقرت حزم تحفيز نقدية ومالية، خصوصا الدول المتقدمة كالولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا بريطانيا وأغلب دول الاتحاد الأوروبي.
 وأوضح الطه، "المحاولات كلها تطمح إلى عدم الوقوع في فخ الانكماش. والمبالغ التي رصدت سيتم رصدها ليست نهاية المطاف، إنما هي محاولة للتقليل من الآثار المدمرة على الاقتصاديات بشكل عام وسط تفاوت في مستويات التأثر، التي جاءت شديدة على صعيد قطاعات صناعات الطيران والسياحة والسفر والتكنولوجيا والسيارات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تأثير حزم التحفيز

وأشار الطه إلى أن تأثير الحزم يحتاج بعض الوقت حتى يظهر فاعليته ويستغرق مرحلتين، المرحلة الأولى تقوم بامتصاص الصدمة وخفض التأثير السلبي وعدم إطاحة الشركات إلى مستوى متدنٍ يقترب من الإفلاس.

أما المرحلة الثانية تتضمن الارتداد من الصدمة والعودة مرة ثانية بحيث تقوى الشركات على العودة مرة أخرى لممارسة نشاطها بشكل طبيعي.

ويرى أن المرحلة المقبلة بالربع الثاني ستكون شديدة التأثير انعكاساً لاستمرار التدهور على الاقتصاد العالمي، فيما يبدأ انحسار التأثير السلبي أواخر الربع الثاني ويتحسن الوضع بشكل ملحوظ بالربعين الثالث والرابع، وينعكس ذلك خصوصاً على الاقتصاديات الكبيرة، وهذا أمر مهم للغاية للاقتصاد العالمي، بالتالي سنستقبل عام 2021 بشكل إيجابي.
وأوضح عضو معهد تشارترد، "أن الأمر الآن بشكل عام يتلخص في تفاوت الإجراءات التي إلى الآن قياسا بالوضع الحالي مقبولة وجيدة. وفي بعض الأحيان انتشلت الأسواق المالية من انخفاضات شديدة، هدأت من حدة التراجعات على الرغم من أن الأسواق تتأثر بشكل كبير بعوامل نفسية قوية وتعطل بعض القطاعات الحيوية مثل السفر والطيران". ولفت إلى السيطرة على المرض مهمة للغاية متوقعاً أن تستمر قسوة الوباء بالفترة المتبقية من الشهر الحالي وربما أبريل (نيسان) المقبل.

تأخر السلطات المالية

من جانبها، قالت وكالة إس آند بي جلوبال، إن البنوك المركزية باشرت باتخاذ إجراءات متعددة، حيث قامت بخفض كبير على أسعار الفائدة، واستئناف شراء الأصول وضخ السيولة النقدية. وقد تأخرت السلطات المالية بشكل عام إلا أنها بدأت بتخفيف القيود على الإنفاق، ونتوقع أن يكون هناك إنفاق أكبر يستهدف المجموعات الأكثر تضرراً في الفترة المقبلة.

وأوضحت الوكالة في تقرير الأحد، أنه مع تصاعد انتشار وباء كوفيد-19 وتراجع النمو الاقتصادي بشكل حاد بسبب تقلبات الأسواق وزيادة الضغط على مستويات الائتمان، يتوقع المحللون الاقتصاديون لدى الوكالة بأن يشهد العالم ركوداً اقتصادياً هذا العام.

وتوقعت الوكالة أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى نسبة ما بين 1.0 في المئة إلى 1.5 في المئة خلال عام 2020، مع احتمالات بالمزيد من التصاعد في المخاطر.  

وأشارت الوكالة إلى تسارع انتشار فيروس كورونا المستجد بشكل كبير، وتفاقم تأثيره الاقتصادي بصورة حادة. وتبقى البيانات الاقتصادية المتوفرة محدودة، إلا أن الأرقام الأولية التي أعلنت عنها الصين لشهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) كانت أسوأ بكثير مما كان متوقعاً.

وتابعت الوكالة، "يبدو أن انتشار الفيروس التي اعتبرته منظمة الصحة العالمية وباءً منذ 11 مارس (آذار)، بدأ بالتراجع في معظم قارة آسيا، إلا أن القيود التي تم فرضها على التواصل بين الناس في قارة أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، أدت إلى انهيار الأسواق بسبب تصاعد العزوف عن المخاطر والتشاؤم الكبير بشأن توقعات النمو الاقتصادي والأرباح وجودة الائتمان".

بداية استقرار مؤقت

وفي هذا الشأن، قال بول جرونوالد، كبير الاقتصاديين في "إس آند بي جلوبال"، "تشير البيانات الصينية الأولية إلى أن اقتصادها قد تضرر بشكل أكبر مما كان متوقعاً، ولكن هناك مؤشرات إلى بداية استقرار مؤقت. ويبدو أن أوروبا والولايات المتحدة الأميركية تسيران بنفس الاتجاه، حيث إن القيود المتزايدة على التواصل بين الناس قد تؤدي إلى تدهور الطلب في مختلف القطاعات، الأمر الذي سيلحق مزيداً من الضرر بالنمو الاقتصادي في الربع الثاني قبل أن يعود للتعافي في وقت لاحق من هذا العام".

وأضاف جرونوالد، أن المخاطر التي قد تواجه السيناريو الأساسي المعدل لدى " إس آند بي" تبقى متجهة نحو التصعيد، وهناك بعض النقاط الرئيسة التي يجب أخذها بعين الاعتبار أبرزها أن البيانات الأولية من الصين أظهرت أن القيود المتزايدة على التواصل بين الناس ستؤثر في النشاط الاقتصادي. ولا توجد قواعد تجريبية لتقدير مدى تأثير هذا التباعد الاجتماعي على المتغيرات الاقتصادية الرئيسة.

وأفاد كبير الاقتصاديين بأنه في الوقت الذي يواصل صانعو السياسات المالية تكثيف جهودهم، يواجه معظم المشاركين في السوق ظروفاً مالية صعبة. مما قد يدفع هؤلاء إلى استبدال متغيرات السياسة ذات الآثار غير المباشرة على النتائج بإجراءات أخرى مباشرة.

وقال إن الصين تعتبر الآن نموذجاً لكيفية احتواء انتشار الفيروس وإمكانية عودة المجتمع إلى ممارسة حياته الطبيعية. وكما أظهرت، يمكن رفع القيود بشكل أبطأ مما كان يعتقد، لا سيما في ظل استمرار المخاوف على الصحة العامة.

وأكد جرونوالد أنه من الصعب قياس مقدار خسائر القدرة الإنتاجية عن وباء كوفيد-19، وفي حين أن التركيز الآن ينصب على احتواء الفيروس وقياس آثاره السلبية، فإن قوة التعافي النهائي ستعتمد بشكل حاسم على القدرة الإنتاجية التي يمكن استبدالها.

إجراءات غير مسبوقة

من جهته، قال رائد خضر، رئيس قسم الأبحاث لدى "إيكوتي جروب"، مقرها دبي، إن إجراءات البنوك المركزية والحكومات غير مسبوقة قد تكون لها دور في تخفيف حدة تأثير الفيروس على اقتصاداتها، وجاءت هذه الاستجابة السريعة لمساعدة الشركات التي قد تتعرض للانهيار وربما فقدان ملايين الوظائف نتيجة الركود المحتمل للاقتصاد العالمي.

وأضاف خضر، أن الإجراءات المتخذة حتى الآن فردية وجزئية وبدون تنسيق كامل بين الاقتصاديات الكبرى خلافًا لما حدث في الأزمة المالية العالمية في 2008.

كان البنك الاحتياطي الأسترالي من أول السباقين في إجراءات التحفيز عندما قام بخفض أسعار الفائدة أوائل الشهر الحالي، لكننا نراه مع اقتراب الشهر من نهايته يُطلق برنامج التيسير الكمي للمرة الأولى مع تخفيض أعمق للفائدة بالقرب من المستويات الصفرية.

ولفت خضر إلى حمى الاجتماعات الطارئة للبنوك المركزية حول العالم وإقرار خفض مفاجئ لأسعار الفائدة، مع توجه البعض للتوسع ببرامج شراء الأصول الخاص بها في مقدمتها الفيدرالي الأميركي والمركزي الأوروبي وبنك إنجلترا.

وتابع، "ليس فقط البنوك المركزية، ولكن الحكومات أيضاً طلبت المزيد من حزم المساعدات لدعم شركاتها ومواطنيها لتخطي هذه الأزمة. ولكن في ظل عدم التوصل إلى لقاح مؤكد لعلاج الفيروس، ربما تكون هذه القرارات ما هي إلا بداية موجة لمجموعة أخرى من القرارات التي ستُحاول تحجيم تداعيات الفيروس على الاقتصاد".

وأشار إلى أن فشل أو نجاح إجراءات التحفيز المالي والنقدي سيتوقف على سرعة التوصل إلى لقاح لعلاج الفيروس، أو نجاح إجراءات التباعد الاجتماعي في السيطرة على الفيروس، وإلا سنرى استمراراً للوضع الحالي وربما ما هو أسوأ، فقد نجحت الصين إلى حد كبير في السيطرة على انتشار الفيروس.

وقال رئيس قسم الأبحاث إن الأنباء حول أن بعض العلاجات المتاحة حالياً كان لها نتائج إيجابية على الفيروس ستهدّأ الوضع قليلاً، إلا أنها لا تزال في مرحلة التجربة. ومع عدم وجود حل جذري للفيروس نتوقع أن يكون هناك مزيد من الإجراءات، وسيكون كل ذلك مترتب على تطور الحالات ومدى الاستجابة للإجراءات المتخذة في الوقت الحالي.

البيانات الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية

ويرى خضر، "أن المؤشرات أو التوقعات لن تجيب عن أسئلة ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيتعافى مرة أخرى أم لا؟، حيث إن بيانات النمو في الأوضاع الطبيعية تكون غير متوقعة وبالكاد يُمكن الاعتماد عليها، فما بالك ونحن أمام مسار غير معروف للفيروس، وكذلك جهود الاحتواء للفيروس وفعاليتها، وردود الأفعال للشركات والمستهلكين".

وقال إن بعد التراجعات الحادة للأسواق خلال الفترة الأخيرة تعد إشارة على ركود مؤكد للاقتصاد العالمي خلال النصف الأول من عام 2020 قد يتبعه تعافٍ للأسواق مع النصف الثاني من العام.

وأضاف خضر أن بيانات الربعين الأول والثاني قد تشهد أرقاماً ربما لم تُسجلها منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن سيناريو الركود قد يأخذ شكل الحرف في ( V)، أي أنه بعد الانزلاق الحاد ربما نشهد ارتفاعاً حاداً لاحقاً، ولكن سيترتب ذلك على احتواء تفشي المرض التي تجعل تلك التقديرات والتكهنات صعبة، في ظل أن تلك الأحداث غير مسبوقة.

أزمة السيولة

بينما قال محمد مهدي عبد النبي، مستشار أسواق الأسهم العالمية، إن البنوك المركزية تواجه خطر تحول أزمة السيولة إلى أزمة مالية، ومن غير الواضح ما إذا كانت الإجراءات التي تم اتخاذها ستكون كافية لمنع انتشار حالة الذعر والهلع بين المستمرين، أو امتصاص صدمة كورونا.

وأضاف أن عدوى كورونا أصبحت تهدد الاقتصاد العالمي الذي يعاني بالفعل نقاط ضعف مختلفة تماماً، عمّا كان يعانيه العالم قبيل الأزمة المالية، موضحاً أن ديونه أصبحت أكثر بكثير مما كانت عليه حين الأزمة المالية الأخيرة.

وقال، "ربما تولّد الآثار الاقتصادية لتفشي الفيروس جيلاً من الشركات عاجز عن دفع أقساط الفوائد والقروض ذاتها وسط التداعيات الخطيرة للمطارات المهجورة والقطارات الفارغة والمطاعم شبه الفارغة على النشاط الاقتصادي ككل".

ورجح عبدالنبي أن الوقت الحالي مهيأ لحدوث أزمة أكبر من الأزمة المالية العالمية مع بلوغ الديون مستويات قياسية على سبيل المثال في قطاع الشركات الأميركية وصلت لـ75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

المزيد من اقتصاد