Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما أشبه اليوم بالبارحة... قيود على الهجرة إلى بريطانيا

لم تكن الدعوة لفرض قيود على "هجرة الغرباء"، هذه الأيام أو حين وضعت القوانين الأولى موضع تطبيق قبل 115 عاماً، على الإطلاق نداءً محايداً خالياً من التمييز العرقي وينشد الإنصاف

طفلان يهوديان مُعدمان يلعبان في شرق لندن عام 1900(غيتي)

ونحن نعيش مرحلة الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي لم يكتمل، يبدو أنه من المستحيل تقريباً التفكير ببريطانيا كدولة وأمة من دون مواجهة السؤال التالي: مَن يمتلك الصلاحية للتحكم في حدودها وكيف يمكن أن يتم ذلك بأفضل طريقة ممكنة.

مع ذلك فإن مراقبة الهجرة في شكلها الحديث تعود إلى قرن ونيّف فقط، ويمكن تحديد تاريخ بداياتها بمنتهى الدقة باليوم الأول من يناير (كانون الثاني) 1906. ففي ذلك اليوم، طُبق قانون جديد نصّ على شروط دخول أي شخص أجنبي راغب بالعيش والعمل في المملكة المتحدة، وخول موظف الهجرة صلاحيات اتخاذ القرار بالاستجابة لتلك الرغبة أو رفضها، علماً أن دائرة الهجرة الحكومية كانت حديثة العهد لم توجد قط قبل صدور القانون.

وجاء في "مرسوم الغرباء لعام 1905"، أن على أولئك الذين يسعون إلى الحصول على إذن بالقدوم إلى المملكة المتحدة أن يتقدموا بطلباتهم في أحد الموانئ الـ 14 التي ذكر أسماءها، كما عرّف "المهاجر الغريب" بأنه قانونياً الشخص الذي سافر بتذكرة من الدرجة الثالثة، أي أنه شخص لا يستطيع دفع نفقات السفر بكابينة خاصة. وكان على المهاجرين أن يصطفوا فور نزولهم على الشاطئ في أرتال للخضوع إلى تقييم معقد يتقرر في ضوئه من هم المؤهلون للبقاء، أي تمييز "المحترمين" عن "الأغراب غير المرغوب فيهم". وكان الفصل بين هذا النوع وذاك يتم على أساس نتائج الفحوص الطبية، بما فيها علامات الجنون أو الإجرام، إضافة إلى توفر دليل على وجود دعم مالي، ومدى احتمال الحصول على عمل، وإمكانية الحصول على سكن.

وكما هي الحال الآن، كانت الحكومة قادرة على اتخاذ إجراءات ترحيل "الغرباء" الذين ارتكبوا جرائم خلال وجودهم في بريطانيا. لكن خلافاً لما يجري اليوم، كان من الضروري لتنفيذ الإجراء أن يوصي قاضٍ باتخاذه في إطار إصداره الحكم على صاحب العلاقة أولاً، وثانياً أن تُصادق وزارة الداخلية على توصيته هذه بعد أخذها في الاعتبار عوامل مثل طول المدة التي عاشها المذنب في بريطانيا، وما قد يؤدي إليه هذا الترحيل من مصاعب حياتية في كل قضية على حدة.

وصودق على "مرسوم الغرباء لعام 2905" ليصبح قانوناً في آخر أيام حكومة المحافظين، لكنه هوجم وعُدّل من قبل الحزب الليبرالي المعارض، ولم يرضَ أحدُ عنه. وكان المحافظون في أقصى يمين الحزب من الأكثر إحساساً بخيبة الأمل منه، وهم الذين طالبوا بقوة بضبط الهجرة وكانوا ينظرون إلى "حملتهم المعادية للأغراب" بمقاييس عنصرية صارخة.

ولم يشعر سياسيون محافظون، مثل الرائد ويليام إيفانز-غوردون، الذي كان نائباً عن دائرة ستيبني الانتخابية، بأية وخزة ضمير عند مشاركتهم القواعد الحزبية المنضوية تحت "رابطة الأخوة البريطانيين" في يناير 1902 في "تظاهرة عامة كبرى" نظمتها ضد هجرة الغرباء بقصر الشعب في شارع "مايل أند رود"، حيث كان الهواء مشبعاً بهتافات عنصرية فظة من نوع "يسقط الغرباء" و"اطردوهم" و"يهود".

يمكن القول إن تلك الأصوات تذكرنا بقسوة بأن الدعوة لفرض قيود على "هجرة الغرباء" لم تكن أبداً نداءً محايداً خالياً من التمييز العرقي وينشد الإنصاف. كما توضح أن من الممكن النظر إلى تلك المجموعات التي تعاني من رُهاب الأجانب مثل "رابطة الأخوة البريطانيين"، كمقدمة لتقليد عريق في السياسة البريطانية كان فيه العرق والتطرف القومي بمثابة المصدر الأساسي لجاذبية الشعبوية التي تزعم أنها تهتم بمصالح "الناس الحقيقيين".

كانت هذه واحدة من أكثر المسائل المتوارثة، ولو بشكل غير متعمد لأن أنصارها الأصليين فكروا بإزالة مسألة العرق من الحلبة السياسية المحلية بالكامل من خلال وضع حدٍّ نهائي للهجرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في لغة الشعبوية المعاصرة يبدو "الناس الحقيقيون" وكأنهم يشعرون على الدوام بأنهم موضع إهمال وتجاهل من قبل المؤسسة السياسية، أو حتى أنهم يتعرضون لـ "خيانتها". وهكذا كان الأمر مع "مرسوم الغرباء لعام 1905" الذي اعتبره النشطاء تحريفاً للقانون الذي كانوا يناضلون لاستصداره.

كان التنازل الرئيس الذي استطاعت المعارضة الليبرالية انتزاعه من فكي الهزيمة هو إدخال مادة تسمح لأولئك الهاربين من الاضطهاد "على أرضية دينية أو سياسية" بالبقاء في المملكة المتحدة حتى إن كانوا يفتقرون لأسباب العيش، أو إذا كان من المرجح أنهم سيصبحون عبئاً على الدولة.

وبإضافة هذا الاستثناء، يكون القانون قد عاد على نحو ضمني إلى القرن التاسع عشر حين لم يجرِ رفض أي شخص جاء إلى بريطانيا سعياً للحصول على ملاذ أو إعادته إلى بلاده، منذ أكثر من 80 سنة، ويكون عملياً قد أرسى معايير جديدة لحرية التعبير والتسامح تجاه الآخرين. مع ذلك، فإن قانون 1905 كان مؤشراً على تناقض كبير: إذا كان منح اللجوء ضمانة سياسية، فإن هذا الشكل من الحماية لم يجرِ تعريفه كحق مشروع للشخص المعني، إذ أصبح الحصول على اللجوء بعد عام 1905 في واقع الأمر متوقفاً على تقدير ضابط الميناء.

ظلّ الصراع المرير للتحكم بالهجرة في السنوات التي أعقبت عام 1905 يلقي ظلالاً قاتمة على جوهر اللجوء نفسه، كغيمة سوداء لا تزال فوق رؤوسنا. وعليه فالإشارة إلى شخص ما كـ"مهاجر" أو "طالب لجوء" تحمل دائماً طعماً غير مستحب، والعلامة المميزة لشخص شبيه بالمواطن يُفترض أنه غير جدير بالمساعدة، ودخيل يجدر طرده من الجسم السياسي.

حين حاول اليهود الألمان خلال ثلاثينيات القرن الماضي الهرب من ألمانيا النازية والمجيء إلى المملكة المتحدة، أصرت الحكومة البريطانية حينذاك إنهم لن يُصنّفوا كـ "مهاجرين" أو "لاجئين"، وأن بوسعهم الدخول إلى بريطانيا فقط بشكل مؤقت، قبل الانتقال إلى مكان آخر.

قد تبدأ "البيئة المعادية" التي نخلقها للآخرين بالكلام، وتتعزز بتعريفات قانونية، لكنها نادراً ما تنتهي عند هذه الحدود.

ديفيد غلوفر بروفيسور فخري للأدب الإنجليزي في جامعة ساوثهامبتون، أصدر كتاباً بعنوان "الأدب والهجرة والشتات في نهاية القرن 19 في إنجلترا" لاستكشاف جذور قانون الهجرة الأول في بريطانيا.

© The Independent

المزيد من آراء