Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الثاني والثالث من مايو" لـ غويا... الفن تحت وطأة الأيديولوجيا

سمعة المماليك ضحية لمزاج الرسام وهواه الفرنسي

"الثالث من مايو 1808" للفنان الإسباني فرانشيسكو غويا (غيتي)

لا يحتاج عدد كبير من الإسبان لأن يكونوا يمينيين متطرفين أو فاشيين حتى ينصرفوا إلى إبداء شيء – أو حتى كثير – من العتب على العرب حين يتعلق الأمر بمزيج من حديث السياسة والتاريخ. ولنبادر هنا منذ الآن للقول أن احتلال العرب لإسبانيا عند نهاية القرون الوسطى ومُكوثهم هناك ما يقارب السبعة قرون لا علاقة له بالأمر. بل على العكس حيث إن الإسبان العاتبين اليوم هم أنفسهم الذين يقرّون عادة بأن الحقبة الأندلسية في تاريخهم كانت واحدة من أزهى حقبات ذلك التاريخ، وبالتالي فإن عرب الأندلس لا علاقة لهم بالأمر. المسألة أقرب إلينا تاريخياً وربما تتلخص في مرحلتين، تتعلق أحداثهما بمساهمة عربية بائسة في الحرب التي شنها فرانكو وفاشيّوه ضد القوى الديمقراطية الإسبانية حتى سحقها مباشرة قبيل الحرب العالمية الثانية، على شكل مقاتلين مغاربة استدعاهم فرانكو ونكّلوا بالثائرين. راجع في هذا، على سبيل المثال، ما يكتبه المناضل الأممي الفلسطيني نحاتي صدقي في مذكراته عن محاولاته ردع بني جلدته العرب من المساهمة في تلك الجريمة وفشله في ذلك.

 أما المرحلة الأقدم فلنقل أنها تتلخص في لوحة، أو لوحتين. واللافت هنا أننا إذا كنا استشهدنا على الحادثة الأجد بإبداع، ها نحن نستشهد على الحادثة الأقدم بإبداع كذلك، وكأننا في الحالتين نذكّر أن الإبداع يبقى الشهادة الأهم والأصدق على مجريات التاريخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثورة إسبانية ضد نابليون

أما العملان الفنيان اللذان نذكرهما في هذا السياق بالنسبة إلى الأقدم فهما من رسم الفنان الإسباني فرانشيسكو غويا، وهما يمثلان ثنائية فنية مدهشة تتألف من لوحتين تحملان عنوانين متشابهين؛ "الثاني من مايو 1808" و"الثالث من مايو 1808". للأولى موضوع يحمله عنوانها الفرعي "مدريد، الثورة ضد المماليك"، فيما تحمل الثانية عنوان "الإعدام على جبل برينسيبيو". ما لدينا هنا ما يمكن اعتباره تسجيلاً فنياً قام به الرسام الإسباني الأكبر في ذلك الحين لحدث تاريخي لا يمكنه أن يبرح مخيلات الشعب الإسباني على الإطلاق، ومن الواضح أنه هو ما يشكل موضوع العتب على العرب، أو فلنقل هنا، للتخصيص، على المسلمين على اعتبار أن المماليك لا يمكن حسبانهم عرباً إلا في المخيلة الشعبية التي اعتادت ألا تفرق بين الاثنين. ولكن مهما يكن من أمر، لا بد من القول أن المغزى، بالنسبة إلينا، ليس هنا. بل في مكان آخر إلى حد كبير. تحديداً في ما أراد الرسام نفسه أن يقوله في اللوحتين.

فإذا كان يقال عادة في عالم الفن "الكلاسيكي" الكبير أن ثمة دائماً تقريباً، لغزاً يحمّله الفنان للوحته يشكل نوعا من "وصية" أو "حضّ على التفكير" أو أي شيء من القبيل، هل يمكننا أن نقول في حضرة هاتين اللوحتين، مع تفاوت في التعبير والمعنى والحدّة، إن اللغز الذي تركه الفنان هنا يمكنه أن يكون نوعاً من "التبرير الذاتي" بشكل أو بآخر؟

سنحاول ذلك، من خلال الرجوع في الزمن إلى تلك المرحلة والنظر إلى الموضوع كله من منظور الرسام، المنظور الذي لن يتوضح لنا إلا من خلال لعبة تفكيكية تأتي من تحليل الشكل المباشر لهذين العملين الفنيين، أي من خلال التصدي مباشرة لـ"اللغز" الذي نشير إليه. فالحكاية تبدأ من الحدث نفسه. لقد ثار شعب مدريد يومها ضد فرنسيي نابليون بونابرت الذين كانوا بقيادة شقيق هذا الأخير جوزف، ملك نابولي، المعيّن من قبل الإمبراطور حاكما عاما لإسبانيا. كانت ثورة عنيفة جابه فيها أهل مدريد القوات الفرنسية بعنف في محاولة منهم لمنع اقتياد ابن ملكهم شارل الرابع أسيراً إلى فرنسا. وهكذا صوّر الرسام الانتفاضة في اللوحة الأولى، ليصوّر ما أسفرت عنه في اللوحة الثانية: إعدام الجنود الفرنسيين لعدد من الثوار قرب "بويرتا ديل صول" التي صارت من حينها رمزاً وطنياً مدريدياً كبيراً. واللوحتان ضخمتان (عرض كل منهما 345 سم وارتفاعها  266سم)، وتعلقان اليوم متجاورتين في متحف البرادو في العاصمة الإسبانية لتقولا شيئاً من التاريخ، ولكن أشياء عديدة من عظمة الفن حين يدنو من التاريخ. ثم، بالنسبة إلينا هنا، الموقف الأيديولوجي للفنان من ذلك التاريخ، وهو ما يشكل "اللغز" الذي نشير إليه، أو فلنسمّه "وصية الفنان الأيديولوجية" بغية تسهيل الأمور.

 

 

ذلك الهوى الفرنسيّ

قبل ذلك، علينا أن نقول شيئين، أولهما أن الفنان، وعلى عكس ما توحي به اللوحتان، لم يرسم حدثي هذه الثنائية فور حدوثه، بل بعد نحو ستّ سنوات من ذلك، أي في عام 1814، ناهيك، وتلك هي النقطة الثانية، أنه لم يكن شاهداً عياناً على الحدث هو الذي لم يكن موجوداً في المكان عند حدوثه. ولننتقل الآن إلى الجزء الأهم من الموضوع ككل لنصل إلى ما يعنينا منه نحن العرب! الجزء الأهم أن غويا الذي يبدو مغرقاً في وطنيته وتمجيده للشعب المدريدي وتعاطفه مع مأساة الثوار الذين يجري إعدامهم، كان وبقي طوال حياته مؤيداً للثورة الفرنسية لما طرأ في فرنسا بعد تلك الثورة بما في ذلك وصول نابليون إلى الحكم ومن ثم مدّه سيطرته لتشمل العديد من البلدان والمناطق الأوروبية. صحيح أن فناناً من طينة غويا، حتى ولو كان هواه فرنسيّا، ما كان من شأنه أبداً أن يقف ضد ثورة الإسبان على المحتل الفرنسي حتى وإن كان التاريخ يؤكد لنا أنه لم يكن من مؤيدي الأسرة المالكة الإسبانية، لكن فناناً كغويا كان يعرف كيف يجد الحل لذلك التناقض الذي يعصر جوانحه، ومن ثمّ يجد متنفسّاً له عبر فنه، السلاح الوحيد الذي يملكه ويمكنه أن يعبر فيه عن مكنونات نفسه، سواء آتى ذلك بشكل واعٍ ومباشر، أو بشكل موارب أو غير واعٍ. وفي يقيننا أن الوعي وتفكير سنوات طويلة هما ما أوصل غويا إلى الحلّ.

فنحن إذا تأملنا اللوحة الأولى لن نجد فرنسيين في اللوحة. الجنود المتوحشون الممتشقون سيوفهم يضربون بها أعناق الثوار الإسبان هم غالبيتهم من المماليك القساة المسيطرين على المشهد إلى درجة ينسى معها المشاهد أن ثمة معركة هنا يمثل الفرنسيون فيها الجانب المعادي، ويتناسون أن هؤلاء المماليك هم أتباع نابليون يأتمرون بأمره ويعيشون على ما يدفعه لهم كمرتزقة حقيقيين. فلا يبقى من الصورة سوى مشهد "عرب مسلمين" يذكّر أهل إسبانيا بـ"احتلال المسلمين" و"العرب" لبلادهم طوال قرون سبقت مجيء الفرنسيين ونابليونهم.

محاكمة النوايا؟

السؤال هنا هو: هل كان فرانشيسكو غويا (1746 – 1828) يتعمّد ذلك؟ الأرجح نعم، حتى ولو كانوا يبدو بريئاً من ذلك التفكير براءة الذئب من دم ابن يعقوب. خاصة أن اللوحة الثانية تأتي لتستكمل المشهد مؤكدة أرجحية "وعي الفنان تماماً لما يفعل". ففي اللوحة الثانية لدينا مشهد الإعدام: ثلة من جنود غفلي الوجوه والسمات مشهرين بنادقهم يلتقطهم الرسام من الخلف فيما تواجه المتفرج مجموعة من الثوار الذين يجري إعدامهم وسقط بعضهم أرضاً، فيما يستعد آخرون بكل شجاعة لتلقي مصيرهم. والحقيقة أنه فيما نلاحظ إسبانيّة الثوار واضحة في الملابس والملامح والشجاعة، تغيب فرنسيّة الجنود الأشرار تماماً. فإذا كان الواقع التاريخي يقول إن فرق الإعدام بإطلاق الرصاص كانت فرنسية بينما عُهد إلى المماليك بالدور الأقسى والضرب بالسيوف، حرص الفنان، كما يخيّل إلينا، على اللجوء إلى هذا النوع البصري من "تجهيل الفاعل" تمشيّاً، كما نقترح، مع هواه الفرنسيّ.

نقول "كما نقترح" لأن ما نفعله هنا ليس أكثر من استقراء للغز الذي نرى أن الفنان قد خلفه لنا ضمن إطار "المسكوت عنه" في فنه. ولئن كنا نخاطر هنا بأن نبدو وكأننا نمارس محاكمة للنوايا، فإن ما يعزينا، نحن محبي فنّ غويا، هو أن زمناً طويلاً مر على الانتفاضة والإعدام وإنجاز اللوحات، من شأنه أن يخفف من غلواء من قد يرون فيما نقول تحميلاً للفن بأكثر مما يحتمل!

المزيد من ثقافة