فيروس "كورونا" يدفع العراقيين إلى تغيير نمط حياتهم

نسبة الحالات المسجلة غير مقلقة ولكن أي تهاون من الممكن أن يرفع عدد الإصابات

"كان الاقتراح بأن يوضع كل أولئك المصابين في حجر صحي حتى إشعار آخر"... عبارة حتى إشعار آخر الواضحة ظاهرياً، والمُبهمة في الواقع، قد أتت على لسان الوزير لا شعورياً، ليوضح في ما بعد أنه يقصد أن "الحجز قد يدوم 40 يوماً، 40 أسبوعاً أو 40 شهراً أو عاماً، فالمهم هو بقاؤهم داخل الحجر الصحي".

يتداول عددٌ كبيرٌ من الأفراد هذه الأيام هذا المقطع من رواية "العمى" لجوزيه ساراماغو، التي تصور حالة الهلع والذعر التي عاشها الناس مخافة العدوى بعد تفشي وباء يصيب السكان بالعمى، فيُحتجزون ويعيشون فترات طويلة وصعبة في الحجر الصحي. الرواية يراها كثيرون تتشابه مع الأوضاع التي يعيشها العالم الآن مع تفشي فيروس "كورونا"، إذ غيّر هذا المرض  طبيعة الحياة، فالمدارس أغلقت أبوابها والمهرجانات أُلغيت ومعارض للكتب أُجّلت ونشاطات رياضة عُلّقت، خوفاً من انتشار الفيروس. وقد تصاعدت المخاوف من هذا الوباء مع إعلان منظمة الصحة العالمية أن "كوفيد-19 يُعـدُّ جائحة"، أي أنه وباء متفشٍّ عالمياً.

العراق وقرار حظر التجوال

ومع ارتفاع عدد الإصابات في العراق، قررت لجنة الأمر الديواني رقم 55 لسنة 2020، وكإجراء للحدّ من انتشار المرض، إعلان حظر التجوال، وجاء في البيان الذي نُشر في الصفحة الرسمية لوزارة الصحة "قرار الحظر استند إلى قراءة علمية ومشاورات مع منظمة الصحة العالمية للوصول إلى أفضل طريقة للحماية والسيطرة على التزايد المستمر في أعداد المصابين"، كما أشار البيان إلى أن البقاء في البيوت والالتزام بالحظر واتّباع التعليمات الصحية، هي السبل الوحيدة المعتمدة حالياً للنجاة من انتشار الوباء، وبخلافه، "سنتعرض إلى انتشار كبير للمرض بسبب الاختلاط وسرعة انتقاله من خلال التجمعات البشرية، مثل الزيارات الدينية أو التظاهرات وغيرها".

احتمالات حول لقاح الفيروس

في السياق، أوضح أستاذ علم الجراثيم عبد الجبار ناصر الشمري لـ "اندبندنت عربية"، أن فيروس الكورونا المستجد سريع التطور مثله مثل بقية الفيروسات التي تحمل حامض نووي من نوع آر أن اَي RNA، لذلك هناك احتمالان لإنتاج اللقاح، الأول يتعلّق بإمكانية إنتاج لقاح له بعد فترة 12 إلى 18 شهراً على الرغم من تطوره، مثلما يحدث مع إنتاج لقاح ضد الإنفلونزا. أما الاحتمال الثاني، فيستبعد ابتكار لقاح له نتجية تطوره المستمر، كما يحدث مع الفيروس المسبب لمرض الإيدز HIV. فعلى الرغم من اكتشاف الإيدز عام 1981، لم تفلح كل المحاولات لإنتاج لقاح له بسبب تغيّره المستمر.

ارتفاع درجات الحرارة لا يقضي على المرض

وشرح الشمري أنّ الفيروس ينتقل بالاتصال المباشر بين الذرات الهوائية التي تخرج من الشخص المُصاب خلال العطاس إلى الهواء ولمسافة متر إلى متر ونصف المتر، وتبقى في الهواء لمدة ثلاث ساعات، وممكن أن يسقط الرذاذ على الأسطح وتبقى لمدة أربع ساعات على النحاسية منها و24 ساعة على تلك المصنوعة من الورق المقوى، وثلاثة أيّام على أسطح الأغراض المصنوعة من البلاستيك، وعندما يلامس الشخص هذه الأسطح ينتقل الفيروس إلى اليد حيث يبقى مدة تتراوح بين خمس وعشر دقائق، وبمجرد فرك الأنف أو الفم، فإن الفيروس يدخل الجسم".

الشمري قال إنّ المرض لا ينحسر عندما ترتفع درجة الحرارة في الأيام أو الأشهر المقبلة، لأنّ الفيروس ينتقل بين الأشخاص التي تكون درجة حرارة أجسامهم ثابتة 37 درجة مئوية وهي الدرجة المناسبة لتكاثره، ولكن عندما يخرج من الشخص المصاب خلال العطس ويتعرض إلى حرارة عالية وأشعة الشمس، فإنّ فترة بقائه في الهواء أو على الأسطح، تكون قليلة جداً.

الإجراءات الحكومية مرضية

ورأى أن الإجراءات المتخذة من خلية الأزمة هي إجراءات جيدة جداً، ولكن المهم التطبيق وتعاون المواطنين، وذلك لأن المرض خطير ويختلف عن الإنفلونزا. وعليه، فإنّ قرار حظر التجوال ومنع التنقل بين المحافظات وإغلاق الحدود، خصوصاً مع إيران كونها تُعتبر (الآن واحدة من أهم بؤر المرض بعد الصين وإيطاليا) وسيلة مهمة لوقف انتشاره وتداركه.

كذلك، رأى الشمري أن نسبة الحالات المسجلة بالفيروس في العراق هي نسبة غير مقلقة، وبإمكان وزارة الصحة السيطرة عليها، ولكن أي تهاون من الممكن أن يرفع عدد المصابين.

الخوف هو رفيقي الدائم هذه الأيام

غيّر فيروس "كورونا" طبيعة الحياة الاجتماعية التي نعيشها، فبات عددٌ كبيرٌ من العراقيين يتجنبون التجمعات ويسارعون لتخزين المواد الغذائية، خوفاً من أن يعيشوا أيّاماً أسوأ، يصعب التنقل فيها أو الخروج من المنزل.

وقالت سما رياض التي تعمل كصيدلانية في أحد مستشفيات بغداد، إنّ المرض جعلها تعيش في قلق مستمر وإنّ المستشفى الذي تعمل فيه يعاني من نقص في المواد الطبية، كما أنه لا يجري تزويد الصيادلة بالكمامات بحجة أنهم ليسوا بتماس مباشر مع المرضى، معتبرةً أنّ قلة الوعي المجتمعي سيسهم في تفاقهم المرض، فالمصاب لن يلجأ إلى طلب المساعدة، إلاّ عندما تسوء حالته، وهذا يعني أنه نقل العدوى لعائلته ويصل إلى المستشفى  في وضع صحي يصعب على الأطباء علاجه.

تفشي المرض جعلني أخسر مصدر عيشي

حظر التجوال وعلى الرغم من أهميته في الحدّ من انتشار المرض، إلاّ أنّه تسبب بضرر اقتصادي لمن توقفت أعمالهم، بحسب علي عامر الذي يعمل كمندوب براتب شهري في شركة أدوية، ويتطلّب عمله مراجعة الأطباء والصيدليات للترويج لها. قال عامر إنّ وضعه المادي تراجع بسبب انتشار الفيروس، وإن حظر التجوال أسهم في خسارة راتبه كونه غير قادر على مغادرة المنزل.

جانب مشرق

وعلى الرغم من كل التحذيرات والمخاوف التي نعيشها يومياً والتقارير حول تزايد أعداد المرضى، يرى البعض أن هذا الوباء بدّل حياتهم بشكل إيجابي، إذ تعتبر رقية العقابي أن المرض غيّر أنماط عدّة، مثل السلام بالأيدي أو بالحضن، متوقعة أن يتم تجنّب هذه العادات والتقاليد إلى الأبد. العقابي التي تعمل محللة أنظمة وبرمجيات تؤكد تأقلمها مع فكرة العمل من المنزل، قائلةً إنها أصبحت أكثر نشاطاً، إذ "بدأتُ أهتم بجهازي المناعي الذي أهملته سابقاً، وأصبحتُ أتناول الأغذية الصحية وأمارس النشاطات الرياضية".

وهي تعتبر أن العالم سيصبح أجمل بعد الوباء وسنتنفس هواء نقياً.

أما مدرب "اليوغا" صادق نعيم عجينة، فيرى أن الإنسان لا بد من أن يتكيّف مع الوضع ولا يتنازل عن الأمور المهمة التي من الضروري إنجازها. وهو بدأ مع إعلان حظر التجول، بإعطاء دروس اليوغا عبر الإنترنت، ويقول "لا بد من استغلال وقت الفراغ في هذه الفترة بأمور ذات منفعة للإنسان".

أما ربة المنزل ميادة يونس، فتشرح أن هذا الوباء لم يغيّر أسلوب حياتها، إذ إنّ العراقيين اعتادوا على "حياة الطوارئ"، وهي تخرج بشكل مستمر، رافضةً فكرة البقاء في البيت تجنّباً للمرض.

المعتصمون ومحاولاتهم منع انتشار الوباء

كذلك هناك مبادرات مجتمعية وفردية لمحاربة انتشار الفيروس. يوضح مهدي فؤاد الموسوي، أحد المشاركين في الاعتصام في محافظة واسط، أن "ارتفاع أسعار الكمامات في الصيدليات أثقلت كاهل المواطن في هذا الظرف الصعب. لذلك، جاءت فكرة مشروع خياطة الكمامات في الخيمة المسؤول عنها، بعد الحصول على المواد الأولية"، قائلاً "بدأنا بتوزيع الكمامات على القوات الأمنية وبعدها على المحتجين في ساحة الاعتصام، ومن ثم تمكنّا من تزويد المستشفيات". وأكد أنّ خيمة كلية الإمام الكاظم، أصبحت تنتج يومياً أربعة آلاف كمامة.

مبادرات تجد طريقها لمحاربة الوباء

وفي الموصل، يعمل المتطوعون بالتعاون مع البلدية، على تعقيم الأماكن العامة والدوائر الحكومية. كما عمد عددٌ من المطاعم إلى توفير الوجبات الغذائية للملاكات الطبية. ويوضح زيد الويس، عضو فريق الموصل شبكة تثقيف الأقران Y-PEER أن الشبكة نظمت حملة توعية حول فيروس كورونا ووزّعت حقيبة مستلزمات طبية من معقمات وكمامات وكفوف لأكثر من 100 عائلة من المناطق الفقيرة في الموصل، فضلاً عن كراسات للتوعية حول هذا الوباء وطريقة تجنبه.

في الخلاصة، قد ينجح "كورونا" في إيجاد قيم أخلاقية جديدة تتمثل بالتضامن بين الشعوب كونهم يواجهون عدواً واحداً، ولعلّ الـ"أنا" تغيب في الأيام المقبلة لتحلّ محلها قيم إنسانية نبيلة كانت تبدّدت تحت وقع قيم العالم المتسارع والعولمة.

المزيد من متابعات