الغناء الصومالي... فن يصف حياة الإنسان وأفكاره وآماله

أسهم انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية في منح دفعة كبيرة للفن

المغني الصومالي نعمان هيلاع من مدينة بورما مع الجالية الصومالية بمدينة كولومبوس في ولاية أوهايو الأميركية (مواقع التواصل)

بدأ تاريخ الغناء الصومالي بكونه فناً صوتياً مرتبطاً بأهازيج العمل. وتنوعت تلك الأهازيج، تبعاً للأدوار التي يقوم بها الإنسان في حياته اليومية، من أعمال سقاية القطعان التي يقوم بها الرجال، إلى طحن الحبوب وعمل الحصر لدى النساء، مع تأثير كبير للمدارس الصوفية، وقصائدها في مدح النبي وآل بيته والصحابة والأولياء. وترتبط تلك الأهازيج أيضاً بمواسم الخصب والقحط، والحلّ والترحال، والحراثة والحصاد، واصفةً حياة الإنسان على الأرض الصومالية، وعقائده وأفكاره ومشاعره وآماله ومخاوفه، في صورة قلّما تغيّرت منذ قرون.

إلّا أن المكانة الأدبية للغناء برزت، منبثقةً من الشعر الصومالي، لتكون فناً شعرياً جديداً قائماً بذاته، يُضاف إلى سلسلة من الفنون الأدبية التي تفرع بعضها عن بعض، بعد أن أخذ كلٌّ منها شكله النهائي، ووجد مبدعين يختصون به ويخلصون له، بحيث أدّت غزارة الإنتاج إلى تحوّله إلى فنّ أدبي قائم بذاته.

موقع الأغنية في الأدب الصومالي

يسمّى الأدب في اللغة الصومالية "سوغان" ويشمل النثر والنظم. وينقسم النثر إلى الحكاية والحكمة والخطبة والطرفة والتحقت به فنون حديثة، كالمقال والمسرح بعد الحضور الغربي إلى البلاد، بدءاً من القرن التاسع عشر. أمّا النظم فينقسم بحسب الأقدمية إلى نظم "جبي"، ونظم "طانتو" ونظم "غيرار"، ونظم "برانبر" الخاص بالنساء، ونظم "شِرِب"، ونظم "غورو"، ونظم "هِلَو" الذي انبثق منه نظم "هيس" أي القصائد المغناة.

وتميّزت القصائد المغنّاة بلغتها السهلة، ومقاطعها القصيرة، ويشير باحثون إلى أنه على الرغم من حداثة الفن كفن أدبي قائم بذاته، إلا أنه استمرار لاستخدام للفظة قديمة في اللغة الصومالية الـ "هيس" أو "هيستا"، المرتبطة بصورة مباشرة بمصطلحي "هيست" المصري القديم، و"هزج" العربية، كامتداد لأهازيج العمل، وحداء الإبل وسقي الماشية.

الموسيقى الصومالية

تعتمد الموسيقى الصومالية على نغمات من السلم الخماسي، وتقوم أساساً على الإيقاع الشعري للكلمات المغنّاة، وهو ما يخلق علاقة تكاملية بين الشعر المغنى واللحن الموسيقي، كما أن الحرية الكبيرة الممنوحة للمغني في التحكم بوتيرة اللحن، وتبديل موقع الجملة الموسيقية خلال غنائه، هما أمران يضيفان الكثير من الغنى للأغنية، ما يخفف من الرتابة المعتادة لانتظام الإيقاع الداخلي للنص الشعري المغنّى.
وقد يكون عدم اهتمام المجتمعات الصومالية بالأدوات الموسيقية قديماً، نتيجة حياة الترحال التي عاشتها فئات كبيرة منهم. وبدأت الفرقة الموسيقية الصومالية، بدءاً من أربعينيات القرن العشرين، بجمع أدوات تقليدية كالطبول وأدوات النفخ التقليدية، مع آلات مستعارة من ثقافات أثّرت في الصوماليين عبر الاحتكاك، كآلة العود، والدربكة من المجتمعات العربية، والغيتار، وما تلى ذلك من دخول الغيتار الكهربائي والبيانو والساكسفون، نتيجة للوجود الغربي والتأثر بثقافته.

قصة حب وولادة الأغنية الصومالية الحديثة

في بداية أربعينيات القرن ماضي، عاش في مدينة بورما شاب اسمه عبدي ديقسي أحب فتاة اسمها خديجة بلوو. وكان الشاب عبدي سائقاً لعربة تنقل الركاب ما بين مدينة بورما وجيبوتي، فتعطلت سيارته وهو وحيد على متنها، واضطر لقضاء ليلة في العراء وحيداً، ولم يجد لنفسه في ذلك الوقت من سلوى سوى أن يؤلف نصاً شعرياً قصيراً، ويستمر في إنشاده طوال الليل، ويلحنه بصوته ويستخدم بعض الأدوات المعدنية لمرافقة اللحن بالإيقاع، حتى أتقنه وامتلأ إعجاباً به. وحين وصلته المساعدة وتمكن من العودة إلى مدينته بورما، أصبح يؤدي أغنيته تلك أمام أصدقائه في المدينة، ما جعلهم يولعون بها، وينقلونها من مجلس إلى مجلس، حتى أصبح حديث الناس ومدار الحديث في المجالس، ولم يمض وقت طويل حتى انتقل هذا الفن الجديد شرقاً، وولِد فنّ "هلو" الذي انبثقت منه الأغنية الصومالية الحديثة اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


تطور الغناء الصومالي

شهدت البلاد نهضة كبيرة في الفنون، مع اقتراب الاستقلال، نظراً إلى حرص المنظمات السياسية الصومالية، على إيصال رسائلها إلى فئات الشعب، بخاصة مع ظهور الإذاعات بدءاً من ثلاثينيات القرن الماضي، لكن الغناء والفنون المسرحية الصومالية، لم تشهد نقلة نوعية، سوى بعد حدوث "إنقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 1969"، على يد الجنرال محمد سياد بري، الذي اعتمد نهج الاشتراكية العلمية، وانضمام الصومال إلى المعسكر الشرقي، ما فتح الباب أمام توافر فرص كبيرة لأهل الفن في الصومال، للمشاركة في فعاليات ثقافية دولية مهمة. وأتاح ذلك حصول الكوادر الفنية الصومالية على مزيد من المعرفة الأكاديمية، والتدريب على تقنيات الموسيقى العصرية حينها. كما أسهم انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية في منح دفعة كبيرة للفن الصومالي، نظراً إلى الاحتكاك الكبير الذي حدث بين الفنانين الصوماليين وأشقائهم من دول عربية كاليمن والسودان.

التأثير السوداني في الفن الصومالي

استفاد الصوماليون من الخبرات السودانية الكبيرة في مجال الفن، كما استفادوا من امتلاك السودان فرقاً موسيقية محترفة. وفي المقابل، تأثر الفنانون السوادنيون بالروح الفتية للفن الصومالي، وما منحته من حرية كبيرة في أداء الأغاني للمطربات الصوماليات، بصورة افتقدها الوسط السوداني.

وقد يكون أداء المطربة الصومالية حليمة خليف (مقول/Magool) لقصيدة الشاعر محمد الفيتوري "أصبح الصبح"، معتمدةً على أداء الفنان السوداني محمد وردي، واحدة من أجمل وأوضح أشكال تأثر الفن الصومالي بنظيره السوداني، بخاصة مع النّفس الثوري الذي حملته تلك الأغنية، متماهية مع شعور الصوماليين بالظلم من التعامل الغربي مع أرضهم، شأنهم في ذلك شأن شعوب أفريقية كثيرة.

المزيد من فنون