Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فايز سارة: سوريا أصبحت كيانا محتلا تتقاسمه قوى إقليمية ودولية

قال إن نظام الأسد مرهون للروس والإيرانيين... وبقاؤه يستند إلى عدم توافق داعميه على بديل

يرى فايز سارة أن مشكلة السوريين أنهم لم يستطيعوا بناء نظام بديل للأسد (أ.ف.ب)

الكاتب السياسي السوري فايز سارة واحدٌ من أبرز شخصيات المعارضة السورية، إذ اُعتقل في سجون الأسد الأب، ولاحقاً في معتقلات الابن، فمع الأب حينما شارك في نوفمبر (تشرين الثاني) 1970 في أول تظاهرة ضد حافظ الأسد، وفي العام 1978 لنشاطه مع جماعات معارضة النظام. ومع الابن سُجِن عامين ونصف العام في يناير (كانون الثاني) عام 2008 بوصفه أحد نشطاء ربيع دمشق وبين مؤسسي إعلان دمشق 2005.

نظام الأسد مرهون
في البداية، تحدّث فايز عن الفرق بين بداية الثورة والوضع السوري الراهن، قائلاً: "توجد فروقات كثيرة وكبيرة، يصعب حصرها، لذا يمكن أن أركّز على ثلاث نقاط في فارق الوضع السوري بين بداية الثورة والوقت الحالي. أوّل النقاط أننا لم نعد أمام سوريا التي نعرفها، بل صرنا أمام كيان محتل، تتقاسمه سيطرات مؤقتة لقوى إقليمية ودولية القسم الرئيس منها، وأعني روسيا وإيران وميليشيات الأخيرة، استدعاهم نظام الأسد للدفاع عنه وحمايته من السقوط، والبقية جاءت نتيجة التطورات السياسية والميدانية، دون أن أغفل دور القوى المتطرفة من دينية وقومية، وقوى المعارضة، خصوصاً التشكيلات المسلحة، التي ارتهنت غالباً إلى داعميها أكثر بكثير من مراعاة مصالح سوريا والسوريين، وبين هؤلاء من له سيطرة مؤقتة في سوريا مثل الولايات المتحدة وتركيا".

وأضاف، "النقطة الثانية، أنه ليس لدى السوريين تجاذبات جامعة أو مواقف مشتركة حتى على صعيد المجموعتين الرئيستين: الشعب بما يعني من بشر وتشكيلات وشخصيات سياسية واجتماعية، والنظام بما يعنيه من حاضنة ومؤيدين وأجهزة عسكرية وأمنية، حيث كان الهدف الرئيس للأول تغيير النظام وإقامة نظام ديمقراطي، يوفّر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وهدف الثاني حماية النظام من السقوط وإعادة الثائرين إلى حظيرة النظام. أمّا اليوم فلم يعد لهذه المشتركات الرئيسة الحجم والتأييد ذاته. ثمة قوى في الجانبين لها أهداف أخرى، وأحياناً مشتركة منها هدف الإبقاء على الوضع الحالي، وهو هدف أمراء الحرب والمستفيدين منها على جانبي الصراع".

وتابع السياسي السوري، "النقطة الثالثة، أن السوريين (الشعب والنظام) كانوا عند اندلاع الثورة، يمثلان القوة الفاعلة في تحديد مستقبل سوريا، وهو أمر تبدّل بصورة كلية اليوم، حيث لا تأثير يذكر للسوريين في ما يمكن أن يؤول إليه مصيرهم ومصير بلدهم. فنظام الأسد مرهون في قراراته كلياً إلى الروس والإيرانيين، والأمر في هذا لا يقتصر على القرارات السياسية والعسكرية والأمنية، بل يشمل أي قرار، إذا كانت له تأثيرات راهنة أو مستقبلية عليهما أو على أحد منهما، والمعارضة لا صوت لها، بل لا حول ولا قوة ولا تأثير، إنما أزيز يدور في فضاء الداعمين".

فشل المبادرات السياسية
وعن سبب فشل المبادرات والمفاوضات في سوريا، يقول فايز: "السبب الأساسي والجوهري لفشل المبادرات السياسية ووصول أي مفاوضات في سوريا إلى حائط مسدود هو النظام. ولا أقول ذلك من باب الخلاف السياسي، إنما استناداً إلى الواقع والوقائع، التي كرّسها نظام الأسد في علاقته مع السوريين ليس في سنوات الثورة فحسب، إنما في السنوات العشر التي سبقتها".

وأوضح، "منذ مجيء بشار الأسد إلى رأس السلطة عام 2000، تكررت مساعي السوريين للإصلاح في سوريا، وإخراج البلاد من وضعها المأساوي الذي وصلت إليه على كل الأصعدة، لا سيما على الصعيدين السياسي والاقتصادي، لكن النظام قابل ذلك بالرفض، بل إنه زاد على الرفض، قمع الحراك الشعبي ونشاط المعارضة في ربيع دمشق 2000 - 2005، حيث أغلقت المنتديات ومنعت الاجتماعات، وفرضت رقابة مشددة على كل النشاطات بما فيها الأنشطة الثقافية، وجرى اعتقال عشرات من المعارضين، بينهم نخبة من المثقفين وقادة الرأي، وبهذا كرّس النظام رفضه التفاهم مع السوريين وفعالياتهم السياسية والاجتماعية، وهو ما أعاد تأكيده بوضوح في بداية الثورة، عندما رفض مطالب المتظاهرين وقادة الحراك الثوري وقوى وشخصيات المعارضة، وشرع بقتلهم واعتقالهم وتهجيرهم".

وتابع، "إذا عدنا إلى العام الأول للثورة، يمكن أن نستعيد رفض نظام الأسد جهوداً إقليمية ودولية، وأغلب أصحابها كانوا من أصدقاء النظام، الذين كانوا يرتبطون معه بعلاقات وثيقة. إذ رفض جهود تركيا وقطر، كما رفض مساعي الأردن والسعودية لمعالجة الوضع، بل إنه وحتى في الحالات التي وجد نفسه مضطراً لقبول مبادرات يتعذّر عليه رفضها صراحة مثل مبادرة الجامعة العربية ومبادرة المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا كوفي عنان المعروفة بـ(بيان جنيف) 2012، فإنه وضع العراقيل لمنع أي تقدم في المبادرتين، فماتت المبادرة العربية، وصارت جهود جنيف وجولاتها طي النسيان".

واستكمل فايز، "إن رفض النظام المبادرات والتفاوض للوصول إلى حل في القضية السورية أو في أحد جوانبها، لا يستند فقط إلى مجرد الرفض. إنما إلى أمرين آخرين، أولهما دعم ظاهر أو خفي من قوى دعمه، خصوصاً روسيا والصين وإيران، وثانيهما تراخي وميوعة المواقف الدولية إزاء سياساته وممارساته، خصوصاً الموقف الغربي، كما حدث في قضية استخدام النظام السلاح الكيماوي، التي مرّت وكأنها لم تحدث".

لا يحكم ولا يمارس السلطة
وحول تقييمه الحالة التي وصلت إليها الثورة السورية ونظام الأسد اليوم، قال: "يحلو لنظام الأسد وحلفائه، ولأوساط أخرى وبعضها محسوب على الثورة، القول إن ثورة السوريين فشلت، وإن نظام الأسد انتصر، وبعضهم ربما يفكّر في إقامة احتفالية لنصر النظام، ومجلس عزاء للثورة. وأنا أجزم أن ذلك جزءٌ من الحرب على السوريين وثورتهم، كما عوّدنا النظام وحلفاؤه، وهو خطأ كبير من جانب آخرين".

وأضاف، "كان هدف الثورة هو تغيير الواقع بالنسبة إلى السوريين، وللحق فإنّ الواقع تغير. فلم تعد سوريا كما كانت، ولا الشعب السوري كما كان، وكذلك النظام الذي كان يملأ الفضاء السوري ومحيطه الإقليمي رعباً، لم يعد يخيف أحداً. لقد تغير كل شيء تقريباً، لكن التغيير تكلّف فاتورة كبيرة جداً، ومؤلمة من الناحيتين الإنسانية والمادية، وهذا يؤكد أن الثورة على نظام الأسد كانت ضرورية، ولا بدّ منها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستكمل، "الثورة في فكرتها تحققت أو تحقق القسم الأساسي منها. حيث ثار السوريون على نظام كانوا يتهيبون ويخافون الثورة عليه، وغيروا واقع بلدهم الرازح تحت نظام، لا يمكن أن يكون هناك ما هو أسوأ منه، مشكلة السوريين وثورتهم، أنهم لم يستطيعوا الانتقال إلى بناء نظام بديل، وهو هدف أساسي للثورة، وهذا ليس بالأمر الهين والسهل، خصوصاً في ظل السياسة الدموية للنظام وحلفائه، وتدخلات بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وتراخي المجتمع الدولي، ما جعل إقامة النظام البديل، يتطلب وقتاً وجهداً لا بد من أن يتواصلا ليرسما ملامح سوريا المقبلة، ويحولاها إلى حقيقة واقعة".

وتابع الكاتب السوري، "الكلام عن انتصار النظام وعن بقاء رموزه نوع من الكذب والأوهام، التي لا تباع ولا تشترى. فالنظام اليوم لا يحكم ولا يمارس السلطة على أي شيء في سوريا، إلا من خلال المحتلين الروس والإيرانيين وميليشياتهم وبواسطة قواتهم، وهو لا يستطيع أن يحل أي مشكلة، مهما صغرت ومنها تأمين الوقود أو توفير الأمن حتى في معقل العائلة الحاكمة في القرداحة. فأي نصر لنظام بهذه المواصفات، وأي قدرة لبقاء رموزه بمن فيهم بشار الأسد على رأس السلطة القائمة في دمشق؟ إن بقاء بشار لا يستند إلى قوته ونفوذه بمقدار ما يستند إلى عدم توافق داعميه على بديل، واستقالة المجتمع الدولي من مسؤولياته".

العلاقات السورية - العربية
ويرى فايز أن "غالبية الدول العربية لها تجارب مرة وسيئة مع نظام الأسد سواء في عهد الأسد الأب أو في عهد وريثه بشار. وتاريخ العلاقات السورية - العربية، يقدم مئات الأحداث والوقائع، التي تشهد على مواقف الأسدَين المعادية الدول والحكومات العربية ومواقفها ومواطنيها، إضافة إلى ما قاما به من تدخلات في شؤون الدول العربية، ومنها تدخلات في الموضوع الفلسطيني، ومثلها في شؤون لبنان والعراق والأردن وبلدان الخليج".

وأوضح، "عندما انطلقت ثورة السوريين في 2011، تجنّبت غالبية الدول العربية تأييدها، لأسباب من بينها أنها لا تريد أن تفتح بوابة صراع مع نظام الأسد، لكن بعضها ولأسباب مختلفة، حاول مع نظام الأسد من أجل حل في سوريا، لكن الأخير رفض كل المساعي العربية، وأصرّ على المضي في حله الأمني - العسكري، ما وسّع هامش الخلاف العربي مع نظام الأسد، ثم نشأ موقف عربي ضد سياسة الأسد وحربه على السوريين، وهو الموقف الذي دعمته غالبية دول الخليج، وقدّمت في إطاره دعماً سياسياً ومالياً للمعارضة، لكن بعض الدول ذهب إلى دعم تشكيلات مسلحة، غلبت عليها صفة التنظيمات الإسلامية المتشددة، ما ألحق ضرراً بالغاً بالثورة نتيجة العسكرة، التي فتحت أبواب أسلمة الثورة، ثم تطييفها، وهذا عزز فرص أكاذيب النظام وحلفائه لوصف الثورة بـ(الإرهاب) و(التطرف) الإسلامي".

وأضاف، "الأسوأ في الموقف العربي من الثورة السورية، كان في مواقف دول دعمت نظام الأسد ومنها دول شمال أفريقيا، وزادت دول أخرى على ما سبق، أن قدّمت مساعدات مهمة للنظام، والإشارة هنا إلى لبنان والعراق اللذين تهيمن على السلطة فيهما جماعات موالية إيران، ورغم أن السلطة اللبنانية، تبنّت شعار (النأي بالنفس عن الصراع في سوريا)، فقد خرقته عملياً بالسكوت عن حزب الله اللبناني وإرسال ميليشياته إلى سوريا، للمشاركة في الحرب على السوريين، وقتلهم وتدمير قراهم، وسكتت عن الحملات التمييزية العنصرية ضد اللاجئين، واتبعت الشيء نفسه إزاء حملات الجيش والأمن اللبناني ضد تجمعات ومخيمات اللاجئين، وحيال عمليات الترحيل الجماعي وتسليم ناشطين سوريين إلى نظام الأسد، وكانت سياسة العراق الذي دعم الأسد في وقت سابق الإرهابيين فيه نموذجاً آخر لتردي الموقف العربي، فإضافة إلى امتناعه عن استقبال لاجئين سوريين باستثناء ما قام به الإقليم الكردي في الشمال، فقد منح تنظيم داعش فرص التمدد إلى سوريا وفيها عبر تسهيل تهريب المتطرفين من سجون العراق، وتسهيل استيلاء داعش على الموصل وما فيها من أموال وأسلحة، ثم دفع ميليشيات من الحشد الشعبي العراقي للمجيء إلى سوريا والمشاركة في الحرب على السوريين".

وتابع، "لقد عكست ترديات الموقف العربي من القضية السورية واقع انهيار النظام العربي، وتشتت المنضويين في إطاره إزاء قضية كان يمكن أن توحدهم، غير أن ذلك ينبغي أن لا يدفع السوريين إلى عداء مع محيطهم العربي، لأنه سيظل جوارهم وعمقهم الذي لا غنى عنه. وقد وفر رغم بؤسه ومشاكله فرص إقامة لملايين السوريين في لبنان والأردن ودول الخليج ومصر والسودان وغيرها، وتوطنت في بعض بلدانه أموال ومشاريع سورية، وقدمت دوله وجمعياته ومواطنيه مساعدات إنسانية وإغاثية كبيرة، لا يمكن نكرانها، ولعل ذلك يخفف من الأثر السيئ لسياسات بعض الحكومات العربية حيال القضية السورية".

القوات الكردية والثورة السورية
ويعتقد الكاتب السوري أنه توجد ثلاثة أسباب أدت إلى ظهور ما سُمي بـ"القوات الكردية". موضحاً "السبب الأول هو عسكرة الثورة، وتحوّلها من النشاط المدني إلى النشاط المسلح، والثاني سياسة تصعيد الانقسامات السورية، خصوصاً الانقسامات العرقية بين الكرد والعرب، والثالث سعي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (pyd)، وهو الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا (pkk) لأجل خلق وتكريس وجود عسكري له في سوريا".

وقال، "أعطت عسكرة الثورة، التي سعى إليها النظام منذ البداية، وأسهمت في تصعيدها معظم القوى الإقليمية والدولية التي تدخلت في سوريا، فرصة لكل من هب ودب لتشكيل ميليشيات مسلحة، ذات هوية أيديولوجية قومية أو دينية، وهكذا صار بإمكان (pyd) بالتوازي مع ما قامت به التنظيمات الإسلامية المتطرفة، ومنها جبهة النصرة وداعش، أن يشرع في إقامة ميليشيات تتبعه، يساعده في ذلك، أن لكادراته الأساسية تجربة تركية طويلة في العمل المسلح، وباستثناء أن تشكيل تلك القوة استند إلى فكرة المظلومية الكردية، التي جرى تصعيدها بعد أن جرى محاصرة دور الشباب الكردي في الثورة السورية، فإن (pyd) كان يتطلع إلى المستقبل في تأسيس تلك القوة، باعتبار أن قوات حماية الشعب، ثم قوات سوريا الديمقراطية التي يديرها، هي أداة تثبيت الإدارة الذاتية في إطار مشروع الأمة الديمقراطية، التي يعمل (pyd) وأشقاؤه من تابعي (pkk) وتنظيماتهم الاجتماعية لتحقيقه في شرق المتوسط شاملين في ذلك بلدان الوجود الكردي: تركيا وسوريا والعراق وإيران".

وأضاف، "ولأن قوات حماية الشعب، وقوات سوريا الديمقراطية، التي ضمّت في صفوفها أعداداً من متطوعين ومجندين عرب وآشوريين وتركمان تحت القيادة الكردية، قامت على تلك الخلفية السياسية، فإنها عارضت وجود ميليشيات كردية شكلتها أحزاب المجلس الوطني الكردي، ودخلت في صراعات عنيفة مع التنظيمات الإسلامية المتطرفة، وفي مقدمتها (داعش) و(النصرة)، واشتبكت مع تشكيلات مسلحة معتدلة من فصائل الجيش الحر، وسعت في كل الأوقات للحفاظ على مستوى معين من العلاقة مع النظام من جهة، وارتباط مباشر وعلني مع الولايات المتحدة، وأظهرت في ذات الوقت مستوى كبيراً من العداء لتركيا، حتى قبل أن تبدأ حالات الاشتباك المباشر بينها والأتراك، التي تمثلت في ثلاث عمليات واسعة: درع الفرات 2016، وغصن الزيتون 2018، ونبع السلام 2019".

واستكمل، "للحق فإن قيادة (pyd) والقوات التابعة، صارت قوة إشكالية في الواقع السوري من خلال علاقاتها المعقدة في التصادم والتحالف مع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية الحاضرة في الصراع السوري، الأمر الذي يجعل دورها الراهن وفي المستقبل، يؤثر سلبياً في الوصول إلى حل سياسي للقضية السورية".

الدور التركي
وعن تقييمه الوجود التركي في سوريا، قال فايز: "تعد تركيا الجار الأهم لسوريا، وأهمية تركيا لسوريا راهنة ومستقبلية أيضاً، لذا كان من المهم والمفهوم، أن تتخذ تركيا موقفاً مؤيداً لثورة السوريين منذ البداية رغم علاقاتها التي كانت مميزة مع النظام قبل الثورة، خصوصاً بعد أن فشلت مساعيها لدى نظام الأسد في معالجة الوضع السوري بطريقة سياسية تبعده عن الحل الأمني - العسكري الدموي الذي اختاره النظام".

وأردف، "شكل التحوّل السابق، بوابة تبدل عميق في سياسة تركيا السورية. إذ سمحت الأخيرة بدخول أراضيها والتمركز فيها لقوى وشخصيات المعارضة السياسية والمسلحة، وفتحت حدودها مع سوريا في الاتجاهين من دون قيود مهمة لمرور الأشخاص والأموال والتجهيزات والسلع والأسلحة المختلفة، ورغم أن ذلك شكّل إنقاذاً لمئات آلاف السوريين من نار الحرب والملاحقة، فإنه سمح بمرور مجموعات إسلامية متطرفة إلى الداخل السوري، وبعضها استقر في تركيا، ما سمح لقوى إقليمية ودولية بتوجيه تهمة إيواء الإرهابيين وتمريرهم إلى سوريا".

وواصل فايز، "ومثلما بدأ ملتبساً، فقد استمر الدور التركي في سوريا في التباس وتناقض، لا يستندان فقط إلى تقلبات إقليمية والدولية، أحاطت بالقضية السورية، بل أيضاً يستند إلى عوامل داخلية تركية من جهة، وعدم فهم تركي الواقع السوري وعلاقاته المعقدة، وسوء تقدير لاحتمالات وتطورات الصراع في سوريا وحولها من جهة ثانية".

واستكمل، "ولعله من الطبيعي، أن تبحث تركيا عن حضور ودور لها في القضية السورية، وكان ذلك متاحاً عبر تحالف قوي وفعّال تنسجه في بدايات الثورة مع المعارضة وقوى الثورة السورية، التي جعلت من تركيا قاعدتها الرئيسة، وقد أضاع الأتراك فرصتهم هذه قبل أن يتوجهوا للحصول على منطقة آمنة تحت رعايتهم، وفشلوا فيها أيضاً بسبب الخداع والمماطلة الأميركية والغربية، الأمر الذي دفعهم إلى استخدام الورقة الكردية، باعتبارها الورقة الأخيرة، وهي التي أتاحت لهم دفع قواتهم في ثلاث عمليات بمساعدة من تبقى من جماعات سورية هشة من التشكيلات المسلحة، وبناء مواقع لها بالتوافق مع شريكهم الروسي في أستانا، وتراهن تركيا من خلال الأمرين على الاحتفاظ بدور لها في تسوية القضية السورية، بما يضمن مصالحها أو لا يتعارض معها على الأقل".

المستقبل السوري
ويرى فايز أن المستقبل السوري "هو المهم في القضية"، وأهميته تتجلى في "ثلاث نقاط" قائلاً، "ينبغي التركيز على السعي لحل مشكلات الشعب السوري التي تراكمت عبر السنوات الماضية، ومثلها المشكلات التي خلقها النظام في الخمسين عاماً الماضية، والثانية توظيف كل ما يمكن من مجريات وأحداث للاستفادة منها في خدمة سوريا المستقبل، حتى لا تضيع التضحيات التي قدمها السوريون في مواجهة النظام وحلفائه، والثالثة السعي الحثيث بالتعاون مع المجتمع الدولي من أجل أن لا تتكرر الأحداث المأساوية التي عاشها السوريون في أي بقعة من العالم وفي أي وقت لاحق".

وواصل، "وسط معنى المستقبل بالنسبة للسوريين، يمكن القول إن هناك الكثير مما يمكن، ويفترض أن يقوموا به من جهود وأعمال بعضها عاجل وملح، يندرج في أولوياته وقف عمليات القتل والتشريد والتدمير، وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين، وعودة من شُردوا إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم، ولا يمكن الذهاب في هذا الطريق من دون الوصول إلى اتفاق يوقف الصراع المسلح، وهو ما يجب أن يكون بين المهمات العاجلة والأولى، ويشكّل ذلك مفتاحاً لمعالجة القضايا المهمة، والأقل سخونة في واقع السوريين الحالي وفيها ما خلفته السنوات الماضية من الدمار والفقر والتشريد، وتدهور الأوضاع المعاشة، لا سيما في مجالات الأمن والصحة والتعليم، إضافة إلى المشكلات التي أسسها وكرّسها نظام الأسد أيام الأب والابن في حياة السوريين، ومنها معالجة الانقسامات الإثنية والدينية والطائفية، والانخراط في عملية تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، وتوفير فضاءات تسهم في إشاعة الحرية، وبدء خط السير إلى العدالة والمساواة والمشاركة السياسية وغيرها".

وأكد أن، "الذهاب نحو هذه المهمات، بات يتطلب خلق قادة سوريين جدد، مميزين بقدراتهم وإمكاناتهم، وبعقلياتهم الحديثة، وهذه بين المهمات الأساسية والعاجلة، التي يجب أن تكون موضع اهتمام السوريين، لا سيما نخبتهم، التي عليها اليوم إعادة تقييم موقعها ودورها في القضية السورية في ضوء ما جرى من تهميش، وتغييب لها ليس من جانب أعدائها فقط، بل من حلفائها وأصدقائها، وهي حالة يتشارك الجميع فيها".

واختتم، "ثمة نقطة أخيرة بصدد المستقبل، لا بد من التوقف عندها، وأساسها أن على النخبويين السوريين، خصوصا المقيمين في الشتات، إيلاء اهتمام خاص لوجود أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين في بلدان الشتات، والعمل على إدماجهم وتطوير قدراتهم وإنجاح حياتهم ومشاركتهم شؤون مجتمعهم الجديد، بالتوازي مع تنظيمهم في أطر ثقافية واجتماعية، تعزز علاقاتهم مع البلد الأم، وتعطيهم فرص دور مستقبلي وجداني ونفعي، يقومون به في إعادة بناء وتطوير سوريا المستقبل".

المزيد من حوارات