لبننة العراق قائمة حتى إشعار آخر... وإن كره الدستور

الوصفة الأميركية لم تنتج سوى أزمات متتالية

رغم أن الدستور العراقي لا يتضمن أي نصوص بشأن ضرورة توزيع السلطة بين ممثلي القوميات والمذاهب والطوائف والأديان، إلا أن الواقع السياسي كرس حقيقة "اللبننة" (أي عندما تبنى العراقيون نظاماً سياسياً يشبهه النظام اللبناني المبني على أساس المحاصصة الطائفية)، إذا بات في حكم المفروغ منه أن يكون رئيس الحكومة شيعياً ورئيس الجمهورية كردياً ورئيس البرلمان سنياً.

الأميركيون وتوزيع السلطة

عندما أسقط الأميركيون نظام الرئيس الراحل صدام حسين في 2003، وقاموا برعاية أول تجربة إدارة تعددية، بعد عقود من "الدكتاتورية السياسية"، كان واضحاً ميلهم نحو توزيع السلطة أو تدويرها، فمجلس الحكم الانتقالي الذي تشكل تحت سلطتهم المباشرة لإدارة البلاد من 25 شخصية تمثل أبرز المكونات القومية والدينية والمذهبية والطائفية، أقر أن تكون رئاسته دورية، لمدة شهر واحد.

أرادت الولايات المتحدة، أن تقول للعراقيين إن تداول السلطة هو أمر ممكن ويسير، فخلال مدة مجلس الحكم بين يوليو (تموز) 2003 ويونيو (حزيران) 2004، تنقلت رئاسة مجلس الحكم بين تسعة من أعضائه، يمثلون المكونات الرئيسية الكبيرة، الشيعة والسنة والكرد.

استرضاء الساسة لا الشارع

لم تكن هذه الصيغة مفهومة لدى قطاع واسع من الشعب العراقي، إذ بدا أنها مصممة لاسترضاء أكبر عدد ممكن من قادة قوى المعارضة خلال حقبة صدام، وليس لإدارة الدولة بعد الإطاحة به، وهنا تبينت أولى ملامح ما عرف لاحقاً بالمحاصصة السياسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مجلس الحكم، تعرف العراقيون على الشكل الذي يمكن أن تكون عليه العلاقة بين القوى الجديدة التي يفترض أن تمثل المكونات على المستوى السياسي، وقدر الحساسية الموجود بين بعضها البعض، واستعدادها للصدام الداخلي، وهو ما ظهر سريعاً، في وقت لاحق.

كان واضحاً أن مجلس الحكم هو تمرين لما سيكون عليه الحال عند تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة إياد علاوي صيف العام 2004.

حكومة شيعية بنكهة ليبرالية 

أرادت الولايات المتحدة أن تتجنب هيمنة المسحة المذهبية على شكل النظام السياسي الوليد على يديها، فشجعت القادة الشيعة والسنة والكرد في مجلس الحكم على اختيار شخصيات ليبرالية لقيادة الحكومة المؤقتة، التي يفترض أن تشرف على أول انتخابات عامة.

برغم الاستجابة العراقية للمطلب الأميركي فإن القوى السياسية حرصت على عكس التمثيل المكوناتي داخل تركيبة الحكومة المؤقتة، فجاءت برئيس جمهورية سني هو غازي الياور ورئيس وزراء شيعي هو إياد علاوي ورئيس برلمان كردي هو فؤاد معصوم، برغم أن جميع هؤلاء ليست لديهم ميول دينية سياسية.

الوصفة المثالية

بدا أن الأميركيين وصلوا إلى الوصفة المثالية لإدارة العراق، فصيغة الشراكة الثلاثية بين أكبر المكونات، ستضمن حصول الجميع على حقوقه، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى بداية لسنوات من التدهور والانحدار نحو اللادولة، بشهادة العديد من القادة السياسيين.

حتى لحظة تكليف علاوي بتشكيل الحكومة، كان كل شيء يجري بالمشاورات والتعيين، فلم تكن البلاد خاضت تجربة انتخابات ديمقراطية كاملة، لكنها ستجرب في غضون عامين ثلاثة عمليات اقتراع، الأولى للتصويت على الدستور والثانية لاختيار حكومة منتخبة مؤقتة والثالثة لانتخاب أول برلمان دائم، سيستكمل دورة تشريعية دستورية من أربعة أعوام.

لحظة الدعوة الإسلامية

في 2005 تولى شيعي آخر، هو إبراهيم الجعفري، الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية، تشكيل حكومة منتخبة مؤقتة، وهنا كانت اللحظة الأولى التي يتسلل فيها الإسلام السياسي إلى نظام الحكم في العراق، وما زال ممسكاً به.

بالتوازي مع ذلك، اكتشف الساسة السنة أن منصب رئيس الجمهورية مغرق في الشكليات ولا يكاد يؤثر في نظام الإدارة بسبب التشريعات التي جردته من صلاحياته، لذلك طالبوا برئاسة البرلمان بدلاً منه، فحصلوا عليها، لأن الأكراد لديهم من الصلاحيات ما يكفيهم داخل منطقتهم شبه المستقلة، التي تدعى "إقليم كردستان".

هذه المرحلة، شهدت التصويت على دستور البلاد الدائم، الذي حاول الساسة الإسلاميون الشيعة ربطه بالدين قدر الإمكان، ظناً منهم أنها الوسيلة الأنجع لتوفير أفضل الحماية لمستقبل المذهب من المخاطر السنية، فيما قاطعه السنة، ظناً منهم أن تثبيته سيؤكد تمركز السلطة لدى الشيعة زمناً طويلاً، وربما إلى الأبد. 

لكن الحقيقة أن الدستور كان خالياً بشكل تام من أي نصوص تربط بين دين أو مذهب أو قومية أو مكون، ومنصب ما في الدولة. مع ذلك، كانت لحظة التصديق على الدستور، تمثل صك ضمان للشيعة بأنهم لن يخسروا منصب رئيس الوزراء مجدداً، تمثيلاً لأغلبيتهم الديمغرافية بين المكونات الأخرى.

كانت حالة "اللبننة" تحصيل حاصل في الحكومات اللاحقة، فبقي رئيس الوزراء شيعياً ورئيس الجمهورية كردياً بلا صلاحيات ورئيس البرلمان سنياً، مهمته مناكفة السلطة التنفيذية، وتعكير الأجواء المحيطة بها.

التفاف 2010

نقطة التحول المهمة، كادت أن تأتي عام 2010، عندما ترأس الليبرالي الشيعي إياد علاوي قائمة تضم خليطاً من أبرز الساسة السنة العلمانيين والمتدينين والقوميين وغيرهم، لخوض الاقتراع العام في مواجهة قائمة بصبغة شيعية يتزعمها الأمين لحزب الدعوة الإسلامي، نوري المالكي.

وقف معظم سنة العراق خلف الليبرالي علاوي، لمساعدته في الانتصار على المالكي، وهو ما تحقق فعلاً، إذ فازت قائمته بفارق مقعدين على غريمه.

شكل فوز علاوي مؤشراً خطراً على إمكانية خسارة الشيعة الإسلاميين لمنصب رئيس الوزراء ذي الصلاحيات المدنية والعسكرية الواسعة، وهو ما دفع الأحزاب والتيارات الشيعية إلى الوقوف خلف المالكي.

لم يكن من بد، استخدام الهيمنة الشيعية على الدولة، التي بدأت منذ لحظة صعود الجعفري، في الضغط على القضاء لقلب الطاولة على علاوي.

وبالفعل، أصدر القضاء قراراً يقول إن من يشكل الحكومة ليس القائمة التي تفوز في الانتخابات، بل الكتلة الأكبر من النواب التي تتشكل تحت سقف البرلمان.
هنا كان السنة ينتظرون تدخلاً أميركياً، يحفظ وعد واشنطن للعراقيين بالديمقراطية، لكن المفاجأة أنها تدخلت لصالح المالكي وليس علاوي.

بعد مفاوضات سريعة بين واشنطن وطهران، جرى الاتفاق على السماح للمالكي بتشكيل حكومته الثانية بين 2010 و2014، وهي السنوات التي شهدت أشد الأزمات السياسية وأكبر المخاطر الأمنية.

الانفجار السني

اشتبك المالكي مع الأكراد في 2011 سياسياً وكاد يشتبك معهم عسكرياً بسبب خلافات على اقتسام عوائد النفط. وقد اختار التوقيت المناسب، لأن الولايات المتحدة سحبت معظم قواتها من العراق تنفيذاً لوعد باراك أوباما الانتخابي.

بعدما اطمأن إلى تحجيم الأكراد، بدأ المالكي عملية تحطيم منافسيه السنة، حتى وقع الانفجار الكبير في عام 2013، حيث دخلت محافظات العراق السنية اعتصاماً مفتوحاً وقاطعت الدولة، احتجاجاً على سياسات رئيس الوزراء الطائفية.

في هذه اللحظة، تأكد الأميركيون أن تركيبتهم الثلاثية لإدارة الدولة كانت فاشلة بامتياز، لكنهم كانوا أبعد عن العراق من أن يؤثروا في حاضره ومستقبله.

كانت بيئة الاحتجاج السني مثالية في هذا التوقيت لولادة نسخ عدمية من تنظيمات راديكالية كانت تقول إنها جاءت إلى العراق لتقاتل المحتل الأميركي، على غرار تنظيم داعش، الذي وجد أن بناء دولته الخاصة هو أفضل من المشاركة مع السنة في التصدي لرغبة الأحزاب الشيعية الموالية لإيران في الهيمنة على مقدرات البلاد وقرارها السياسي.

بسبب سياسات المالكي الطائفية، غض سكان المناطق السنية، عام 2014، البصر عن صعود داعش، وكادت تجربة الدولة أن تنتهي، لولا تنامي شعور الخطر داخلياً، وشعور العالم بالتقصير إزاء العراق.

برغم ذلك، فإن خلطة الولايات المتحدة الثلاثية، رئيس حكومة شيعي ورئيس جمهورية كردي ورئيس برلمان سني، ما زالت تعمل حتى الساعة، من دون أي مؤشرات على إمكانية استبدالها مستقبلاً.

المزيد من تحلیل