Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"باباجان" و"كورونا" يهددان ما تبقى من "بردة أردوغان"؟

خبراء عرب وأتراك يشبهون تركيا الحالية بآخر أيام الإمبراطورية العثمانية... على خلفية تراكم التحديات وانشقاقات في الحزب الحاكم بحجة فشله في إدارة الأزمات

اردوغان يزور البردة في طوكابي (الانترنت)

منذ الانقلاب الفاشل في تركيا 2016، يُتهم الرئيس التركي رجب طيب أوردوغان باستغلاله في تصفية خصومه ومنافسيه، وأحياناً حتى شركائه السياسيين.

لكن ذلك لم يمنع التحديات من التلاحق على الرجل الذي يفاخر بإحيائه نفَس "العثمانية السياسية"، فما يكاد يتغلب على أزمة حتى يفاجئه المحيط بأخرى أكبر من أختها، إن لم تكن من صنع يده، فلسوء تدبيره وتقديره الأمور، ابتداءً بحادثة الانقلاب نفسها والأزمة السورية وداعش واللاجئين والانتخابات البلدية في إسطنبول، وليس انتهاءً بالتدخل في الشأن الخليجي والعربي والتعامل مع كورونا والشقاق مع جيرانه الأوروبيين، ناهيك بشركائه في حزبه الحاكم، أمثال داوود أوغلو وباباجان وعبد الله غول، وغيرهم.

رسالة الانشقاقات تصل مع "بابا جان"؟

ومع أن الزعيم التركي وأنصاره ينظرون إلى القضايا التي كانت محور الانتقاد من زاوية أخرى، إلا أن الباحث السعودي المتخصص في الشأن التركي، محمد الرميزان، يرى أن تسابق شركاء أردوغان في الحكم إلى إنشاء أحزاب جديدة منافسة، من شأنه أن ينعكس على كل السياسة التركية في الداخل والخارج، وليس فقط على شخص أردوغان، الذي قيل إن نزع المعارضة القومية لأسطنبول من حزبه، كان بمثابة تعريته من "البردة" التي ظل يباهي بإرثها ويفاخر.

 وقال "بعد إطلاق حزب المستقبل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، برئاسة أحمد داوود أوغلو، وقبله الحزب الجيد في أواخر 2017، برئاسة الدكتورة ميرال أكشنار، اليوم ينطلق حزب جديد تحت مسمى حزب الديموقراطية والنهضة برئاسة علي باباجان، فإن السياسة التركية، سواء داخلياً أو خارجياً، بدأت منعطفاً حاداً إثر محاولة الانقلاب العسكري في تركيا خلال منتصف 2016، دفعتها تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية، كالتحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي 2018، وانخفاض الليرة التركية خلال السنوات الأخيرة، واحتجاجات جيزي بارك 2013".

وأردف بأن "التغييرات الطارئة على الساحة السياسية التركية تدلّ على بزوغ أحزاب تركية جديدة ومنافسة لحزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في البلاد، ويتوقع أن تكون هناك منافسة شديدة بين الأحزاب التركية في الأيام المقبلة، مما يشكل تحدياً كبيراً لتركيا، سواء خارجياً أو داخلياً، خصوصاً وأن حزبي )الديموقراطية والنهضة(، و)المستقبل(، تم إنشاؤهما من أعضاء سابقين في العدالة والتنمية، وبالتالي ذلك يوضح الخلاف الشديد بين أعضاء الحزب الحاكم في ما بينهم، لدرجة إنشاء أحزاب جديدة خلال مدة وجيزة وقبلها )الحزب الجيد(، والذي نتج لخلافات الأحزاب القومية".

نهج صنع العداوات محلياً ودولياً

واعتبر الرميزان أن المستجدات الأخيرة في السياسة التركية تُنبئ بوجود خلافات أكثر مما يجب في تركيا وربما علاقاتها الدولية "سواء مع أميركا وأوروبا أو روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك القضايا المتعلقة بالتدخل العسكري في سوريا وليبيا وسياسة تركيا تجاه اللاجئين العرب والسوريين خصوصاً".

لكن الرميزان لفت إلى أن القادم لن ينتهي عند هذا الحد، فالظروف مهيأة لظهور أحزاب سياسية جديدة قد تساعد في المنافسة الحزبية لكسب الناخبين الأتراك من جهة، واستمرار التشققات في السياسة التركية الداخلية وربما الخارجية، فضلاً عن منافسة شخصيات لها اعتبارها السياسي، كداوود أوغلو وعلي باباجان، لشخصية الرئيس التركي أردوغان وكسب مؤيديه.

بيد أن داوود أوغلو، الذي قيل إنه العقل الذي يفكر به أردوغان، كان وضع النقاط على الحروف تمهيداً لإطلاق حزبه "المستقبل"، ونشر انتقاده في خطاب مطوّل، عرف بـ"الصرخة"، تناول فيه خلال أبريل (نيسان) الماضي انتقاداته الصريحة على شريكه القديم بقسوة، حتى وإن التزم فيها التهذيب.

وكان العديد من الملاحظات التي أبداها، ظهرت ترجمتها في سلوك الرجل بعد ذلك، إذ قال "لقد أظهرت انتخابات مارس (آذار) نتائج مهمة، نحتاج إلى دراستها بحكمة وعقلانية، وقد وجهت رسائل مهمة بالنسبة إلى مستقبل حزبنا وبلدنا للنظر فيها، ومن الأهمية بمكان فهم هذه الرسائل وجعلها ذات أولوية".

هل تم تجاهل تحذيرات "المرحلة الصعبة"؟

وحذر أوغلو حينها قبل نحو عام من الآن الحزب الحاكم، الذي يتزعمه أردوغان، من أنه إذا لم يتم استخلاص الرسائل المهمة من التغييرات التي "ظهرت في توجهات شعبنا، واتخاذ الخطوات الواجب القيام بها بحزم، فإن مرحلة صعبة تنتظرنا نحن كحزب العدالة والتنمية، وتنتظر بلدنا تركيا أيضاً".

وفي وقت حدث فيه الكثير مما حذر منه خصوصاً بعد الأزمات المتلاحقة في سوريا وليبيا، ومع أوروبا وروسيا، يذكّر أوغلو رفيقه بأن الحزب الذي يقوده ليس ملكاً شخصياً له، بل هو "نتاج التقاء وتراكم جهد مشترك تبلور من خلال تجاوز التحديات، وعرق جبين وأفكار أجيال متتالية من الأمة عبر التاريخ. ولهذا السبب، لا يعتمد ويجب ألا يعتمد سبب وجوده ومستقبله على مصير وتقدير أي شخص فانٍ أو مجموعة اجتماعية محدودة أو مجموعة ذات مصلحة اقتصادية أو حتى جيل واحد... وبالتالي لا ينبغي التضحية (بتلك المنجزات) من أجل النفوس المغرورة والحسابات الضيقة".

خيار المضطر

وبينما تدافع الشريحة الأكثر قرباً من أردوغان عن بعض قراراته، مثل غزو الشمال السوري، واعتبار ذلك خياراً لا بد منه حسب حلفائه في المعارضة السورية، لا يخجل أوغلو من تذكير أولئك بأن إعادة إحياء مشاعر الثقة كانت من أهم العوامل الكامنة وراء النجاح الاقتصادي الواضح للجميع، إلا أن مستواها "تراجع اليوم إلى مستوى أدنى من المستويات التي حققناها في الماضي، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك تراجع الناتج القومي للفرد بالدولار الأميركي عام 2018 إلى ما دون مستوى ناتج الفرد في عام 2007، إن إنكار حقيقة الأزمة الاقتصادية التي تحسّ بها شرائح المجتمع كافة، لن يؤدي إلا إلى زعزعة الثقة بالحكومة. لن نستطيع إدارة الأزمة بإنكار وجودها".

أما الباحث في جماعات الإسلام السياسي، سعود السرحان، فإنه يعيد التحركات الأردوغانية والتعاطي مع الأزمات إلى "عقلية عثمانية" قديمة، اعتادت تصدير مشكلاتها إلى المناطق العربية والإسلامية كلما ضاقت بها الحيل.

العودة إلى الجذور "العثمانية"

ويعتقد أنه خلافاً لكمال أتاتورك، مُؤسِّس الجمهوريةِ التركية العلمانية، المبنيةِ على أنقاضِ الإمبراطورية العثمانية في الأناضول، والذي حاول فصل تركيا عن ماضيها العثماني، "يعتقد أردوغان أن الجمهوريةَ التركية الحديثة ليست سوى (امتداد للعثمانيين).

وتبعاً لذلك يرى أن توجُّه أردوغان نحو الأممية الإسلامية لا يختلف عن تحول الإمبراطورية العثمانية في رَمقِها الأخيرِ للتوجُّه نفسِه؛ فقد لجأ كلٌّ من أردوغان وعبد الحميد الثاني إلى الاتِّشاح بزِيِ (الأممية الإسلامية) لحشد مسلمي العالم من حولهما، بهدفٍ حقيقيٍّ هو تأمين مكان رئيس لتركيا على الساحة العالمية".

ويخلص في دراسة له نشرها أولاً باللغة الإنجليزية المركز العالمي لدراسات التطرف- جامعة كنجز- لندن، إلى أنه كما فشلت الإمبراطورية العثمانية في الحفاظ على ولاء وِلاياتها العربية، فإنَّ السياسة الخارجية التركية الحاليّة تُواجه ردود فعلٍ إقليميّةً قويّةً. وقد ظهر تأثير هذه السياسات أيضاً على الشعب التركي، الذي انصرف عن حزب العدالة والتنمية، وصوَّت لصالح أحزاب المعارضة بأعداد أكبر من ذي قبل. حتى إن أعضاء حزب أردوغان أنفسهم عارضوا سياساته. وتُواجه طموحات أردوغان العابرة للحدود تحدياتٍ كبيرةً؛ جرّاء المشكلات الاقتصادية المتزايدة للشعب التركي، الذي بدأ يصرِف وجهه عن حزب العدالة والتنمية، باحثاً عن بدائلَ له.

"كورونا" يعمق الجراح

لكن مع ذلك، بالنسبة إلى أجهزة الإعلام التركية المناصرة للرئيس، لا تخطئ الحكمة تصرفات الرئيس، فحتى أزمة كورونا التي انتقدت البلاد في تأخرها في التعاطي معها، زعمت وكالة الأناضول الرسمية أن "تركيا تحولت خلال الأسابيع الماضية، إلى نموذج يحتذى في مجال المكافحة الفعالة لفيروس كورونا الجديد حول العالم، في ظل استمرارها باتخاذ الإجراءات الاحترازية لمنع تفشي الفيروس"!

ونفى وزير الصحة التركي، فخر الدين قوجة، اليوم الاثنين، صحة مزاعم تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي تحدثت عن "وثيقة سرية" لوزارة الصحة حول التدابير ضد فيروس كورونا، حسب الأناضول.

جاء ذلك في تغريدة نشرها قوجة على حسابه في موقع توتير، وأكد فيها أن صورة ما تسمى بـ"الوثيقة السرية"، التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، لا تمتّ إلى الحقيقة بصِلة.

وشدّد الوزير التركي أن هناك جهات "تهدف لبث الوهن في نفوس 82 مليون إنسان (عدد سكان تركيا) عبر إفقادهم الشعور بالأمان".

وتداول العديد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما سمتها "وثيقة رسمية" صادرة عن وزارة الصحة التركية، تزعم احتواءها على تدابير ضد انتشار فيروس كورونا، من قبيل إغلاق المتاجر والسماح لها بالعمل مدة محدودة أسبوعياً، ومنع السفر بين المدن وغيرها.

ومساء الأحد، أعلن وزير الصحة التركي، فخر الدين قوجة، تسجيل 12 إصابة جديدة بفيروس كورونا في تركيا، ليرتفع العدد إلى 18 حالة.

ومن بين التدابير التي اتخذتها تركيا للحد من انتشار فيروس كورونا، تعطيل المدارس لأسبوعين، والجامعات لثلاثة أسابيع، إلى جانب إغلاق مؤقت للملاهي والنوادي الليلية والحانات وصالات الديسكو، وتعليق الرحلات إلى 9 دول أوروبية.

دفع الفاتورة في "إدلب" لا بد منه

ويعتقد باحثون عرب، أمثال الإعلامي السعودي عبد الرحمن الراشد، أنه على الرغم من خطوات أردوغان المستفزة في التعامل مع ملفات عدة، فإنه في الملف السوري، على سبيل المثال، لا يملك خياراً غير المضي فيه مهما كلفه ذلك، حتى وإن كان الحرب.

وقال في مقالة له في صحيفة "الشرق الأوسط"، إن أردوغان يدفع ثمن تأخره في التدخل العسكري، وتقربه من الإيرانيين والروس على حساب المعارضة السورية.

ويرجح أن "نظرة سريعة على الخريطة تبين أن معظم القتال، في الحقيقة، هو على ما تبقى من الأميال الأخيرة المحاذية للحدود التركية... ليس أمام تركيا مساحة واسعة للمراوغة، فهي إن لم تدافع عن إدلب والسوريين في المناطق المتاخمة لأراضيها فإن الحرب ستنتقل إلى الداخل، والمزيد من ملايين السوريين سينزح إلى مدنها".