Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انقلاب بوتين الهادئ: روسيا في عهد الحكم مدى الحياة

تحليل: يرجح أن يُسجل التاريخ خطوة إلغاء مدة الولاية الرئاسية كمنعطف هام على طريق الاستبداد. وبالنسبة إلى الروس فإن ذلك ببساطة إعلان ما لا يخفى

كانت خطوة بوتينية بامتياز: أن يُحوّل إعلاناً منتظراً إلى مفاجأة، بينما يكسب الوقت ويترك، إلى حد ما، المستقبل أمام المجهول.

في روسيا، تركزت المناقشة الفورية التي أعقبت "موافقة" الرئيس الروسي على إلغاء حدود مدة الولاية الرئاسية على نواياه أكثر من الغضب (الشعبي المحتمل). فهل أقدم على ذلك ليتجنب أن يصبح بطة عرجاء، ويغادر منصبه في موعد من اختياره؟ أو، ويبدو هذا الاحتمال أقرب إلى المنطق، لتمديد مدة رئاسته حتى الثمانينات من عمره، ليتجاوز حكم جوزيف ستالين الذي استمر ثلاثة عقود؟ لكن الأوضح هو أن ذلك الإعلان كان أبسط طريقة وأكثرها جرأة لشق الطريق نحو البقاء في السلطة بعد عام 2024.

 من جهة، ينطوي ذلك على بعض مخاطر. ففي المرة الأخيرة التي حاول فيها الزعيم الروسي الالتفاف على القيود الدستورية - من خلال تبادل المناصب مع ديمتري ميدفيديف بين 2011 و2012، خرج مئات الآلاف من الروس إلى الشوارع للاحتجاج.

لكن أحوال روسيا تغيرت في العقد الماضي، لذا قلة فحسب تتوقع رد فعل يعتد به من المجتمع.

أولاً، تأتي هذه الخطوة في ظل عدد من الأزمات، منها فيروس كورونا، وحرب النفط، وانخفاض قيمة العملة. وليس هذا التزامن على الأرجح وليد صدفة. ثانياً، جاء هذا الإعلان بعد عقد من السياسات القاسية والقوانين المناهضة للاحتجاج التي حظرت جميع أشكال المعارضة باستثناء تلك التي يسهل أكثر السيطرة عليها.

لذا، كان الرد الشعبي مساء الثلاثاء خافتاً، حيث شارك خارج الكرملين عشرات المتظاهرين في "اعتصامات فردية" احتجاجاً على التغييرات. ويرجح أن تحظر سلطات المدينة خطوة لتنظيم تظاهرات أكبر، وهي تقتضي تصاريح، بسبب فيروس كورونا.

والأهم من ذلك هو أن علماء الاجتماع يشيرون إلى حالة من اللامبالاة واسعة النطاق بين الروس.

وفي حديثه مع صحيفة "الإندبندنت"، قال منظم الاستفتاءات البارز، ليف غودكوف، إن الرأي العام قد ينقسم في الرأي بالتساوي حول فكرة بقاء فلاديمير بوتين (45 في المئة معها مقابل 46 في المئة ضدها). لكن الانقسام لا يُترَجم إلى رغبة في الاحتجاج، أو حتى التصويت ضد التغييرات الدستورية حين التصويت في 22 أبريل (نيسان).

يقول جودكوف "إن المتعلمين وسكان موسكو يميلون إلى حد كبير سلبياً ضد هذه الفكرة". لكن 10 في المئة فقط من الروس يقولون إنهم سيصوتون ضد التغييرات، حيث يدرك معظمهم أن المقترحات ليست سوى إقرار بالوضع الراه ".

ومع مرور الوقت، قد تسجل كتب التاريخ 10 مارس (آذار) كلحظة مفصلية على طريق جنوح روسيا عن الديمقراطية. لكن حتى الآن، ليس هناك ما يشير إلى أن المعارضة المحبَطة في البلاد تعتزم استغلال هذه الخطوة لإثارة احتجاجات جماهيرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال الصحافي تيخون دزيادكو، وهو شخصية قيادية في الحركة الاحتجاجية بين عامي 2011 و2012، إن الاختلاف الرئيسي بين ذلك الحين واليوم هو "تبدد وهم التغيير". وأضاف دزيادكو، الذي يرأس الآن شبكة التلفزيون الليبرالية دوزد، إن عودة فلاديمير بوتين ليتربع محل ديميتري ميدفيديف في عام 2011 فُسّر على أنه "منعطف رمزي".

من ناحية أخرى، تمثل التعديلات الدستورية لهذا العام "إجراءً شكلياً على الورق... يضفي المشروعية على سلطة بوتين المطلقة وحكمه الأبدي. طبعاً، الأمر باعث جديد على التظاهر. لكن من غير الواضح متى وكيف يمكن أن يتحول هذا إلى ما يُعتد به".

وتركز التعليقات الليبرالية حتى الآن إلى حد كبير على تأثير مناورات بوتين في الدستور.

ففي نظام "الإملاءات الهاتفية" والرشاوى والقضاة الخانعين، كان التزام القانون الأساسي الروسي محدوداً، وذلك في أفضل أحواله. لكن حتى إلى وقت قريب كان الزعيم الروسي يعارض باستمرار تغيير دستور 1993 - قائلاً إن ذلك ليس بالأمر الذي يتعيّن على السياسيين التلاعب به.

لقد تغير ذلك الآن، حيث قدم الرئيس "تعديلات" عديدة تنقُض في الواقع المبادئ الرئيسية للوثيقة. ويقدمون فكرة الرّب لتحل محل مفهوم الدولة العلمانية، ويُسبغون أيديولوجيا محافظة على مسألة الزواج، ثم يقومون بالالتفاف على أي مسألة تعد مثيرة للجدل أو شائكة.

وفي حديثه أمام البرلمان يوم الثلاثاء، شدد بوتين على أنه سيظل ملتزماً بنص القانون. وقال إنه سيوافق على إلغاء مدة الولاية الرئاسية فقط إذا وافقت المحكمة الدستورية على قانونية ذلك. لكن نظراً إلى أن زعيم روسيا منذ مدة طويلة سيحتفظ بسلطة طرد القضاة بحسب رغبته، فإنه ليس واضحاً على الفور من أين لهم الخيار.

في غضون ذلك، كان المجتمع الروسي على الخط (أونلاين) سريعاً في الرد على هذه اللحظات بطرافة وسخرية مميزة.

وعلى سبيل المثل، كتب المدون البارز ألكسندر غوربونوف، الذي يكتب تحت الاسم المستعار ستالينغولاغ، قائلاً: "يأتي بوتين إلى البرلمان ويسأل بوتين عما إذا كان بوتين يرغب في البقاء لولايات أكثر. يرد بوتين بشكر بوتين، ويقول إن بوتين سئم كونه بوتين، ولكن بما أنك يا بوتين تطلب من بوتين، أن يبقى، فإن بوتين سيبقى طبعاً بوتين".

كما أشار مستخدمون آخرون إلى أن الوقت قد حان كي يناقش مجلس الدوما إلغاء الرهون العقارية وأيام الاثنين.

في هذا الصدد، قال مكسيم ترودوليوبوف، وهو أحد كبار الباحثين في معهد كينان ومتابع للكرملين منذ مدة طويلة، إن هذا النوع من السخرية يمثل الجانب المعاكس لـ "انفصال أوسع" مع السياسة.

وقال ترودوليوبوف "لا أرى زخماً في الاحتجاجات - فقط طفرة في التهكم والنكات والشعارات المضحكة والسخرية".

لكن على هذا المنوال تحديداً يعمل بوتين ويبقى في السلطة. إنه نوع خاص من الرجال – يُقدم على أمور سيئة على نحو خاص في وقت يجعلك غير مبالٍ تماماً بما يحدث".

© The Independent

المزيد من تحلیل