نظام الرفاه الاجتماعي في انهيار، لكنك إذا بدأت الآن فيمكنك ادّخار مليون جنيه إسترليني

النظام صُمّم عندما كانت نسبة العمال إلى الأشخاص المتقاعدين تبلغ أربعة إلى واحد تقريباً. أمّا الآن، هناك اثنان إلى ثلاثة عمال مقابل كل شخص متقاعد – وستنخفض هذه النسبة إلى ما دون ذلك قريباً

صورة لزوجين متقاعدين يتنزهان على شاطئ البحر في شمال غرب فرنسا،27-02-2019. (أ.ف.ب)

إن نظام الرفاه الاجتماعي يرزح تحت ضغط هائل، ليس فقط في المملكة المتحدة بل في معظم الدول المتقدمة أيضاً. والسبب في ذلك ليس سياسياً، بل حسابياً.   

مفتاح نجاح ما يسمّى "بالتأمين الوطني" هو أن كل جيل من العمّال يدعم جيل العمّال المتقاعد الذي سبقه. عندما كان التعداد السكاني في تزايد وكان الناس يموتون في سن مبكرة نسبياً، عمل هذا النظام بفعالية عالية. النظام صُمّم عندما كانت نسبة العمال إلى الأشخاص المتقاعدين تبلغ أربعة إلى واحد تقريباً. أمّا الآن، في المجتمعات المعمِّرة، أصبح هناك اثنان إلى ثلاثة عمال مقابل كل شخص متقاعد؛ ومع ارتفاع العمر المتوقع للأشخاص، ستنخفض هذه النسبة إلى ما دون ذلك. في إيطاليا مثلاً، يُتوقع قريباً أن تبلغ النسبة أكثر بقليل من عامل واحد مقابل كل شخص متقاعد. 

ما الذي يمكننا فعله في هذه الحالة؟ إنّ طول عمر الانسان الافتراضي أمر رائع، فهو دليل على تحسّن خدمات الإسكان والرعاية الصحية، وهو (إلى حد ما) من نتائج نجاح أنظمة الرفاه الاجتماعي في الغرب. تحاول الحكومات الحد من هذه المشكلة عن طريق رفع سن التقاعد ونسبة مخصصات التقاعد من رواتب العمّال، لكن الأرقام تثبت بلا شك عدم فعالية هذه الخطة. إضافة لذلك، هناك معارضة سياسية لفكرة دفع الأشخاص الأفقر والأصغر سنّاً لدعم الأجيال الأكبر سنّاً بل والأكثر ثراءً أيضاً في بعض الدول. إن التوتر السائد بين الصغار والكبار سنّاً هو أحد الصراعات المقلقة في معظم الديموقراطيات الغربية. الفئة الأقل عدداً من الصغار في السنّ عليها أن تدفع المال، بينما أعداد كبيرة من فئة الأشخاص الأكبر سنّاً تحتكر سلطة التصويت.

لا أحد يعلم كيف سيكون المناخ السياسي بعد 30 عام مثلاً، لكن الأشخاص الأصغر سنّاً الذين يعملون حالياً لا يجدر بهم أن يفترضوا أن المستوى الحالي للتقديمات (الاجتماعية) سيبقى ثابتاً، فالأرجح ألّا يبقى كذلك.       

وبالتالي، إذا نظرت إلى هذه المسألة من منظور شخصي، بدلاً من منظور سياسي، فإن الأمر المنطقي الوحيد الذي على الأشخاص الأصغر سنّاً القيام به هو أن يأمّنوا معاشاتهم التقاعدية ونفقات الرعاية الصحية الخاصة بهم بأنفسهم. باختصار، عليهم أن يفترضوا أن الدولة لن تكون قادرة على مساعدتهم.

قد يبدو ذلك قاسياً لكنه تدبير ضروري و (احترازي)، فلا يمكننا أن نعرف ما السياسات التي سيدعمها المصوّتون في 2050 وما بعد ذلك.

لحسن الحظ، الحسابات الرياضية التي يُستدل بها على أن الدعم الذي تقدّمه الدولة في ضعف مستمر، تدلّ على عكس ذلك على المستوى الفردي. الحلّ يكمن في أن يوفّر الناس المال، وكلمة السر هي "الفوائد المركّبة."

على مرّ الـ 150 عام الماضية (ولأي فترة يبلغ طولها 40 عاماً خلال تلك المدة) بلغت عائدات حقوق المساهمين الحقيقية في كل دولة متقدمة تقريباً ما بين خمسة وسبعة بالمئة. بالطبع، يمكن أن تختلف هذه النسبة خلال الـ 150 عام المقبلة. حالياً، انخفضت عائدات السندات في كل دول العالم تقريباً إلى مستوى أقل ممّا كانت عليه خلال الـ 150 عام الماضية. في الواقع، إن نسب الفائدة في أوروبا هي عند أدنى مستوى لها على الإطلاق، باستثناء الفترة التي تلت الموت الأسود (الطاعون) في مطلع خمسينيات القرن الرابع عشر، عندما قضى ثلث سكان أوروبا نحبهم.

لكن (وهنا الرسالة الأساسية) هناك احتمالية عالية بأن التوزيع المنطقي للاستثمارات يمكن أن يحقق عائدات بمتوسط خمسة بالمئة خلال الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين عاماً القادمة. وهنا يأتي دور الفائدة المركبة.

الفكرة سهلة، تخيّل أن شخصاً لديه مبلغ 1,000 جنيه إسترليني، ويضيف إليه 1,000 جنيه إسترليني كل سنة. أذا (اعتمدنا ) نسبة عائدات تبلغ خمسة بالمئة (سنويا)، بعد 40 عاما، سيكون لدى الشخص 133,880 جنيه إسترليني.

يمكنك أن تغير الأرقام حسب الحاجة، لكن أي شخص بمعدل دخل متوسط في المملكة المتحدة، بإمكانه أن يدّخر مليون جنيه إسترليني (حسب الأسعار الحالية) خلال 40 عاما. إذا كنت تعتقد أن هذا الرقم مرتفع بشكل لا يصدق، فكر بالتالي: فقيمة متوسط ثروة الأسرة البريطانية حاليا هي 240 ألف جنيه إسترليني. هذه القيمة هي متوسط ما تحققه (عائلات الطبقة الوسطى في البلاد) وليس المعدّل، الذي يبلغ أكثر من ذلك بسبب رفع العائلات الثرية جداً له.

السؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف يمكن إقناع الناس أن هذا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، خاصة أنّ سُمعة قطاع الخدمات المالية سيئة؟ أعتقد أن عدة أمور يجب أن تتغير، بدءاً بقطاع الخدمات المالية، الذي عليه أن يحسّن أداءه، ويخفض رسومه ويتخلّص من الفاسدين. جَعْل التسجيل في نظام المعاشات التقاعدية إلزامياً كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن الحكومة بوسعها فعل المزيد بالتأكيد، بدءاً من عدم تغيير تشريعات معاشات التقاعد باستمرار.

لكنني أعتقد أن جوهر الأمر هو في التعليم: تعليم الناس (بدءاً بالأطفال) الرياضيات المالية. أما كيفية القيام بذلك، فالأمر يشكل تحدياً كبيراً، لكننا على الأقل نعرف ما علينا فعله.

© The Independent

المزيد من آراء