Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العاملات الأجنبيات في لبنان... بلا رقابة تحميهن

تلقى عليهن مهام لا تعدّ ولا تحصى ويختلف التعامل معهنّ بين عائلة وأخرى

تصل العاملة أو الموظفة إلى البيت... فإما أن تُوفَّق بالعائلة التي استقدمتها أو لا (pixabay)

صبايا يأتين من أحياء فقيرة في بلدانهن بطموح جمع المال لعائلاتهن. منهنّ مَن يوقّعن على عقود لا يفهمن منها الكثير سوى أن ربّ العمل يكاد يملكهنّ، ويرتضين الأمر على أنه لمدّة زمنية وستمر.

من سريلانكا إلى إثيوبيا إلى الفيليبين إلى غانا وساحل العاج وبنغلادش وكينيا ونيجيريا وسواها من دول العالم التي يعاني أهلها إمّا من فساد السلطة أو انهيار العملة أو الفقر، ترحل الفتيات والسيدات، تاركات قطعاً من قلوبهن إلى مكان وثقافة ومجتمع يجهلن كل شيء عنها، سوى بعض الأخبار ممّن سبقنهن إلى المهنة.

والمهنة هي خدمة منزلية، والتوصيف اللبناني الرسمي عُدّل إلى "عاملة في الخدمة المنزلية" بعدما كان "خدم المنازل"، وتوصيف السيدات يختلف من "المساعِدة" إلى "الناني" إلى "البنت"، إلى "خادمتي" إلى "سريلانكيتي"، كلّ حسب ثقافتها الحياتية والمنزلية.

ماذا تفعل عاملة الخدمة المنزلية؟

ما إن تصل الصبايا إلى المطار حتى يُجمعن في غرفة واحدة بانتظار مجيء كفيل كلّ منعت، فتسلّمه جواز سفرها ويصطحبها إلى المنزل. بعضهن ينتظرن ساعات طويلة حتى يأتي الكفيل وينهي الأوراق مع الأمن العام. عناصر الأمن العام كما كل المجتمع، بعضهم يعاملهن كأي مسافرة تنتظر وصول من يصطحبها، والبعض يصرخ عليهن ويتعامل معهن كأشخاص أقل قيمة، كما تقول شاشيتو الآتية من إثيوبيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصل العاملة أو الموظفة إلى البيت، لا تعرف من ينتظرها وماذا ينتظرها. الحظ يلعب دوره، فإمّا أن تُوفَّق بالعائلة التي استقدمتها أو لا. تنتظر العائلة الصبية الآتية لتقديم العون لها في الأعمال المنزلية، ولكن غالباً ما تلقي عليها مهام لا تُعدّ ولا تُحصى، تبدأ بالاهتمام بالأطفال ولا تنتهي بتنظيف البيت بحسب العائلات. إلاّ أنّ الاتكال شبه التام على السيدة الآتية من مكان آخر وثقافة أخرى وجغرافيا مختلفة ومجتمع لديه ضوابطه وقواعده وعاداته سمة معظم العائلات.

لا تستوعب العاملة كل التفاصيل التي تنهمر فجأة على كاهلها، وما يزيد الأمر إرباكاً، في كثير من الأحيان، حاجز اللغة. وتطبيق نظام الكفالة، الذي تتصرف معه بعض العائلات كاستعباد، يبدأ بحجز جواز السفر بعد أن توقّع الفتاة على عقد عمل مدته سنة ومكتوب باللغة العربية، لا تفهم منه شيئاً.

تجربة كونا

تقول كونا، وهي سيدة بنغلادشية، إنها أتت إلى لبنان منذ حوالى ست سنوات، عملت لدى عائلة وكانت سعيدة جداً، لأن الزوج والزوجة كانا طيّبَيْن معها، لكنهما انفصلا. بعد فترة، قال لها الزوج إنّه لا يستطيع إبقاءها لأنه لا يملك المال وعرض عليها العودة إلى بلدها أو البحث لها عن كفيل آخر، فاختارت الخيار الثاني لأنها تريد إرسال المال إلى عائلتها. وحين انتقلت إلى كفالة شخص آخر، حجز جواز سفرها، لكنها سوّت أمورها لاحقاً لأنها كانت تحتفظ بصورة عنه.

تعيش كونا وزوجها في أحد المباني كنواطير، لكنهما يعملان طوال اليوم، هو في شركة، وهي في تنظيف البيوت والمكاتب بنظام الساعة، فتتقاضى 5 دولارات أميركية في الساعة. تعمل من السابعة صباحاً وحتى التاسعة مساءً، وأحياناً لساعات أطول. تقول إنها تتعب كثيراً، لكن ما يعزّيها أنها ترسل المال إلى أمها التي تهتم بطفليها.

تدخل كونا بيوتاً عدة، وتقول إن "المدام" في كل بيت مختلفة، لكنّ معظمهنّ لطيفات معها. وتشرح أنها تقول للسيدات الكبيرات "ماما"، والباقيات "مدام". تضيف أن إحداهنّ طلبت منها أن تناديها باسمها من دون "مدام"، لكنها استهابت الموضوع ولم تستطع.

بعض السيدات، كما تروي، لا يقبلن إلاّ أن يقدمن لها الطعام أو الحلوى، وأخريات يعطينها الثياب التي لم تعد تناسبهن.

تخبر كونا أن صبية إثيوبية تعرفها في الحي لم تدفع لها "المدام" المال منذ تسعة أشهر ولا تقبل أن تعيدها إلى بلدها، وتقول لها إنه لا توجد أموال في لبنان وعليها أن تتحمّل. تشفق كونا على المسكينة التي رأتها تبكي منذ أيام، كما تقول، وهي تهاب العائلة التي تعمل لديها لأن الزوج قاسٍ ويتعرّض لها جسدياً ومعنوياً.

تضيف "هناك مدام غير جيدة، كما هناك بنت غير جيدة". وتخبر أن صبية من الفلبين كانت تتباهى على صبايا من جنسيات أخرى أنها أفضل منهن وأن راتبها وثيابها أفضل، لكنها لم تكن جيدة مع العائلة، وكانت تصرخ على الأطفال والجدة، وعندما أنّبتها الأم بدأت تبكي وقالت إن الزوج يتحرش بها، وعلمت لاحقاً أنها كانت تتواصل مع أشخاص أمّنوا لها عملاً بأجر أكبر، فهربت.

وتشرح كونا أن البعض يعتبرهن فرصة لقضاء الوقت، وأنه لطالما تحرّش بها الرجال في الطريق وعرضوا عليها المال لقاء "شي عيب"، كما تقول. وتوضح أن بعض الصبايا تأثرن بذلك في منطقة الدورة وبرج حمود وصبرا، والبعض يغريهن أن يُدفع لهن 50 دولاراً في الساعة، فيذهبن إلى العمل على أساس أنه سيكون لمرة واحدة، لكن الوضع يتحوّل إلى استسهال، كما تشير.

"المدام" تساعد والأولاد يجلبون هدايا

تخبر شاشيتو أن العائلة التي عملت لديها لثلاث سنوات كانت تحبها، فكانت تتناول معهم الطعام على المائدة ذاتها حتى بوجود الضيوف، لكنها كانت تجلس على أقرب كرسي إلى المطبخ حتى تلبي الطلبات. وتقول إن السيدة التي تدعوها "ماما" كانت تطبخ وتساعدها في شؤون المنزل كافة على الرغم من أنها سبعينية، في حين أن الأولاد كانوا أكثر تطلباً، لكنهم كانوا يشترون لها الهدايا في المناسبات.

لم تكن شاشيتو تأخذ يوم عطلة لتخرج لأن أختها التي كانت تعمل في إحدى الدول العربية حذّرتها من بعض الفتيات السيئات اللواتي قد يأخذنها إلى عمل آخر غير لائق. وكانت تحفظ أموالها التي تتقاضاها شهرياً مع بعض البخشيش الذي يعطيها إياه أحد أفراد العائلة إذا عملت أكثر من اللازم. وكل ثلاثة أشهر، كانت تحوّل المال لأهلها في إثيوبيا. تقول إنها تعلمت بعض الطبخات والعادات في التنظيف، ولكنها تشك أنها قد تُضطر لاستخدامها في بلدها لأن البيت هناك لا بلاط ولا حمام فيه.

الطعام مقنن!

تقول كاديس إن السيدة التي تعمل لديها تراقبها دائماً، ولا تحب أن تراها جالسة أبداً، فتعطيها عملاً إضافياً، كما ترسلها إلى بيت أختها حيث تعمل من دون أن تتقاضى المال. وتضيف أنها تسمح لها بوجبتين فحسب، وتضع لها أكل اليوم الفائت، ولا تسمح لها أن تطبخ "لأن أكلها رائحته بشعة"، وفق تعبيرها. وتجبرها على لباس موحد وهي تكرهه، كما أنه لا يدفىء في الشتاء. لكنها إذا مرضت تهتم بها وتأخذها إلى الطبيب. وتقول إن السيدة طيبة ولكنها صارمة، وإنّ الابنة أقل تشدداً، وأحياناً تسمح لها بالاتصال من هاتفها الخاص، وتقدّم لها الشوكولا.

الحل بالقانون والعقد المنصف

تقول عليا توما، التي تعمل في مجال استقدام العاملات المنزليات، إنه في السابق كانت الصبية تعرف مَن العائلة التي طلبتها ومن هم أفرادها - أطفال أو كبار في السن أو مريض - وتُخيّر. ولكن توقف الرقابة وغياب الاتفاقيات مع البلدان حول نظام العمل والعمال، جعل الفوضى تعمّ، فلم تعد الفتاة تعرف إلى أين هي آتية، وهذا ما أوجد أزمة بين الفتيات والبيوت ومكاتب الاستقدام.

بعض الصبايا كنّ يطلبن ترجمة العقد، فيما ترفض أخريات التوقيع عليه. والعقد يذكر أن ساعات العمل هي ثمانية، ويوم استراحة وليس كما تفعل بعض العائلات التي تجعل العاملة تعمل سبعة أيام في الأسبوع وأحياناً 15 ساعة عمل في اليوم من دون رحمة، كما تقول توما. ولكن في عرف الكفالة وليس القانون، تُمنع العاملة من الخروج وحدها كي لا تتعرّض لمضايقات أو خطر.

شكاوى العاملات

وتضيف أن غالبية الصبايا اللواتي تعاملت معهن كنّ من الجنسية الإثيوبية، وهنّ يأتين من الريف ولا يعرفن شيئاً عن حياة المدينة، وأحياناً تكون سيدة المنزل موظّفة، فلا وقت ولا صبر لديها لتعليم الصبية التي استقدمتها.

شكاوى العاملات، تقول توما، إما تأتي في سياق التحرش، أو الضرب أو قلّة الطعام، علماً أنهنّ لا يكنّ محقات أحياناً ويعلمن سابقاً هذه الحجج. وتضيف أنّ هناك سيدات يعتقدن أنهن بمجرد دفعهن المال يستطعن استعباد العاملة، ويصرخن عليها ولا يحترمنها، ويتعاملن بلؤم حقيقي من دون الأخذ في الاعتبار أنها آتية من غربة، وتحتاج إلى وقت لاستيعاب الوضع الجديد.

وتشير توما إلى وجود عاملات سيئات ونساء سيئات، والعكس صحيح. وترى أن أفضل طريقة هي اعتبار العاملة موظفة يجب أن تراعي قوانين المنزل، وتفهم أن هناك مَن يدير هذا المنزل مثل أي وظيفة، وعليها اتّباع التعليمات ومعرفة واجباتها وحقوقها على السواء، واحترامها والتعاطي معها بلباقة، وأن تُعطى مساحتها من دون إدخالها في خصوصية المنزل.

وتحتاج المسألة إلى أن تتعامل "ست البيت" أو العائلة بضمير وجدية في آن، مع الأخذ في الاعتبار أن كل حالة تختلف عن الأخرى ولا يصحّ التعميم. والمهم، وفق توما، أن يكون الوضوح سيد الموقف، وأن تُدار العلاقة وفق قوانين عادلة يفهمها الطرفان.