Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف عالجت السينما قضايا المرأة الأفريقية؟

غالبيتها قدم النساء في حالة ضعف ضد تحديات المجتمع... و"ويني مانديلا" الاستثناء النادر

صورة ويني مانديلا خلال جنازتها في استاد أورلاندو بجنوب أفريقيا (أ.ف.ب)

في مارس (آذار) من كل عام نتذكّر المرأة وقضاياها، إذ ما زالت تكافح حول العالم في معارك متعددة الاتجاهات، لتحوز فقط الاعتراف بمكونها الإنساني، إلى جانب مكونها الأنثوي، فهي تحارب من أجل أجرٍ متساوٍ وعدم تسليعها في الغرب، بينما معاركها في الشرق مرتبطة بمكافحة حصر أدوارها الإنسانية في إطار الأسرة فقط، والسعي لحيازة عوائد هذه الأدوار المادية والمعنوية.

أمّا في أفريقيا فربما تكون معارك النساء أكثر حدة، لأنها تكافح من أجل الحياة الطبيعية فقط، أي تكافح من أجل الهروب من بؤس العيش بشكل عام، الذي يسببه الفقر والصراعات المسلّحة، وتدني مستوى البنية التحتية، وأيضاً تدني الخدمات الصحية والتعليمية.

وربما تكون السينما الأفريقية التي يُعقد مهرجانها السنوي في الأقصر جنوبي مصر هذه الأيام نجحت في نقل صورة واقعية عن النساء في القارة، فمشاهد البؤس والفقر والاغتصاب مؤنثة بامتياز وتسيطر على الشاشة، سواء في أفلام الدياسبورا (أي سينما المهجر)، أو في الأفلام التسجيلية القصيرة والطويلة معاً.

تفصحُ الشاشة الفضية عن حياة الأفريقيات اللاتي يزرحن  في حياة هي الأصعب حول العالم، لكن من اللافت ربما يعالج المهرجان هذا العام مسألة سينما المرأة الأفريقية، ويرصد محاولتها في الإبداع السينمائي حول القارة، وذلك في أحد نشاطاته المصاحبة مهرجان السينما الأفريقية في نسخته التاسعة، فنكتشف أن هناك علامات سينمائية مضيئة تقودها سينمائيات نساء، تُسهم بشكل فعّال في رفع أصوات الأفريقيات، وتفصح عن أنماط الحياة التي يعشنها، واللاتي يتطلعن إلى تغييرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق يعد فيلم "ويني مانديلا" الوثائقي من الاستثناءات النادرة التي تتعرض للمرأة القوية، الذي أنتجته وأخرجته البريطانية باسكال لامش 2017، إذ ركّز على نوع آخر من الحياة هو الحياة السياسية لامرأة طموحة عاشت منبوذة بعد طلاقها من الزعيم التاريخي نيلسون مانديلا، وهو الفيلم الذي قدّم صورة مغايرة للأفريقيات البائسات، إذ أشرقت الشاشة بوجه امرأة مثابرة إلى جانب الزعيم، ثم بوجه آخر لأنثى متمردة، تركت الزعيم وتزوّجت غيره، فوصمت من جانب شعبها بالخاطئة.

الفيلم النيجيري "قلب الأسود" يقدم نموذجاً مماثلاً لفيلم "ويني"، من حيث تقديمه صورة امرأة صلبة وطموحة في آن، إذ تتناول أحداث الفيلم المعاناة التي تتعرض لها امرأة تسعى للحفاظ على شركة والدها، وإنقاذها من الإفلاس في عالم يسيطر عليه الرجال.

وقامت ببطولة هذا الفيلم الفنانة النيجيرية الشهيرة جينفييف نناجي، التي يطلق عليها مواطنوها جوليا روبرتس نيجيريا، وأنتجت "قلب الأسد" شركة "نتفليكس" العالمية لمدينة صناعة السينما النيجيرية "نوليوود"، وفي أثناء عرضه على منصاتها، عرض الفيلم في دور العرض المحلية، حتى يلبي متطلبات ترشّحه لنيل جائزة الأوسكار، التي تؤكد ضرورة عرض الفيلم سبعة أيام متتالية على الأقل في دور عرض سينمائية.

المخرجة الكاميرونية فرانسواز إيلونج تقدّم فيلم "واكا" عن حياة بائعة هوى ماتيلدا، التي لم تفقد شيئاً من كرامتها على الرغم من أنها تبيع جسدها، لكن من أجل إطعام طفلها.

أمّا الفيلم القصير "الأخت أويو" فيعالج قضية الاغتراب المبكر لطفلة بعيداً عن أسرتها، وهو للمخرجة مونيك إمبيكا فوبا من الكونغو. تدور أحداثه حول غودوليف، طفلة لا يتجاوز عمرها السنوات العشر، تتابع دراستها في مدرسة داخلية تديرها راهبات كاثوليكيات خلال فترة الاستعمار البلجيكي في الخمسينيات، وبعيداً عن أهلها تجد الطفلة نفسها مجبرةً على تعلّم لغة أجنبية، والتكيف مع ثقافة غريبة عنها.

الفيلم يستند إلى قصة لوالدة المخرجة إمبيكا فوبا التي أرسلتها إلى المدرسة ذاتها، عندما كانت طفلة. "مدرسة منعزلة تماماً عن الواقع في الكونغو"، على ما تقول المخرجة. وتؤكد أنّ هذه التجربة كانت بالنسبة إلى والدتها بمثابة صدمة ثقافية تركت آثارها على حياتها كلها، وأيضاً على تربيتها ابنتها.

وتشير إلى أنّ تجربة والدتها إنما تعكس تجارب عديد من الأفارقة، بحيث تقول: "هل تجاوزنا فعلاً عنف فترة الاستعمار؟ أعتقد أن تداعيات تلك الفترة ما زال لها تأثير حتى يومنا هذا".

سينما المرأة في المغرب

لم تبدأ المرأة المغربية الإخراج السينمائي إلا في ثمانينيات القرن العشرين، مع فيلم "الجمرة" لفريدة بورقية 1982، وقدّمت السينما المغربية مجموعة من المخرجات، ويتخذ هذا الفيلم طابعاً اجتماعياً قائماً على فكرة الانتقام على غرار الأفلام الهندية المعروفة بحبكتها الدرامية المتأزمة، وأحداثها الصراعية، ومشاهدها الحركية.

وبعد ذلك، لم تنتج فريدة بورقية سوى للدراما التلفزيونية، وذلك للأسباب المعروفة من تراجع في الإنتاج السينمائي لأسباب تمويلية.

ويمكن القول، إنّ المخرجة فريدة بن اليزيد تحمّلت تحدي الإنتاج كما تتحمّله في مصر أحياناً إلهام شاهين، وكانت رائدة فيه الفنانات آسيا وماجدة الصباحي، وأنتجت المخرجة المغربية خمسة أفلام سينمائية طويلة ما بين 1987 و2007.

وبذلك، تكون هي المخرجة الأكثر إنتاجاً في المغرب، وتعدّ أهم أفلام فريدة بن اليزيد فيلم "باب السماء مفتوح"، وأنتجته عام 1987، ويتخذ الفيلم طابعاً صوفياً روحانياً تتقابل فيه الدنيا والآخرة، والجسد والروح، والحياة والموت.

أمّا فيلم "كيد النساء"، الذي أنتجته عام 1999، فيتخذ بدوره طابعاً اجتماعياً يتناول مفهوم الكيد الرجالي من خلال حكاية شعبية أسطورية تراثية.

وستركز فريدة بن اليزيد عدستها التصويرية مرة أخرى في فيلمها "الدار البيضاء يا الدار البيضاء"، الذي أخرجته عام 2002، على التحديات الاجتماعية التي تواجهها النساء من خلال تناول اختفاء البنت عائشة في مدينة كبرى مثل الدار البيضاء، وسيسبب هذا الاختفاء المفاجئ لأبيها "بالحسن" معاناة مأساوية خطيرة، ستقض مضجعه كثيراً بعد العثور على "لمياء"، وهي صديقة عائشة، جثة مطروحة في شوارع المدينة.

أمّا فيلم "خوانيتا بنت طنجة"، الذي أنتجته سنة 2005، لالتقاط عوالم نسائية متعددة تجسّد علاقة الأنا بالآخر، وتحيل رمزياً إلى كينونات حضارية متعايشة ومتقابلة ومتصارعة في الوقت نفسه من خلال التشديد على الحرية والحب والوفاء.

وداخل هذا الفضاء الشمالي، تصوّر المخرجة فريدة بن اليزيد فيلمها الخامس "طريق العيالات" سنة 2007 للتعبير عن مشكلات المرأة المغربية على المستوى الأسري، مثل معاناتها من ضياع الزوج في السجن بسبب المتاجرة بالمخدرات، واغتراب الابن ذاتياً ومكانياً، وهجرته بطريقة غير شرعية إلى الضفة الأخرى.

 

 

إجمالاً تعد أفلام فريدة بن اليزيد صوتاً مدافعاً عن الحقوق النسوية في فضاءات متعددة، منها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو شعبي يلامس مساحات الأسطورة في التراثين المغربي والأفريقي معاً.

ولعل من النماذج اللافتة أيضاً المخرجة فاطمة جبلي الوزاني في فيلمها "في بيت أبي" عام 1997، إذ قدمت موضوعاً اجتماعياً حساساً، يتمثّل في مسألة بكارة المرأة قبل الزواج عبر استحضار حكايات وقصص ومرويات نسائية بهذا الصدد.

أمّا إيمان المصباحي في فيلمها "جنة الفقراء" 2002، فتتناول بعدستها التصويرية قضية العنصرية في بلاد المهجر في ضوء رؤية حضارية انتقادية موضوعية، في حين، نجد ياسمين قصاري ترصد في فيلمها الاجتماعي "الراقد" 2004 مأساة امرأة حامل يغادرها زوجها للعمل في بلاد الغربة، لكن غيبته ستطول كثيراً، ما سيؤثر ذلك سلباً في المرأة والجنين على حد سواء.

أمّا ليلى الكيلاني فيلمها الوثائقي "أماكننا الممنوعة" 2008 فركّزت على سنوات الرصاص، واستعراض نتائج مرحلة المصالحة مع الماضي عبر استجواب عائلات مغربية تعرضت للظلم والعسف والجور.

وهنا، تقوم الذاكرة بدور مهم في تسليط الأضواء على الأحداث التي عاشها المغاربة إبان سنوات القمع السياسي، التي عالجها الملك محمد السادس بالمصالحات السياسية بعد توليه العرش المغربي مباشرة.

وتوجد مخرجة جديدة، وظهرت أخيراً في الساحة السينمائية المغربية، وهي زكية الطاهري التي أخرجت فيلم "رقم واحد" 2008، وتعالج فيه علاقة الرجل بالمرأة في ضوء مستجدات مدونة الأحوال الشخصية المغربية ضمن قالب الكوميديا الاجتماعية، منددة بالظلم الذي يُمارس على المرأة من دون حق قانوني أو وجه شرعي.

السينما التونسية بدورها تسجّل تقدماً للنساء في معالجتهن قضايا الواقع الأفريقي الماثلة على شاطئ البحر المتوسط، فيعالج فيلم "جسم غريب" لرجاء عماري، القضية الأكثر شهرة حالياً، وهي الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وما أنتجته من معاناة النساء، سواء بانهيار الأسرة مع فقدان عضو أو أكثر في قوارب الموت إلي أوروبا، أو معاناتها الشخصية وهي تحاول الهجرة راكبة المخاطر هرباً من واقع اجتماعي واقتصادي مأساوي في بلادها.

أمّا التونسية ليلي أبو زيد فقدّمت فيلم "على حلة عيني"، الذي تدور أحداثه في عام 2010، أي قبل بضعة أشهر فقط من سقوط الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. والفيلم لا يتحدّث عن الثورة، إنما عن حقبة بن علي التي استمرت أكثر من عشرين عاماً.

وربما يكون لسينما المرأة في مصر تاريخ يعود إلى فيلم فاتن حمامة "أريد حلاً"، فرغم أن صانعي هذا الفيلم من الرجال، فإنّ قضايا المرأة في هذا الفيلم كانت واضحة، وهو الفيلم الذي أسهم في تعديل قانون الأحوال الشخصية المصري، ليكون أكثر مرونة إزاء النساء في حال طلبهن الطلاق.

ولا يمكن تهميش فيلم "خلطة فوزية" لإلهام شاهين، فهو يقدّم عبقرية بنت البلد المصرية، وهي تتعامل مع التحديات اليومية التي تواجهها، وهي فقيرة محدودة القدرات، ولعل هذا الفيلم هو ما جعل شاهين تنتج فيلم "يوم للستات" للمخرجة كاملة أبو ذكري، فيروي يوماً من حياة نساء حي شعبي بالقاهرة، إذ يخصص مركز الشباب يوماً خاصاً لنساء الحي في حمام السباحة، ومع إقبال النساء والفتيات على استخدام حمام السباحة، تتوالى سلسلة من الأحداث التي تغير نظرتهن إلى أنفسهن والحياة كلها.

ولعل فيلم "بعلم الوصول" الذي تقوم ببطولته الفنانة بسمة، يقدم نمطاً مسكوتاً عنه من معاناة النساء وهي المعاناة النفسية، إذ تدور أحداث الفيلم عن زوجة تحاول مواجهة أفكارها الانتحارية وحدها، بعد تعرّض زوجها للحبس على ذمة قضية.

ويتعرّض الفيلم إلى عدة جوانب تخص المرأة داخل المجتمع المصري، فنشاهد من خلال "هالة" الشخصية الرئيسة، كيفية التعامل مع المرض النفسي، خصوصاً إذا ما كانت ضحيته أماً، كما يقدم العمل عدة شخصيات تمثل نماذج مختلفة، مثل الفتاة التي تبحث عن الحب والزواج حتى ولو سراً، والمراهقة التي تعاني أسرتها التي لا تفهم طبيعة سنها.

في المحصلة، لدينا الآن في نطاق صناعة السينما الأفريقية مشهداً تتقدم فيه النساء، وتبرز أصواتهن وصورهن السينمائية، وساعدهن في ذلك التقنيات الجديدة التي أسهمت في تغيير كثير من الأمور، وساعدت النساء على دخول عالم السينما. وهذا بدوره أسهم في مساواة أكبر، وأصبحت سينما المرأة الأفريقية تشهد مساحة للعرض وتقديراً قارياً وإقليمياً.

المزيد من سينما