أنصار النظام السابق في تونس بين العداء واللقاء مع الإسلاميين

سقوط النظام وانهيار الحزب، الذي حُلّ بقرار قضائي، لم ينهيا وجود مؤيدين له وجذور تعود إلى سنة تأسيسه على يد الزعيم الحبيب بورقيبة في العام 1934

التنافس على القاعدة الشعبية للتجمع الدستوري شكل هدفاً لكل القوى السياسية (أ.ب)

قبل سقوط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، كان أعضاء حزبه، التجمع الدستوري الديمقراطي، يفاخرون بأن عدد أعضائه تجاوز المليون، وأنه الأكبر. لكن هذا الحزب تهاوى بعد أيام قليلة من سقوط الرئيس، ثم اختفى من الساحة السياسية.

سقوط النظام وانهيار الحزب، الذي حُلّ بقرار قضائي، لم ينهيا وجود مؤيدين له وجذور تعود إلى سنة تأسيسه على يد الزعيم الحبيب بورقيبة في العام 1934.

التنافس على القاعدة الشعبية للتجمع الدستوري شكل هدفاً لكل القوى السياسية، بما في ذلك حركة النهضة الإسلامية، التي حاولت استمالة بعض قياداته وقواعده، على خلفية العفو عمّا ارتكبوه من انتهاكات. لكن القاعدة الأكبر استقطبها مؤسس حزب نداء تونس، الباجي قائد السبسي. وبوقوفها معه، نجح في الوصول إلى منصب الرئاسة. لكن هذه القاعدة، مع ذلك، لم تستطع العودة إلى المشهد السياسي.

بعد انتخابات العام 2014، تجاهل الجميع جهود التجمعيين ومواقفهم، التي أسهمت في شكل كبير في خسارة حركة النهضة موقعها الأول في مجلس النواب. وبعد خمس سنوات، ومع اقتراب موعد الانتخابات، عاد الاهتمام بأنصار النظام السابق، وعادوا هم مجدداً إلى موقع متقدم في المشهد السياسي، في ظل استمرار حالة الانفلات التي تشهدها الأحزاب الوسطية في تونس.

الاقتراب من النهضة يمزّق وحدة التجمعيين

بعد ثماني سنوات من سقوط النظام، ظهرت في المشهد السياسي شخصيتان متنافستان ومتناقضتان تماماً في الفكر والتوجه. الأول، كمال مرجان آخر وزير للخارجية في زمن بن علي، الذي أسّس حزب المبادرة الدستورية في ما بعد. والثاني، المحامية عبير موسي آخر أمينة عامة مساعدة للتجمع الدستوري الديمقراطي المكلفة بشؤون المرأة، والأمينة العامة للحزب الحر الدستوري.

التناقض بين شخصيتي مرجان وموسي، والخلاف في المواقف بينهما، شكلا أساس التباعد، الذي وصل في مرحلة ما إلى تبادل اتهامات في شأن اقتراب حزب المبادرة الدستورية من حركة النهضة، بينما يعتبرها الحزب الحر الدستوري عدوه الأول ويطالب بحلها ومنع نشاطها.

مرجان، الذي أُنتخب أميناً عاماً لحزب المبادرة الدستورية خلال مؤتمره العام، الذي عقد في 23 فبراير (شباط) الحالي، يطرح أفكاراً جديدة حول ضرورة التلاقي مع القوى السياسية في تونس، خصوصاً حركة النهضة، التي حضر عدد كبير من قيادييها افتتاح المؤتمر.

وأكد مرجان "أهمية انخراط كل القوى السياسية في عملية إنقاذ تونس من الوضعية التي تردّت فيها في السنوات الماضية"، مشيراً إلى أن "لحزب المبادرة مشروعاً يقوم على الإيمان بالدولة الوطنية والسيادة للشعب، ويعتبر أنه لا مجال لإقصاء أي طرف سياسي ما دام احترام الدستور والقانون هو الأساس والفيصل".

هذا التقارب مع حركة النهضة، يعبّر عن فكر تيار يقوده محمد الغرياني، نائب رئيس الحزب وآخر أمين عام للتجمع الدستوري قبل سقوط النظام السابق، الذي قال إن "المنهج الذي اختاره حزب المبادرة واضح، ولا مشكلة لديه في أن يكون في السلطة مع حركة النهضة، ولم يعد مطروحاً عدم التعايش مع الحركة".

وأضاف الغرياني أنه من المهمّ أن يفهم التونسيون أنّ المشهد السياسي تغيّر، ولا بدّ من التعامل مع الواقع الجديد، وأن حزبهم ذو مرجعية دستورية ملتصقة بالفكر البورقيبي، لكن قراءته مختلفة لما يدور في الساحة السياسية.

هذا الطرح، الذي يقدمه حزب المبادرة، يرفضه كثر من مؤيدي النظام السابق، الذين يعتبرون حركة النهضة عدوهم الأول، فكراً وممارسة، ويرفضون التقارب معها تحت أي مبرّرات سياسية.

موسي، الأمينة العامة للحزب الدستوري الحر وصاحبة المواقف الحادة تجاه حركة النهضة وكل رموز مرحلة ما بعد الثورة، فرضت ذاتها بقوة في المشهد السياسي وتحوّلت إلى ظاهرة تثير اهتمام الرأي العام بخطابها ومواقفها التي تسير ضد التيار المهيمن على الساحة.

ووفق كثير من المتابعين، فإن شخصية موسي تثير اهتمام كثير من أبناء الطبقات الشعبية مع تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، التي صارت الهم الأكبر لديهم. وهم يعتبرون أن إسقاط نظام بن علي عاد عليهم بالوبال والفقر.

تُدافع موسي عن خيارات نظام بن علي وإنجازاته، وتعتبر عملية إسقاطه مؤامرة شاركت فيها أطراف محلية ودولية، وأن تونس تدفع غالياً ثمن هذه المؤامرة.

حلم العودة يراود التجمعيين

تبقى الانتخابات التشريعية والرئاسية، المقررة في نهاية العام 2019، هدف الأطراف ذات المرجعية الدستورية. إذ يسعى مرجان إلى استغلال علاقاته الجيدة مع حركة النهضة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد ليكون مرشحاً توافقياً إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا ما عبّرت عنه ليلى الشتاوي، النائب في مجلس النواب عن الكتلة الوطنية المؤيدة لرئيس الحكومة، بالقول إن "رئيس حزب المبادرة كمال مرجان سيكون من بين أبرز المرشحين إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو يملك كل المؤهلات التي تخوّله ليكون رئيساً للجمهورية".

كما أن مرجان لم ينفِ رغبته في الترشح، خصوصاً أنه يحظى بدعم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي صرّح بأن مرجان هو الشخصية التي يمكن للحركة أن ترشحها إلى الانتخابات الرئاسية، إذا قرّرت ترشيح شخص من خارج صفوفها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما في الانتخابات التشريعية، فإن حزب المبادرة يبقى في دائرة ضيقة، إذ لا يتوقع أن يحقق نتائج كبيرة فيها، بسبب ابتعاد قيادته عن القواعد الدستورية الرافضة لتقاربه مع النهضة.

في المقابل، يراهن الحزب الحرّ، الذي تقوده موسي، على لعب ورقة المشاركة الكثيفة في الانتخابات التشريعية، خصوصاً بعد النتائج الإيجابية التي حقّقها الحزب مقارنة بمنافسه حزب المبادرة.

وأشارت موسي إلى أن حزبها "يعمل الآن على الانتخابات التشريعية، ويسعى إلى الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد في المجلس، ليتاح لنا السعي إلى تغيير الدستور"، خصوصاً أن الحزب كان قد تقدم في العام الماضي بمشروع دستور جديد في إطار السعي إلى تغيير النظام السياسي الحالي، الذي وصفته موسي بـ "الفاشل".

ويبقى رهان قيادات الحزبين على استمالة أكبر عدد من أنصار النظام السابق مرتبطاً بما يمكن أن يقدموه من برامج وأفكار تثير اهتمام الناخبين.

فبعد ثماني سنوات من سقوط النظام بقيَ وجود أنصاره قوياً وفاعلاً، ولم يستطع أحد إقصاءهم وتجاهلهم، بل بقوا قوة ثابتة تحاول أن تستعيد حضورها ودورها بعدما كانت في الانتخابات السابقة وقود المعارك الانتخابية لحساب الغير.

المزيد من العالم العربي