Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قبل "كورونا" وبعدها... هل تقع واشنطن وبكين في "فخ ثوسيديديس"؟

خياران بين الولايات المتحدة والصين: إما البحث عن سبل للتوازن أو الدخول في تجربة مريرة

السباق بين بكين وواشنطن لم يعد قصرا على رؤوس الأموال بل امتد إلى الرؤوس البشرية (غيتي)

ما الذي يجري من بكين إلى واشنطن؟ هل الأمر إشكالية متعلقة فقط بفيروس الكورونا كمرض خطير تحول إلى جائحة؟ أم أن في المشهد صراع كبير ضمن خطوط المنافسة على القطبية العالمية القائمة والقادمة معا؟

في إطار البحث عن أجوبة شافية للأسئلة المتقدمة وغيرها الكثير يستعيد العالم في حاضرات أيامنا مصطلح "فخ ثوسيديديس"، وحين نقول بالفخ فإننا لانعني هنا المؤامرة التي يمضي في إثرها الكثيرون شرقا وغربا، وإنما نحاجج التاريخ ونسائله عن تكرار أحداثه من دون مقدرة للبشر أن يتعلموا الدرس، وهنا في غالب الأمر تأتي قضية الكورونا كجملة اعتراضية في صراع طويل وعميق لتغيير وجه العالم، ما ستكشف عنه تبعات واستحقاقات الأزمة في قريب الأيام.

 

ظلال الماضي السحيق

من المثير أن أول من استخدم لفظة "فخ ثوسيديديس" في السنوات القليلة الماضية كان الجانب الصيني وليس الأمبركي، إذ أشار إليه الرئيس الصيني شي جين بينغ في كلمة له بالمؤتمر المركزي للعمل الاقتصادي في الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2015.

باختصار غير مخل فإن ثيوسيديديس (460 ق.م 395 ق.م) هو مؤرخ إغريقي شهير صاحب كتاب تاريخ "الحرب البيلوبونيزية"، ويعد أول المؤرخين الإغريق الذين أعطوا للعوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة.

ومن المثير أنه كان أول من تحدث عن مسألة "المناعة" عند الجنس البشري حيث أصيبت أثينا في عهده بالطاعون، ولاحظ أن الذين لحق بهم المرض وشفيوا منه لم يعد إليهم ثانية.

غير أن حديث الفخ هنا موصول بالأمراض والأوبئة بقدر ماهو مرتبط بالصراع البشري، فقد أرخ الرجل للمنافسة الحامية التي درات يوما ما بين أثينا وإسبرطة، والتي استمرت قرابة ربع قرن.

في كتابه عن الحرب في تلك الرقعة الجغرافية وصف لنا ثيوسيديديس المشهد الأممي، ذاك الذي تمثل في صراع ثنائي القطبية بين أثينا القوة الصاعدة في ذلك الوقت، وإسبرطة القوة الأبرز والمهيمنة عسكريا في تلك الحقبة.

كانت إسبرطة صاحبة اليد العليا في شبة الجزيرة البيلوبونيزية، ولهذا وفيما نسمية اليوم بالقرارات الاستباقية والرؤى الاستشرافية، قررت الدخول في حالة منافسة مع أثينا لم تنفك تتطور إلى حالة حرب عسكرية استمرت ثلاثة عقود متصلة أفضت في نهاية الأمر إلى القضاء على أثينا، وإنهاء العصر الذهبي للحضارة اليونانية.

 

عن غراهام أليسون واستعادة الفخ

يحسب للبروفيسور ورجل السياسة الأميركي الشهير غراهام أليسون أنه أول من استدعى هذا التعبير من خلال كتابه الشهير "الاتجاه نحو الحرب: هل تستطيع أمريكا والصين تجنب فخ ثيوسيديديس"، الصادر عام 2017.

كان الطريق الشعبوي لهذا المصطلح قد راج حيث ظهر في إعلان رأي مدفوع في جريدة "نيويورك تايمز" في 6 آذار (أبريل) عام 2017 بمناسبة اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وقد ذكر أليسون بأن كلا اللاعبيين الرئيسيين في منطقة شرق آسيا يتقاسمان التزاما أخلاقيا يوجب عليهما الابتعاد عن فخ ثيوسيديديس، وكأن الماضي يلقى بظلاله على الحاضر.

يدرك أليسون انطلاقا من حيثيته العالية كمحلل سياسي للأمن والدفاع الوطني الأميركي، أن خطوط الطول والعرض للاستراتيجية الامريكية التي وضع لبناتها نهاية التسيعينات جماعة المحافظين الجدد، تمضي في طريق القرن الأميركي ما يعني أنه ما من مكان للصين أو روسيا في مزاحمة العم سام على تسنم العالم.

في مؤلفه السابق الإشارة إليه وجد أليسون نماذج للتنافس بين الأمم الصاعدة وتلك الراسخة في قائمة القوى العالمية عبر الخمسة قرون الماضية، أي منذ العام 1500م، واكتشف عبر دراسات إحصائية أن 12 من أصل 16 حالة كان التسابق بين القوى المتنافسه فيها ينتهي دائما بالنزاع العسكري الطاحن والذي يضر غالبا بالطرفين معا.

هل المشهد يعيد نفسه الآن بين الصين والولايات المتحدة الأميركية؟

 قطعا لاتبدو الصين أنها مستعجلة من أمرها، ذلك أن وراءها مخزون حضاري وقيمي يصل إلى خمسة آلاف عام، ما ينعكس في صبرها الفوق استراتيجي إن جاز التعبير، وقد قال شوان لاي رئيس وزرائها العتيد ذات مرة "يمكننا أن نصبر ألف عام لنكسب قضية من غير صراع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

أرقام في غير صالح أميركا

أدرك أليسون أن بكين سوف تربح واشنطن لامحالة، والأرقام هنا لاتكذب ولا تتجمل.

خذ إليك ما يلي: حين وصل الرئيس الأمبركي الجمهوري رونالد ريغان عام 1981 إلى سدة الحكم في البيت الأبيض لم يكن الاقتصاد الصيني يتجاوز 10% فقط حجم الاقتصاد الأميركي، وحين وصل ترمب إلى السلطة كشفت الأرقام له في 2017 عن ناتج محلي إجمالي صيني يقدر ب23 تريليون دولار، في مقابل 19 تريليون دولار لنظيره الأمبركي مع بعض الإضافات الخفيفة، وإذا واصل الاقتصاد الأميركي والصيني النمو بنفس الوتيرة فإن اقتصاد الصين سيكون أكبر بنسبة 50% من الاقتصاد الأمبركي في 2023 وبحلول عام 2040 سيكون أكبر ثلاث مرات.

السباق بين بكين وواشنطن لم يعد قصرا على رؤوس الأموال بل امتد إلى الرؤوس البشرية ذاتها، أي صراع العقول، وهذا هو الأهم وربما الأخطر والأكثر ازعاجا للأميركيين.

آخر البيانات تشير إلى آنه من بين آفضل عشر جامعات للهندسة في العالم توجد أربعة في الصين وأربعة في الولايات المتحدة.

وفي مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات يتخرج في الجامعات الصينية أكثر من أربعة أضعاف عدد الخريجين في الولايات المتحدة.

والمؤكد أنه وحتى من قبل أن يدخل البيت الأبيض كان الرئيس ترمب يؤكد على أن الصين هي العقبة الكبرى في طريق أمريكا العظمى التي يسعى إليها، وقد استهل سنواته الرئاسية بالتهديد والوعيد، ولم يداري أو يواري مشاعره وتوجهاته جهة الصين، وحتى بعد ملامح الاتفاقية التجارية الأخيرة، وبات واضحا أن الصينيين هم من يتجنب الفخ الشهير ويركزون عوضا عنه على استمرار النمو والتنمية وتمكين علاقاتهم مع العالم الخارجي، ونسج خيوطهم الاقتصادية عبر إحياء طريق الحرير، وبالقدر نفسه استخدام سلاح الردع النقدي المتوافر لديهم بوفرة، كأداة من أدوات الاختراق لقارات العالم وغالبا هو اختراق محبوب ومرغوب لاسيما في القارات النامية كأفريقيا وأميركا اللاتينية الخلفية الجغرافيا والامتداد الجيو سياسي الأهم للولايات المتحدة.

هنا ربما يتحتم على المرء من باب مساءلة الحقائق لا من جهة تبني نظرية المؤامرة التساؤل: هل جاء فيروس كورونا ليغيّر الأوضاع ويبدل الطباع في الصين، بمعنى قطع الطريق على فكرة الشراكة في قيادة العالم من جانب بكين، ومن خلال إظهارها في هيئة الدولة الموبوءة الضعيفة، وغير القادرة على حماية سكانها، والمصدّرة الموت للعالم، ما يعيقها تاليا لعقود طوال عن لعب أي دور عالمي؟

 

الصين... واتهامات للولايات المتحدة

نهار الخميس الثاني عشر من آذار (مارس) الجاري كان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصنية "تشاو ليجيان"، وعبر تغريدة مثيرة للجدل يفتح باب الاتهام واسعا تجاه الجيش الأميركي بالقول أنه "قد يكون" هو من أدخل فيروس كورونا المستجد القاتل إلى الصين، من دون أن يقدم أي دليل يدعم اتهامه.

حديث المسؤول الصيني في واقع الأمر يناقض ما كان قد صرح به رئيس المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، والذي أقر بنفسه من قبل بأن "مصدر الفيروس هو الحيوانات البرية التي بيعت في سوق في مدينة ووهان وسط الصين".

في توقيت مقارب كان مسؤولون صينيون يشيرون إلى أن الفيرس قد يكون ظهر أولا في مكان آخر، وفي تغريدته نشر تشاو تسجيل فيديو لرئيس المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها خلال شهادة أمام الكونجرس قال فيها "إنه تم تشخيص سبب وفاة بعض الأميركيين الذين كان يعتقد أنهم توفوا بالإنفلونزا بأنه كوفيد 19ّ" وكتب تشاو على (تويتر) يقول: "مركز الوقاية من الأمراض تحت الضوء... متى ظهر المريض رقم واحد في الولايات المتحدة؟ كم عدد الأشخاص المصابين؟ وماهي أسماء المستشفيات؟"، وأجاب: "ربما الجيش الأميركي هو من جلب الوباء إلى ووهان... اعتمدوا الشفافية! انشروا بياناتكم! الولايات المتحدة تدين لنا بشرح".

لم تتوقف تغريدات تشاو، ذلك أنه نهار الجمعة الثالث عشر من آذار (مارس) كان يضيف على (تويتر) مقالا يظهر فيه أن هناك "المزيد من الأدلة على أن الفيروس ظهر أولا في الولايات المتحدة".

 

رفض أمريكي وتراجع صيني

يكاد المراقب للمشهد ما بين اتهامات بكين وردات فعل واشنطن أن يؤمن بأن الانزلاق ناحية فخ ثيوسيديديس قادم لامحالة، إذ توالت ردات الفعل على تصرحات تشاو، ومن قبلها في واقع الأمر بصورة تدعو للقلق.

بدأت الاتهامات بتصريحات السيناتور الأميركي توم كوتون التي اتهم فيها المسؤولين الصينيين بتضليل الرأي العام بشأن منشا فيروس كورونا وانتقاله إلى عدد من الدول حول العالم، مشيرا إلى اعتقاده بأن الفيروس تم تطويرة داخل المختبرات الصينية كسلاح بيولوجي.

السيناتور الأميركي الجمهوري اعتبر أن كارثة كورونا أسوأ من كارثة تشرنوبيل، أي الانفجار الذي جرى في المفاعل النووي في ـوكرانيا عام 1986 وأسفر عن مقتل الآلاف.

كوتون أصر على أن بكين لم تكشف العدد الحقيقي للإصابات وأنها كانت تكذب بشأنه منذ البداية للتقليل من خطورة الوباء، كما اتهم المسؤولين الصينيين بتخفيض عدد الحالات وتقليص حجم التقارير قبل أسابيع من الإعتراف الرسمي بانتشار الفيروس.

هنا فإن أصواتا أميركية عدة أشارت إلى أن قصة نشأة الفيروس في سوق للمأكولات البحرية في ووهان ليست متماسكة، فمن أصل 40 حالة لم يكن منها سوى 14 حالة فقط على اتصال بسوق المأكولات البحرية بما في ذلك المريض الأول.

انتقل الهجوم الأمبركي من السياسيين إلى الإعلاميين والكتاب، فعلى سبيل المثال انتقد الكاتب والناقد التلفزيوني الأميركي غوردون غوثري "المسؤول الصيني تشاو"، وعلق بأنه مع ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس والوفيات، فإن "النظام في بكين يبحث عن شيطان يلومه"، مضيفا أن "اخفاء الحزب الشيوعي للمعلومات ومحاولات نشر رواياته هو ما أدى بلا شك إلى انتشار الشائعات بسرعة، وخاصة تلك المتعلقة بأصل المرض".

على أن المثير في المشهد وما قد يشي بأن الصين لا تود - ولو مؤقتا ـ الوقوع في فخ ثيوسيديدس هو رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية "قنغ شوانغ" التعليق على تصريحات تشاو، وقد سئل شوانغ مرارا عن تعليقات تشاو لي جيان، لكنه اكتفى بالقول أن المجتمع الدولي لديه أفكارا مختلفة حول أصل الفيروس الذي أصاب اكثر من 150 ألف شخص على مستوى العالم، فيما بدا تراجعا أو نفيا لاتهام واشنطن، ولم يجب قنغ بشكل مباشر عن أسئلة حول ما إذا كانت تعليقات تشاو تتفق مع وجهات نظر بكين الرسمية بشأن الفيروس الذي ظهر لأول مرة أواخر العام الماضي في مدينة ووهان بوسط الصين.

والشاهد أنه رغم محاولات التهدئة الصينية إلا أن كثيرا من المراقبين الدوليين يرون أن الأمر قد يكون هدنة مؤقتة من جانب الصين لحين الانتهاء من أزمة كورونا، لكن ذلك لايعني أن الصراع بين بكين وواشنطن قد انتهى، فهناك الكثير جدا من حلبات الصراع التي يمكنها أن تؤدي إلى الفخ المقصود... وبعيدا عن المواجهة البيولوجية... ماذا عن ذلك؟

 

أميركا والصين... الاستدارة نحو آسيا

حين وضع المحافظون الجدد في العام 1997 ملامح ومعالم خطة القرن الأميركي لم تكن روسيا في واقع الحال هي المقصود، وإن كانت الصحوة البوتينية إن جاز التعبير تشغل حيزا من التفكير الأميركي، فقد كانت الصين هي الهدف الأكبر الذي من أجله بلورت الولايات المتحدة الأميركية وفي ظل إدارة باراك أوباما الأولى استراتيجية فرعية أطلق عليها الاستدارة نحو آسيا، والوصل بين وثيقة لمحافظين الجدد التي تترجم رغبة أميركا في السيطرة على العالم وبين رؤية الاستدارة، بات يتمثل في الصين والمواجهة معها بالقوة الناعمة غالبا، والاستعداد للمواجهة الساخنة أحيانا.

أفضل من عبّر عن الرؤية الأمبركية للصين في ذلك الوقت كانت وزيرة خارجية أوباما هيلاري كلينتون، والتي كتبت في مجلة "فورين بوليسي" ذائعة الصيت مقالا بعنوان: "أميركا وعصر المحيط الهادي"، كان ذلك في عدد تشرين الثاني  (نوفمبر) 2011، وفيه ذهبت إلى أن مستقبل الجغرافيا السياسية حول العالم سوف يقرر في آسيا، وليس في أفغانستان أو العراق ولهذا يجب أن تكون الولايات المتحدة في قلب الحدث.

حمل مقال هيلاري كلينتون ملامح ومعالم سياسية ودبلوماسية، لكن تفكيك سطور المقال توضح لنا ماذا تعني الصين بالنسبة لأميركا.

من خلال التعمق في مواصفات الاستدارة نحو آسيا نجد رغبة أميركية في التزام مستدام بما أطلق عليه دبلوماسية "الانتشار الأمامي"، الذي يأخذ في الاعتبار على الدوام التحولات السريعة والدراماتيكية الحاصلة في مختلف أنحاء آسيا والتكيف معها.

باختصار مفيد يستند عمل الولايات المتحدة في آسيا ومنذ 2010 على ست ركائز أساسية: تعزيز التحالفات الأمنية الثنائية، تعميق علاقات العمل مع القوى الناشئة، بما في ذلك الصين، الانخراط مع مؤسسات إقليمية متعددة الأطراف، توسيع التجارة والاستثمارات، بناء وجود عسكري أي قاعدة واسعة، وترويج الديمقراطية وحقوق الانسان.

هل يبدو الحديث متناقضا بين أحلام التعاون الدبلوماسي من جهة، والانتشار العسكري الواسع من جهة أخرى، ما يعني أن الفخ قائم وقادم لا محالة؟

هيلاري كلينتون وفي مقالها تحاول اتباع فلسفة هادئة لا تزعج الصينيين من خلال القول أن ازدهار أميركا هو من مصلحة الصين، وازدهار الصين من مصلحة أميركا، وما يكسبه الطرفان من التعاون أكثر بكثير من مصلحة أميركا، وهو حديث بلاغي جميل وجذاب، لكن أحدا على جانبي المحيط الهادئ لا يصدقه أو يؤمن بجداوه.

 

الصين وإبقاء الخصوم بعيدا

حين يحتدم الجدل من حول الصين لابد للجميع أن يستمع إلى صوت الخبير الأول في الشؤون الصينية على الجانب الأمريكي، هنري كيسنجر، ثعلب السياسة، رجل الخارجية والأمن القومي، في زمن الرئيس ريتشارد نيكسون أوائل سبعينات القرن الماضي.

تمتلئ الشبكة العنكبوتية بالكثير جدا من التصريحات المنسوبة لكيسنجر لاسيما عن المواجهة العسكرية الجبرية والتي تبدو وكأنها قدر مقدور في زمن منظور مع الصين.

غالبا هناك الكثير من المدسوس وغير الصحيح في تلك التصريحات، لكن ذلك لايعني أن كيسنجر ينفي بطريقة مباشرة فكرة الفخ الذي يتخوف العالم منه على الهامش من كورونا.

أحدث مؤلفات كيسنجر "النظام العالمي ـ تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ" الصادر عام 2014 يحتوي على رؤية ثاقبة ورسمية للرجل الذي يقترب من المائة، وقد كان مبعوث ترمب في بداية ولايته إلى الصين، وكأن الزمن لا نهي له ولا أمر عليه.

يقر كيسنجر في لغة دبلوماسية عالية بأنه طوال أكثر من قرن ومنذ سياسة الباب المفتوح وتوسط "تيودور روزفلت" في الحرب الروسية ـ اليابانية، بقيت السياسة الأميركية الثابتة متمثلة بالحيلولة دون الهيمنة في آسيا، أي أن لا تسيطر قوة دولية بعينها على تلك البقعة من العالم.

غير أنه وفي ظل الأوضاع المعاصرة من المحتوم أن الصين تهدف إلى إبقاء الخصوم المحتملين "أميركا بلاشك على رس القائمة"، بعيدين قدر الإمكان عن حدودها.

وعند كسينجر أن البلدان يبحران في ذلك الفضاء والحفاظ على السلم يتوقف على ضبط النفس الذي يتحليان به في متابعة أهدافهما، كما على قابليتهما لضمان إبقاء المنافسة سياسية ودبلوماسية... هل يعني ذلك أنه من الممكن وفي حالة من الروؤس الساخنة أن ينفلت المشهد ونرى مواجهة إسبرطة وأثينا تتكرر من جديد أمام أعيننا؟

المقطوع به أنه في زمن الحرب الباردة، كانت خطوط الفصل تتحدد من قبل الثوات العسكرية، أما في الوقت المعاصر، فإن من غير الجائز أن تتحدد الخطوط عن طريق الانتشار العسكري في المقام الأول.

باختصار أكثر إفادة، يرى كيسنجر أنه لابد من الموازنة بين ما هو دبلوماسي وما هو عسكري بين واشنطن وبكين، لا سيما أن تحديد أطر العلاقة بين البلدين في سياق عسكري صرف، يمكن أن يؤدي إلى المواجهة العسكرية، كما أن أي مقاربة سيكولوجية خالصة للشراكة بينهما، قد تفتح الأبواب لإثارة مخاوف من همينة الواحد تجاه الآخر، هنا لابد من أمر من إثنين:

إما أن يتعين على السياسة الحصيفة أن تحاول الاهتداء إلى ذلك التوازن.

أو التعرض لإغراء التجرية، والوقوع في فخ الكارثة ومن ثم الصدام المسلح.

هنا يتساءل "محامي الشيطان": وماذا عن الطريق الثالث الخفي، المواجهة غير المعلنة، بما فيها من حروب بيولوجية وصراعات استخبارية؟

ثم هل يمكن لهذا الطريق الثالث أن يفتح مساقا جديدا للفخ اللعين الذي يحاول العقلاء على الجانبين تجنبه، فيما تدفع في إثره القوى اليمينية، وأصحاب الرايات الشوفينية؟

 يحتاج الجواب عن علامات الاستفهام المتقدمة إلى قراءة قادمة قائمة بذاتها، غير أنه ينبغي الإشارة إلى أن العلاقة بين بكين وواشنطن، أكثر تعقيدا مما يظن الناظر.

 

احتواء أم ردع؟

يمكن إنهاء هذه القراءة بالقول أن إسبرطة لم تطق صبرا على أثينا، ولم تفلح في احتواءها، ولهذا بادرت إلى الحرب معها، وإن طال أمدها.

في مؤلفه الشيّق "الأمة التي يمكن الاستغناء عنها" يحدثنا البروفيسور "ولي نصر" عميد معهد "بول. أتش. نيتز" للدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز الأميركية، عن الصين التي خرجت عن دائرة أي احتواء أميركي، وباتت تشكل التحدي الاقتصادي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة.

هذا الحديث لا يعني أن أميركا وبالضرورة تتآمر على الصين، بالقطع ليس كذلك، إنما الأمر يلفت إلى الثنائية التقليدية للبشرية على الكرة الأرضية، من غير جاني أو ضحية.

 شيّدت الصين جيشا قويا وتوسعت بحريتها إلى آماد بعيدة وصلت إلى سواحل المحيط الهندي أمام الصومال مثلا لمواجهة القراصنة الصوماليين، كما وصلت إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط الليبية لإجلاء الرعايا الصينيين من خطر القتال هناك. أصبح من المعتاد للسفن الحربية الصينية أن تطلب الإذن بالرسو في موانئ الشرق الأوسط من أجل التموين أو الإصلاحات، وفي الوقت نفسه تمتلك الصين سلسلة واسعة من الموانئ والقواعد البحرية وأحواض إصلاح السفن في عشرات الجزر في جنوب شرق آسيا، بما يجعل منها القوة البحرية المهيمنة على أهم مناطق بحار العالم من الناحية الاستراتيجية.

لم تكتف الصين بالجانب التقليدي من القوة الخشنة، بل فعّلت من قوتها النووية الضاربة التي تسميها الدفاعية، ووسعت برامج الصواريخ المضادة للسفن، كما ركزت  في السنوات القليلة الماضية على تطوير وجودها في الفضاء الإلكتروني وحتى الفضاء الخارجي.

 ما الهدف من هذا كله؟

يمكن أن يكون عملية إحلال وتبديل قطبية تقليدية جرت بها المقادير على وجه الأرض منذ زمان، بمعنى أن تحل الصين محل الولايات المتحدة بوصفها قوة آسيوية دائمة التواجد، وأن تتمكن من ضم منطقة جنوب شرق آسيا إلى مجالها  الحيوي في التأثير.

 هل يمكن لواشنطن أن تقبل بهذا التوجه؟

ربما تعطينا أزمة كورونا فسحة من الوقت للتفكير الاستراتيجي وبعيدا عن نظريات المؤامرة، في الصراع القطبي القائم والقادم، وما يحيطه من غموض معلوماتي، يكاد يغلب احتمالات الانزلاق إلى فخ "ثيوسيديديس"، ويجعل منه قدرا مقدورا في زمن منظور.