اليمين المتطرّف يستميل النساء أكثر فأكثر، وأساليبه تحقق نجاحاً

الجماعات الفاشيّة في مختلف أنحاء أوروبا تستغلّ سردية ضيّقة الأفق وقَبليّة لكنها تبعث على الطمأنينة في ظل "الخوف من الآخر" واستعمال العنف ضد النساء كأداة بروبغندا

تقود حزب الفاشيين الجدد الواعد في إيطاليا "إخوة إيطاليا" امرأة يافعة وجذابة هي جورجيا ميلوني. (رويترز)

لا يبدو في الظّاهر أن هناك تنافساً بين الفاشيّة والحركة النسوية. على صعيد الشارع، فإنّ الفاشيّة الجديدة المُتجذرة في عقول المكرهين على العزوبية وكارهي النساء وناشطي حركة حقوق الرجال، هي العدو اللدود لحقوق المرأة بجميع أشكالها.

أمّا على الصعيد النظري، الذي تنشط فيه مراكز البحث المحافظة ورجال الدين، فإنّ الحركة النسوية هي العدو اللدود، ويُتعامل معها على أنّها، إضافة إلى زواج المثليين وكل ما يُخالف الأعراف الخاصة بالنوع الجنسي، جزءٌ من ثالوثٍ آثم، جزءٌ من مؤامرة تدمير المجتمع من طريق تقويض الأدوار الجندرية الراسخة والأسرة التقليدية.

ليس هناك عامل مشترك بينهما. ولكن...

لنبدأ بخرافة المرأة الصالحة: وهي الاعتقاد القوي بأن النساء لو أدرنَ شؤون العالم، لصار رائعاً وجميلاً. بالنسبة إلى أبناء جيلي، فإن تاتشر هي من كشفت لنا أن هذا الاعتقاد خاطئ.

 تعلّمنا بعد ارتكاب الأخطاء أن النظرة الغالبة إلى النساء، وهي نظرة غالباً ما تعتبر أنهنّ يمثّلن الحضن الدافئ، تعود إلى أنهنّ في شطر راجح من التاريخ البشري لطالما استُبعدن من السلطة، وبالتالي لم يتسنَّ لهنّ ارتكاب القدر نفسه من الأعمال السيّئة.

بالإضافة إلى تاتشر، شغل مقاعد حزب المحافظين في بريطانيا فوج من النساء المحافظات غير اللطيفات إلى حد ما: فعلى نطاق أوسع، كان هناك من هنّ من أمثال يونيتي ميتفورد، التي ذاع صيت صداقتها مع هتلر، وكذلك الإعلامية النازية ليني ريفنستال اللتين كنّ المثال على انجذاب بعض النساء إلى الزعماء (الذكور) الأقوياء.

هل كانت هذه الحالات تمثّل استثناءات؟ ليس تماماً. فميتفورد وجدت دعماً وتضامناً في أوساط كثيرات من الناشطات السابقات المطالبات بحق المرأة في الاقتراع، وفي الفرع النسائي من الاتحاد البريطاني للفاشيين، الذي ضمّ في صفوفه ناشطاتٍ مناضلاتٍ سابقاتٍ في مجال المطالبة بحق المرأة في الاقتراع مثل نورا إيلام وماري صوفيا آلن.

كانت بوادر ذلك ظاهرة في قرار إميلين بانكيرست إيقاف حركة المطالبة بحق المرأة في الاقتراع، أو تجميدها على أقل تقدير، طوال مدة الحرب العالمية الأولى. وكانت بادية كذلك في الاعتماد على مجموعات من حركة المطالبة بحق المرأة في الاقتراع في حملة رتبة الريشة البيضاء الرامية إلى تحفيز الشباب المتقاعس على المشاركة في الحرب.

"لا نريد أن نخسرك بالطبع، لكن نعتقد بأن عليك المشاركة،" هذه كانت لازمة نشيد "ملكك وبلدك يحتاجان إليكِ (وهي أغنية لتجنيد النساء)" في العام 1914.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد قرنٍ من ذلك، أصبح وجود النساء في اليمين أمراً لا بدّ منه. ووجهت النساء في اليونان شؤون منظمة الفاشيين الجدد، "الفجر الذهبي"، بعد أن حُبس رجالها ووُضعوا في الحجز وقتاً طويلاً. وفي فرنسا، فإنّ "التجمّع الوطني" اليميني المتطرّف ("الجبهة الوطنية" سابقاً) تقوده مارين لوبان، في حين أنّ حزب الفاشيين الجدد الواعد في إيطاليا "إخوة إيطاليا" تقوده كذلك امرأة يافعة وجذابة هي جورجيا ميلوني.

أمّا في بريطانيا، فاقتصر الوجود النسائي في اليمين إلى الآن على جايدا فرانسين التي شغلت طوال سنوات إلى يناير (كانون الثاني) العام 2019، منصب نائب زعيم الجماعة اليمينية المتطرّفة "بريطانيا أوّلاً".

إذاً، هل يمكن للنساء أن يكنّ يمينيّات ويساريّات أيضاً؟ ليس هذا بالأمر الغريب! فيما يلي عاملان يُبرزان معنى هذا الانسياق نحو اليمين. الأول، هو مدّ المنظّمات اليمينيّة المتطرّفة يدها إلى النسّاء وسعيها إلى استمالتهن من طريق برامج جذّابة سطحيّاً تحتلّ النساء صدارتها، إلّا أنّ ذلك ليس ما تنشده الحركة النسويّة تماماً.

لنأخذ إيطاليا مثلاً

تتوجّه "رابطة الشمال" وغيرها من المجموعات اليمينية إلى النساء في رسائل تخلط الأمن بالاحترام. مع أنّ الأمن الذي تروّج له انتقائي جداً: الحفاظ على أمن نسائنا "نحن"، وليس نساءهم.

وكما تقول لي مدوّنة إيطالية تتناول مسائل العنف ضد النّساء "الفاشيون...لا يدّعون حتّى أنّهم نسويّون".

وتضيف "]إنّهم[ يستعملون العنف ضد النساء كأداة بروبغندا لتأجيج العنصرية والخوف من المغتصبين السود".

ووراء العنصرية الفاضحة تختبئ رؤية غير متوازنة إلى النساء. من جهة أخرى، يستميل اليمين بخطاب مضلّل النساء الإيطاليات ويعدهنّ بعوائدَ مالية لهنّ مقابل "قيامهنّ بواجبهنّ": البقاء في المنزل وإنجاب اليد العاملة الإيطالية المحليّة التي ستظهر الحاجة إليها بعد رحيل المهاجرين جميعهم.

وتتابع المدوّنة "إنّهم يتحدّثون عن النساء وكأنّهنّ من ممتلكاتهم. ولا شيء من ذلك بالطّبع له علاقة بالحركة النسوية. النسويّة اليمينيّة غير موجودة".

نزلت منظّمة تُدعى "العدالة للنساء والأطفال" في سندرلاند البريطانية إلى الشوارع مُطالِبةً السياسيين باحتساب مخاوف النساء المتعلّقة بالعنف الجنسي. ليس هذا أمراً استثنائيّاً: ولكن، كما توضّح لنا التظاهرات النسائية المضادة، فإن خطابات المنظمة وعلاقاتها مع اليمين المتطرّف تدعو للقلق.

هم ليسوا عنصريين أو فاشيين طبعاً. وصحيح أنّهم داعمون للمرأة، ولكن لاحظْ التشديد في حديث شارون بينكس القيادية في المنظمة "نحن نتكلّم عن اغتصاب نسائنا واغتصاب أطفالنا، والمسؤولون لا يحرّكون ساكناً". هل ضمير المتكلّم "نا" في قولها "نسائنا" و "أطفالنا" يعود إلى المواطنين؟ أم أنّها تردّد أصداء اليمين في إيطاليا وفي بولندا، وهو انتقائيّ في ما يخصّ الأشخاص الذين يستحقّون الحماية؟

وبالحديث عن العلاقات غير المقبولة: فشلت السلطات في تعاملها مع قضية الانتهاكات الجنسية على الأطفال في روثيرهام. وتدخّل عدد من الأشخاص مستغلّين خطاب حقوق الإنسان. ومن أصدقاء منظّمة "العدالة للنساء والأطفال" زعيم حزب "استقلال المملكة المتحدة" جيرارد باتين، وتومي روبينسون "مستشار شؤون الاستدراج" في الحزب ذاته.

هم يستغلون سردية ضيّقة الأفق وقبليّة، إلّا أنّها تبعث على الطمأنينة. رسائلهم الرئيسة هي "الخوف من الآخر" و"خطر الغرباء". وفي الوقت ذاته، يُقبلون على رفع لواء "النساء القويّات": إحدى النساء الممثّلات لليمين الإيطالي هي مستشارة أهدت عبوات رذاذ الفلفل لزميلاتها في حزب "الرابطة" – بسبب العنف ضد النساء.

ومن جهة أخرى تدعو للقلق، جماعةٌ نسوية مُنشقّة في المملكة المتحدة جعلت مهمّتها التحذير من خطر المتحوّلين جنسياً. قبل أسبوعين فقط، وضّحت إحدى الأعضاء القياديّات في هذه الجماعة في حديثها إلى "بي بي سي" كيف أنّ "عقيدة المتحّولين جنسيّاً" هي أكبر تهديد تواجهه النساء اليوم.

أمّا أنا، فإنني منحازة ولست محادية. لست مقتنعة تماماً بأن مناصرة حقوق نحو 10 إلى 15 ألفاً من المتحوّلات جنسياً في المملكة المتحدة (وهي الفئة التي تركز عليها الجماعة) ستطيح القيم الجندرية في العالم، بل ما قد يطيحها هو مزيج سام من الاقتطاعات وإجراءات التقشّف وحكومة تفتقد لتعاطف مع الشعب.

انشقاقٌ جديد في صفوف هذه الجماعة يُظهر مدى السوء الذي قد تؤول الأمور إليه. ضمّت الجماعة إلى صفوفها ناشطات على موقع "مومزنيترز"، وهنّ نسويّات متشدّدات. والمفاجأة هي أنّ كثيراتٍ منهنّ أقبلنَ على التقرّب من "مؤسّسة التراث" اليمينية المتطرّفة. يمثلّ هذا تراجعاً سريعاً عن المبادئ بالاعتماد على القول القديم المأثور "عدوّ عدوّي هو صديقي".

وفي عددٍ هائل من القضايا، من حقوق المتحوّلين جنسيّاً إلى العمل في مجال الجنس وحتى الحمل البديل، فإن كثيراتٍ منهنّ يملنَ أصلاً إلى اليمين. لذلك، قد يكون القول المأثور الأكثر دقّة هنا هو "من عاشر رفاق السوء أصبح مثلهم".

إن الحركة النسوية ليست فاشيّة، ولكن اليمين المتطرّف يصبح أذكى يوماً بعد يوم في مخاطبة النساء بخصوص قضاياهن. لن يُهزَم اليمين المتطرّف في أبراج الأكاديميين العاجية ولن يهزم بريشة كتّاب مقالات الرأي.

حتّى نهزم الفاشيّين، علينا أن نتعلّم من النساء في بولندا وإيطاليا وكل مكان في القارّة الأوروبيّة: علينا الخروج إلى الشارع. امشي في المسيرات! واخرجي في التظاهرات! ولكن انخرطي أيضاً في المشاريع المحليّة: تواصلي مع المجتمع خارج فقاعة الإعلام.

هناك نسويّات في المملكة المتّحدة يُحسب لهنّ تكريس طاقة كبيرة لهذا العمل. ولكن ثمة حاجة إلى عددٍ أكبرَ منهنّ.

ولا غنى من تقييمك منظومةَ معتقداتك لتطالبي بعدم الإقصاء والتسامحِ والترابطِ: لأنه إذا كان فكرك النسويّ في المقام الأول إقصائيّاً وينكر حقوق الآخرين الذين يوافقونك الرأي، فأنتِ وإن لم تكوني فاشيّة، إلّا أنّك بذلك تمهّدين الطريق أمام الفاشيّين.

© The Independent

المزيد من آراء