كورونا يهدد قوى الحرية والتغيير في السودان

قادة في التحالف يؤكدون أن الخلافات أمر طبيعي وصحي ويستبعدون أن تعصف بالحكومة الانتقالية

تظاهرة احتجاجية في العاصمة السودانية الخرطوم في فبراير الماضي (غيتي)

يبدو أن حال القلق التي يعيشها السودانيون بسبب فيروس كورونا، خصوصاً بعد إعلان وزارة الصحة عن اكتشاف حالة إصابة ثانية، أثرت نفسياً في مناحي الحياة، ولا سيما السياسية. فقد أصابت عدوى هذا الفيروس قوى الحرية والتغيير. وباتت هذه الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية تشهد خلافات عميقة بين مكوناتها. وخرجت أصوات تطالب بإعادة هيكلة هذا التحالف والعمل على تصحيح مساره، ليتماشى مع أهداف الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019.

لكنّ قادة في قوى الحرية والتغيير يؤكدون لـ "اندبندنت عربية" أن ما يحدث من خلافات وتباين في وجهات النظر، في مجمل القضايا محل النقاش، أمر طبيعي وصحي، في ظل تحالف عريض يتشكّل من أحزاب تختلف في طروحاتها وأفكارها وأيديولوجياتها. ويستبعد القادة أن تعصف هذه الخلافات بالحكومة الانتقالية، لأن الجميع متفق على ضرورة العبور بهذه الفترة إلى بر الأمان.

تماسك التحالف

وتعليقاً على الخلافات، يقول رئيس المكتب السياسي في حزب الأمة القومي محمد المهدي، إنّ "الخلافات مسألة طبيعية حينما يكون هناك تحالف يضم كتلاً وأحزاباً عدّة، فهناك رؤى مختلفة تسعى إلى تصحيح الوضع القائم. وهذا ما يحدث داخل قوى الحرية والتغيير. وهو أمر ليس له تأثير في الحكومة وأدائها".

ويلفت إلى أنّ الخلافات تركّزت حول مسار السلام وكيفية معالجة الأزمة الاقتصادية. فكان لكل مكون وجهة نظر ورؤية للتعامل مع هذين الملفين وتداعياتهما. فمثلاً، حزب الأمة القومي اعترض عند تشكيل الحكومة على نظام المحاصصة. وكانت للحزب الشيوعي السوداني وجهة نظر في شأن وجود المجلس العسكري في المجلس السيادي.

ويضيف "كل هذا التباين لم يؤثر في دعم تلك المكونات مجتمعة للحكومة، كون قوى الحرية والتغيير هي الحاضن السياسي للحكومة الانتقالية"، منوّهاً بأن "القوى المؤيدة للثورة الشعبية التي أطاحت بنظام البشير تملك الوعي للحفاظ على تماسك التحالف السياسي للثورة، ومن خلفه لجان المقاومة كداعم فاعل للحكومة الانتقالية". وفيما يجزم المهدي بأنّ "الخلافات موجودة كاتجاه طبيعي وصحي"، يشدّد على أنها "لم تصل إلى مرحلة كسر العظم، والجميع متفق على طي صفحة الماضي البغيض وعدم الرجوع إلى الوراء".

مشاكل وعثرات

في المقابل، تعرب القيادية في حزب الأمة مريم الصادق المهدي  عن استيائها ممّا يدور على الساحة السياسية من أزمات، ما دفعها إلى الاستقالة من الآلية الاقتصادية التي شُكلت في اجتماع ثلاثي ضم مجلسَيْ السيادة والوزراء والمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي استفحلت في البلاد، لافتةً في بيان إلى أن الخطوات التي اتُّفق عليها واجهت مشاكل وعثرات لحل الأزمة الاقتصادية في السودان.

وتضيف "الآن، بعد مضي عشرة أيام وسط صمت غريب من الأطراف الثلاثة، تعيش اللجنة حالة موت ولا تستطيع تقديم شيء مع غياب منهجية واضحة للعمل في دولاب الدولة وغياب روح الفريق، وضعف القدرة على الثبات على القرارات المتخذة، وكلها عوامل تغذّي وتقوّي بعضها البعض وتجعل من الوضع الراهن المفهوم، وضعاً كارثياً خطيراً". وتوضح "في اجتماع ثلاثي عُقد في 10 مارس (آذار) الحالي، أبلغنا رئيس مجلس السيادة بتحويل رئاسة الآلية إلى رئيس مجلس الوزراء، ولم تعقد الآلية اجتماعاً أو تصدر قراراً منذ ذلك الوقت، وهو أمر مؤسف لا أقبله".

عدم توافق

وسط ذلك، يكشف عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي صديق يوسف، عن أن قوى الحرية والتغيير لم تكن منذ البداية على توافق تام بين مكوناتها السياسية. فكانت هناك رؤى مختلفة في شأن قضايا مصيرية عدّة، لكن اتُّفق على التعامل وفق سياسة الحد الأدنى. ويؤكد أن هذه الخلافات التي برزت مهما كان حجمها لن تعصف بالحكومة الانتقالية، وهناك قدرة على معالجتها من خلال الحوار، فضلاً عن أنها لم تؤثر في الوضع العام بين الفصائل المكونة لقوى الحرية والتغيير.

ويتابع أنّ "ما يحدث داخل قوى الحرية والتغيير يُعتبر صحياً، إذا نظرنا إلى أن التحالف يتشكّل من أحزاب تختلف في طروحاتها وأفكارها وأيديولوجياتها. بالتالي، لا يمكن لأي مكون أن يدّعي أنّ وجهة نظره تمثل الغالبية، وما يتفق عليه الجميع هو أن نعبر بالفترة الانتقالية إلى بر الأمان وننجز مطالب الثورة".

تصحيح المسار

في الإطار ذاته، يعتبر القيادي في قوى الحرية والتغيير ورئيس الحزب الاتحادي الموّحد محمد عصمت، أنّ هناك مجموعاتٍ داخل قوى التغيير تقود التحالف الحاكم كلّ يوم ٍمن فشلٍ إلى آخر، وأنّ المجموعات تلك هي التي تقود الحرية والتغيير منذ أشهر، داعياً باسم حزبه إلى "إعادة هيكلة تحالف الحرية والتغيير الذي انحرف عن تحقيق أهداف الثورة وإلى تصحيح المسار".

ويرى أنه "إذ كنّا نتحدث عن التغيير والحرية، فنحن بحاجة إلى تغيير داخل هياكل هذه القوى".

ويكشف عصمت عن أنّ التغيير داخل التحالف مرحّبٌ به من جانب مساندين كثيرين والمساعي أثمرت اتفاقاً على تنظيم مؤتمر لمكونات الحرية والتغيير.

شق الصف

في غضون ذلك، يتهم التجمع الاتحادي السوداني، وهو أحد المكونات الأساسية لقوى الحرية والتغيير، المكون العسكري بمساومة مزعومة مع القوى الإسلامية ومكونات نظام البشير لتعطيل عملية تفكيكه وحماية رموزه، مشيراً إلى أن "الاستهداف المباشر هو عرقلة عمل لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد وتوفير الحماية والملاذات الآمنة لرموز النظام السابق المطلوبة للعدالة".

ويرى في بيان أنّ "تلك الأطراف عملت على اتخاذ قرارات في غاية الخطورة من وراء ظهر مؤسسات قوى الحرية والتغيير، وعبر إغراء أفراد واستخدامهم كبيادقٍ لشق الصف الثوري، وصنع دائرة محدودة العدد وذات توجه سياسي معروف واعتمادها كحكومة موازية لحكومة الثورة"، منوّهاً بأنّ "هدف الخطوة هو استقطاب بعض المكونات الثورية من أجل إضعاف قوى الحرية والتغيير، وإيجاد تحالفٍ جديد يشمل الموالين للنظام البائد وقوى الثورة المضادة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أنّ "التراخي المتعمّد تجاه إزالة التمكين ومحاربة الفساد، فتح الباب أمام بقايا نظام الثلاثين من يونيو 1989 لتنظّم نفسها، ولتضع العراقيل أمام عملية الانتقال تارةً بضرب الاقتصاد الوطني الذي ما زالت تسيطر عليه قوى الرِدة، وطوراً بتعبئة الشارع ضد حكومة الثورة"، مشدّداً على أن هذه المجموعات شرعت في تنظيم نفسها أمام مرأى السلطة الانتقالية وأجهزة إنفاذ القانون، وموضحاً أنّ تفكيك دولة التمكين يمثّل خطاً أحمر لن يُسمح لأي فئةٍ بالمساومة عليه والالتفاف حوله.

ويؤكد "أننا سنسعى مع القوى الثورية التي تشاركنا الهدف ذاته إلى منع التقارب مع مكونات النظام البائد وإنّنا مستمرون في دعم حكومة الانتقال من أجل تحقيق شعارات الثورة حتى تعبر بلادنا هذا المنعطف التاريخي المهم".

ممارسات خاطئة

وينتقد رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في قوى الحرية والتغيير عمر الدقير، الممارسات الخاطئة للحكومة الانتقالية باعتبارها تضرّ بالعملية السياسية، منادياً بعدم اتّباع سياسة التمكين في الخدمة المدنية. ووصف ذلك بـ"الموبقات التي كنستها الثورة، ويجب ألاّ يُسمح بعودتها بأيّ شكلٍ من الأشكال".

وكتب في تغريدة على تويتر "الأسلم تكوين مفوضية الخدمة المدنية وطرح الوظائف للتنافس النزيه بين السودانيين وفق معايير سليمة ومعلنة"، مشتكياً من "أنّنا لا نعلم الجهة التي تنجز التعيينات في الوظائف القيادية في الخدمة المدنية".

ووسط تحفّظه على السياسة الاقتصادية للحكومة وما صاحبها من "أزمات في الخبز والوقود وارتفاع في أسعار السلع الاستراتيجية التي أرهقت كاهل الشعب السوداني"، يوضح الدقير أنّ "ما تواجهه المرحلة الانتقالية من صعاب وتحديات عدّة لا معبر منها إلاّ بالوحدة حول أهداف الثورة وغاياتها، وهو ما سنظلّ نتمسك به وندعو إليه".

التحالف

يُذكر أن تحالف قوى الحرية والتغيير تأسّس في يناير (كانون الثاني) 2019 عقب الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2018 والتي أطاحت بنظام البشير. ويضمّ التحالف تجمع المهنيين السودانيين وتحالف قوى الإجماع الوطني وتحالف نداء السودان والتجمع الاتحادي وتجمع القوى المدنية، وهو التحالف الذي صاغ إعلان الحرية والتغيير، الذي دعا إلى إسقاط النظام السابق.

وواصل هذا التحالف تنسيق الاحتجاجات ضد المجلس العسكري الذي تولّى الحكم بعد سقوط البشير. ثم دخل في مفاوضات مع المجلس العسكري حتى توصلا في يوليو (تموز) 2019 إلى اتفاق لحكم البلاد في فترة انتقالية لمدة 39 شهراً بموجب وثيقة دستورية وقّعها الطرفان (قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري) في 17 أغسطس (آب)، ليتم تشكيل مجلس سيادي برئاسة الفريق عبد الفتاح برهان، ومجلس وزراء برئاسة عبدالله حمدوك.

المزيد من العالم العربي