Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غرفة عمليات المستقبل... ابنة "إنترنت الأشياء"

تُمكن الجراحين من اتخاذ أفضل الخيارات وأسلمها

يجري علماء يابانيون اختبارات سريرية لأول غرفة عمليات مستقبلية في العالم (غيتي)

يبذل الجراحون في غرف العمليات جهداً كبيراً عبر متابعتهم العديد من الشاشات التي تبث مشاهد فيديو آنية من المناظير الجراحية، وكذلك مراقبة بيانات الأجهزة الطبية الأخرى التي ترصد حالة المرضى لحظة بلحظة. لكن هذا الأمر على وشك التغيّر مع تطور الأساليب الجراحية الرقمية واقتحام "إنترنت الأشياء" غرف العمليات.

ويتصدر طليعة التحول في غرف العمليات الجراحية، مزيج من "الأجهزة الطبية الذكية" و"إنترنت الأشياء" و"البيانات العملاقة" و"التحليلات المتعمِّقة". وتعني تقنية "إنترنت الأشياء"، ربط أي جهاز بجهاز آخر أو بعدة أجهزة بواسطة الإنترنت بحيث تتشكل شبكة عملاقة مترابطة قوامها "أشياء" متصلة بعضها بعضا تؤدي المهام المطلوبة منها بكل سلاسة وفاعلية.

قسطرة ليزرية

وللتدليل على الأهمية الثورية للتقنية الجديدة، يورد مطورو المعدات الطبية مثال المصابين بـ"اضطراب ضربات القلب"، وهو مرض شديد الخطورة يمكنه التسبب بنوبات أو سكتات قلبية قاتلة. وصحيح أن ثمة أدوية تهدئ أعراض هذا المرض، إلا أنها لا تعالجه، ولا يمكن لها أن تزيل أنسجة القلب التالفة المسؤولة عن "الرجفان الأذيني" المسبب لهذا الاضطراب. لكن برنامجاً رقمياً مدمجاً بجهاز قسطرة يدعى "كارديو ثينجس" (جاء ثمرة تعاون شركتين عملاقتين في مجال "إنترنت الأشياء" هما "ثينج ووركس" و"غلاس بيم") يقدم اليوم حلولاً علاجية لهذا المرض. إذ يعمد جهاز قسطرة رفيع إلى "التسلل" داخل شرايين القلب وثناياه وصولاً إلى الألياف النسيجية التالفة المسؤولة عن "الرجفان الأذيني". وتساعد القسطرة والشاشة المتصلة بها وأجهزة الاستشعار الحساسة، الجراح، على تحديد مكمن الأنسجة التالفة التي تحتاج لإزالة، قبل أن يحرقها بأشعة الليزر المدمجة بالقسطرة، فيتم علاج المريض.

ويقول خبراء متخصصون في مجال تطوير المعدات الطبية، إن دمج البيانات المرسلة عن طريق القسطرة، مع تلك الواردة من أجهزة تخطيط القلب، ومعدات الرنين المغناطيسي، والأبحاث الدوائية، وآلات القياس الطبية الشخصية، وأدوات تحليل الدم ومئات الأجهزة الطبية الأخرى، من شأنه أن يبين لنا كيف ستقود "إنترنت الأشياء" ثورتها في مجال الرعاية الطبية. ويرتكز عمل برنامج "كارديو ثينجس" في الحصول على بيانات القسطرة، وربطها بشبكة "سحابية" بحيث ترسل وتستقبل بيانات من "الأشياء" الأخرى، ومن ثم تحويلها إلى معلومات تتيح لصانعي القرار في المستشفيات والشركات المُصنعة والأطباء الاستفادة والتعلم منها. ومع استخدام الكم الهائل من البيانات الحيوية الآتية من أجهزة استشعار القسطرة، يمكن الإجابة على العديد من الأسئلة، مثل معرفة حالة الأجهزة وهل أنها تؤدي عملها بكفاءة، وطول فترة الجراحة، ومن أكثر الجراحين كفاءة، ومن منهم يحتاج إلى مزيد من التدريب.

ومع تعميم تجربة "إنترنت الأشياء"، فإنه من المتوقع أن تحتوي غرفة عمليات المستقبل القليل من الشاشات، وأن تتواصل أجهزتها المختلفة مع بعضها بعضا، وأن تتبادل البيانات في ما بينها وكذلك مع آلاف النظم الطبية داخل وخارج المستشفى. وستُمكن هذه الابتكارات الجراحين من اتخاذ أفضل الخيارات وأسلمها، كما أنها ستقلل تكاليف المستشفيات مع تحسين العائد على المرضى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أشبه بقمرة مقاتلة

ومن المقرر أن يبدأ هذا العام، الباحثون الطبيون اليابانيون في جامعة شينشو بمحافظة ناغانو، الاختبارات السريرية لأول غرفة عمليات مستقبلية في العالم. وستساعد أجهزة هذه الغرفة ومعداتها التي تشبه إلى حد كبير قمرة قيادة طائرة مقاتلة، الجراحين، من خلال ربط الأجهزة التي يحتاجون إليها بشكل أساسي لأداء مهامهم والحفاظ على أيديهم ثابتة دون حراك أثناء إجراء العمليات. وستُزود الغرفة الجديدة بتقنية الذكاء الاصطناعي لتمكين الجراحين من رصد ومراقبة الحدث وقت وقوعه الفعلي. كما ستتيح "غرفة عمليات المستقبل" هذه، نقل البيانات الخاصة بالعمليات الجارية في الوقت الفعلي لحدوثها إلى مواقع تبعد آلاف الكيلومترات، ما يسمح للأطباء ذوي الخبرة تقديم المشورة للجراحين المشاركين رغم البعد الجغرافي.

ويشير البروفسور كايانو توشيهيتو، من جامعة تسودا، إلى أن اليابان تواجه حاليا نقصا عاماً في عدد الأطباء وخصوصاً الجراحين، ورغم أنها من بين الدول التي تضم أكبر عدد من المستشفيات، إلا أن أطباءها ذوي الخبرة والكفاءة قليلو العدد ومتفرقين في جميع أنحاء البلاد. ويوضح توشيهيتو أنه إذا استطعت اليابان تحسين فعالية العلاج الطبي من خلال الوصل بين الأماكن بواسطة "إنترنت الأشياء"، وربط هؤلاء الجراحين القلائل معا بقدرات وتقنيات مهنية، فإن ذلك سوف يسهم بدوره في تحسين فعالية الرعاية الطبية نفسها.

ومن المقرر أن تعمل تقنية "إنترنت الأشياء" الطبية اليابانية على ربط زهاء أربعين جهازا مختلفا تُستخدم في إجراء العمليات الجراحية، ما يتيح الوصول الشامل إلى الأجهزة والمعدات التي يتم تشغيلها حالياً بشكل أحادي. إذ سيتم عرض البيانات التي تم جمعها بواسطة الأجهزة على شاشة واحدة كبيرة، ما يتيح لكل أعضاء الفريق الطبي الموجودين في غرفة العمليات الوصول إلى المعلومة نفسها في الوقت نفسه. وعلى سبيل المثال، عندما يُحدث الجراح شقا أو فتحة في جسد المريض بمشرط كهربائي، يتم عرض منطقة القطع باللون الأزرق على الشاشة. وإذا استنتجت تقنية الذكاء الاصطناعي احتمال تأثير الشق على جزء من جسم المريض مع إمكانية تعرضه لآثار سلبية لاحقة، فإن النظام يعرض بيانات تحذيرية باللون الأحمر، ويبلغ الجراحين بالمخاطر ما يساعد على تقليل الأخطاء الطبية. وستعمل جميع الأجهزة الأربعين في ترابط تام، بحيث تتحول غرفة العمليات إلى ما يشبه جهاز واحد شامل متكامل يراقب المرضى أثناء خضوعهم للعلاج.

ما فتئت تقنية "إنترنت الأشياء" تتمدد شيئاً فشيئاً داخل حياتنا اليومية. وها هي اليوم، تشُق طريقها بثبات نحو غرف العمليات الجراحية بواسطة عشرات الأجهزة المتطورة المتصلة سحابياً

التنبؤ بموعد الصيانة

وإضافة إلى مراقبة المرضى داخل غرف العمليات، ثمة مهمة أخرى يستطيع برنامج طورته شركة "غلاس بيم" القيام به، ألا وهو تحليل "البيانات غير المنظمة" والتعرف على أي مشكلة تقنية صغيرة قد تصيب الأجهزة الطبية قبل أن تصبح كبيرة وتتسبب في إعطاب الأجهزة الثمينة كثيفة الاستخدام. إذ لم تعد المستشفيات التي تقدم العناية للحالات الحرجة تحتاج للانتظار حتى يتعطل جهاز الرنين المغناطيسي لتعرف أن مشكلة ما موجودة، إذ يمكن إصلاح تلك المشكلة قبل أن تتضخم. ذلك أن تكنولوجيا البرنامج تتنبأ بالمشكلة بسهولة عن طريق تحليل البيانات غير المنتظمة التي يرسلها الجهاز، ويطلق الخبراء على هذه الخاصية عبارة "الصيانة عن طريق التنبؤ".

ويقول المشرفون على عمل المستشفيات، إن ذلك التطور في البيانات التي يمكن الحصول عليها والعائد الصحي الأكثر إيجابية، هو ظاهرة لم نكن نتوقع أن نصل إليها في تلك المرحلة المبكرة من بدايات عصر "إنترنت الأشياء". ويرجح على نطاق واسع أن تلعب هذه البرامج التقنية دورا كبيرا في تقليل مصروفات المستشفيات وتقديم معلومات للأطباء والجراحين حول أفضل سبل العناية بالمرضى بعد أي عملية، سواء كانت استبدال شرايين القلب أو استئصال عضو مصاب بالسرطان أو زرع قلب أو حتى اختبار دم بسيط.

ومع بدء تعميم تقنية "إنترنت الأشياء" في بعض المستشفيات يمكن القول أن الكثير من الأطباء والممرضين وغيرهم من مقدمي الرعاية الصحية سيتستغنون عن الورق وسيعتمدون إما كليا او بشكل كبير على الأجهزة المتصلة بشبكات "واي-فاي" والأجهزة اللوحية "التابلت"، ما سينعكس إيجابا على رعاية المرضى.