Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قمر صناعي يُصلح آخر على ارتفاع 35 ألف كيلومتر

هذه السابقة العلمية ستسهم في إطالة أمد حياة الأقمار والحد من انتشار الحطام الفضائي في المدار

أصبح بمقدور الأقمار الروبوتية إصلاح نظيراتها (غيتي)

شهد يوم الثلاثاء 25 فبراير، حدثاً فضائياً استثنائياً؛ إذ تمكن قمر صناعي روبوتي من "إمساك" قمر صناعي تجاري آخر أثناء إبحاره في مداره حول الأرض، قبل أن يقوم بإصلاحه وإعادة تزويده بالوقود، في إنجاز تكنولوجي غير مسبوق سيفتح الباب واسعاً أمام إطالة أمد حياة الأقمار التي شارفت على نهاية مسيرتها العملية، وكذلك الحد من انتشار الحطام الفضائي المنتشر في المدار حول كوكبنا. وقال جو أندرسون، نائب رئيس شركة "سبيس لوجيستيكس" التابعة لعملاق التكنولوجيا الأميركي "نورثروب غرومان"، خلال المؤتمر الصحفي الذي أُعلن خلاله عن الحدث: "إنها المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها التحام فضائي مع قمر صناعي لم يتم تصميمه هندسياً أصلاً لوضعية الالتحام".

إطالة عمر الأقمار

القمر الروبوتي الجديد الذي صممته "سبيس لوجيستيكس" يدعى "إم ئي في-1"، وقد أُطلق في أكتوبر الماضي بواسطة صاروخ "بروتون" روسي الصنع، قبل أن يشق طريقه في السماء خلال الأشهر القليلة الماضية ليصل إلى ارتفاع 35 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض، حيث يقع "المدار المتزامن مع الأرض". أما هدفه فكان قمر البث التجاري "إنتلسات 901" المخصص للاتصالات البالغ عمره 18 عاما، والذي لا يزال يعمل بشكل جيد، وإن كان بدأ يفقد تدريجياً مخزونه من الوقود.
وبالتفاهم مع "نورثروب غرومان"، أخرجت شركة "إنتلسات" قمرها بشكل مؤقت من الخدمة في ديسمبر الماضي، ووضعته على الارتفاع نفسه مع "إم ئي في-1" بهدف تنفيذ هذه التجربة الرائدة. وقد تمكن جوناثان ماكدويل، عالم الفيزياء الفلكية في مركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية، من رصد "إم ئي في-1" وهو يقترب حتى مسافة بضعة كيلومترات من القمر "إنتلسات 901" قبل زهاء أسبوع من التجربة، قبل أن تعلن "نورثروب غرومان" عن تمكن "إم ئي في-1" من الالتحام مع القمر "إنتلسات 901" صباح الثلاثاء 25 فبراير، حيث سيستمر في وضعية الالتحام لتوفير الدفع الدفع الكهربائي اللازم للقمر. وفي أعقاب انتهاء اختبارات الأنظمة، سيدفع "إم ئي في-1" نظيره "إنتلسات 901" إلى مداره التشغيلي الجديد في أواخر مارس أو أوائل أبريل المقبلين.

وقد كان من المقرر إحالة "إنتلسات 901" إلى التقاعد خلال الأشهر الأولى من هذا العام. لكن وبفضل نجاح التجربة الأخيرة، سيتم تمديد عمره الافتراضي خمس سنوات إضافية. وسيقوم "إم ئي في-1" في أعقاب مضي السنوات الخمس هذه، بالالتحام مجددا بالقمر قبل دفعه إلى مدار أعلى يعرف باسم "المقبرة"، حيث سيتم إيقافه تماماً عن العمل وإبعاده عن دائرة الاصطدام بأقمار صناعية أخرى. وسيُكلَّف الروبوت "إم ئي في-1"، الذي صُمم ليعمل مدة 15 عاما، بعد أداء مهمته الحالية تنفيذ مهام إصلاح مماثلة لأقمار صناعية أخرى. وقد رفضت الشركتان المعنيتان الإفصاح عن تكاليف خدمة الإصلاح الفضائية الجديدة. لكن ستيفن شبنغلر، الرئيس التنفيذي لشركة "إنتلسات"، قال: "إن التوفير الناتج عن تلك العملية اقتصادي بدرجة كبيرة".
ومن المقرر أن تطلق شركة "نورثروب غرومان" قمراً روبوتياً ثانياً من نوع "إم ئي في" هذا العام، وسيكون أول زبائنه قمر يتبع شركة "إنتلسات" أيضاً. ومع النجاح منقطع النظير للتجربة الأولى، لن يكون ضرورياً إيقاف القمر الثاني عن العمل بشكل مؤقت خلال عملية الالتحام والإصلاح، بل سيستمر قمر البث في تنفيذ المهام الموكلة إليه وكأن شيئا لم يكن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قذائف فضائية
منذ إطلاق الاتحاد السوفيتي لـ"سبوتنيك"، أول الأقمار الصناعية في عام 1957، أصبح الفضاء المحيط بالأرض مزدحماً بشكل متزايد. إذ يوجد اليوم أكثر من 2200 قمر صناعي يعمل في الخدمة، فيما يُقدر أن هناك زهاء 34000 قطعة حطام، يفوق عرضها البوصات الأربع تطفو بسرعات هائلة في المدار. وثمة كذلك أكثر من نصف مليون قطعة من المخلفات التي لا تزيد عن حجم الكرة الزجاجية الصغيرة التي يلعب بها الأطفال تلوث مدار الأرض، إضافة إلى أكثر من 20 ألف قطعة بحجم كرة الكريكيت أو أكبر قليلاً تسبح في ذلك المدار. أما القطع الأكبر حجما فتتراوح ما بين قفازات لرواد فضاء وحطام مركبات فضائية وهياكل صواريخ لم تعد صالحة للاستعمال. لكن الحجم ليس دائماً المؤشر على مدى خطورة تلك المواد، فمع توغلنا أكثر وأكثر في عصر الفضاء، ومع وجود دول جديدة النادي الفضائي الذي كان حكراً على قطبين لا ثالث لهما، سيزداد أكثر وأكثر الحطام الفضائي في مدار كوكب الأرض.

قمر روبوتي، يُصلح قمراً صناعياً للبث التلفزيوني على ارتفاع 35 ألف كيلومتر، ويطيل عمره لخمس سنوات إضافية، في سابقة هي الأولى في تاريخ تكنولوجيا الفضاء

ويقول جير تشيو ليو، كبير العلماء المتخصصين بدراسة الحطام المداري في وكالة ناسا، إن أي بقايا بحجم مليمترات صغيرة قد تتسبب بمخاطر جسيمة على أغلب المركبات التي تعمل في مدار الأرض الأدنى، جراء التأثير الهائل لسرعتها البالغة 48 ألف كيلومتر في الساعة. وهنالك أيضاً خطر ما يسمى بـ"متلازمة كيسلير"، أي احتمال أن تنكسر قطعة واحدة من الحطام لتضرب أخرى، ما قد يترتب عليه تشكيل سيل قد يؤثر على محطات البثّ الفضائية. ورغم أن معظم الازدحام يحدث في مدارات الأرض المنخفضة، على ارتفاع مئات الكيلومترات من سطح الأرض، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن لدى "المدارات المتزامنة مع الأرض"، حيث مواقع الأقمار الصناعية محدودة للغاية تتداخل بدرجات كبيرة. وقد يؤدي تصادم واحد في هذه المدارات إلى تلف العشرات من الأقمار الصناعية. وكمثال على المخاوف السائدة في تلك المدارات نورد حادثة وقعت ديسمبر الماضي، حين تعطلت البطاريات الموجودة على قمر (DirecTV) الذي تديره "إنتلسات"، ما أدى إلى اتخاذ قرار سريع بإيقافه عن العمل ونقله إلى "المقبرة" فوراً خوفاً من انفجارها وتسببها بكارثة على المركبات السابحة في المدار المتزامن.

حبل نجاة
ومع تخطيط شركات مثل "سبيس إكس" و "وان ويب" لإطلاق مجموعات من آلاف الأقمار الصناعية الجديدة في مدارات أرضية منخفضة، تزداد وتتعاظم فرص الاصطدام. ففي يناير الماضي، نجا قمران صناعيان قديمان، كانا يسبحان بسرعة 52 ألف كيلومتر في الساعة ولا يملكان القدرة على المناورة، بالكاد من تصادم مباشر فوق مدينة بيتسبرغ الأميركية. لكن هذا لا يعني أن الاصطدامات بين الأقمار لا تحدث أو أنها نادرة؛ ففي فبراير 2009، تحطم قمر "إريديوم" في الفضاء بعدما اصطدم بقمر روسي عتيق كان يسبح بسرعة 42 ألف كيلومتر في الساعة. ولتجنب مثل هكذا حوادث يعمل مصنعو الأقمار الصناعية اليوم على وضع خطط للتخلص الآمن من مركباتهم الفضائية لدى خروجها من الخدمة، قبل أن تتحول إلى قذائف معدنية هائلة السرعة لا يمكن السيطرة عليها. وثمة جهود أخرى مماثلة لما قامت به شركة "نورثروب غرومان" قد تقود إلى طرائق جديدة لسحب الحطام من المدار. إذ تخطط شركة يابانية، على سبيل المثال، لاستخدام قمر صناعي مسلح بالغراء لجمع الحطام الفضائي في المدارات المنخفضة.
من جهتهم، يقول مسؤولو شركة "نورثروب غرومان" إن تركيزهم ينصب في الوقت الحالي على "تحييد" الأقمار الصناعية الموجودة في "المدارات المتزامنة مع الأرض"، والتي عادة ما تكون أكبر حجما وأكثر تعقيدا وأكثر تكلفة. وفي حقيقة الأمر تمثل هذه التقنية الثورية حبل نجاة لمدار الأرض من حطامها المعدني. إذ يمكن استخدام تقنية مماثلة للروبوت "إم ئي في" لسحب الأقمار المهملة من المدار الأرضي المنخفض، بل يتوقع الخبراء أن يتم استنساخ هذه التجربة واستخدامها كقاطرة جر لنقل قمر ما إلى مدار مرتفع جداً حيث يمكن استقطابه لاحقاً بواسطة جاذبية القمر.
لقد اعتمدت خدمة إصلاح المركبات الفضائية في مدارها سابقاً على تدخل العنصر البشري. وأبرز مثال على ذلك، البعثات المكوكية الفضائية الخمس التي قام خلالها رواد "ناسا" بإصلاحات وترقيات في تلسكوب "هابل" الفضائي. وقد برز التفكير في استخدام الروبوت في مثل هكذا مهام، في أعقاب احتراق مكوك "كولومبيا" أثناء عودته إلى الأرض في عام 2003 ووفاة الرواد السبعة الذين كانوا على متنه. إذ حاولت "ناسا" دراسة إمكانية إرسال مهمة روبوتية لإجراء إصلاحات إضافية على "هابل"، لكنها خلصت إلى أن التكنولوجيا السائدة آنذاك لم تكن بعد ناضجة، ما اضطرها إلى إرسال مهمة مكوكية بشرية أخيرة لإصلاح "هابل" عام 2009. وفي عالم اليوم الذي تزهر فيه التكنولوجيا حلولاً غير مسبوقة بات بالإمكان الاعتماد على الآلة أكثر فأكثر للحلول مكان رواد الفضاء. فهل نشهد انحساراً في الرحلات الفضائية البشرية إلى الفضاء؟