Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كنائس "الرومانسك"... نمط معماري جسّد قوة ومتانة العقيدة

شُيّدت على هذا الطراز المباني المدنية والتجارية والقصور والقلاع والأسوار والجسور

يتميز طراز "الرومانسك" بالجدران السميكة والأقواس نصف الدائرية والأعمدة المتينة والأقبية الأسطوانية (غيتي) 

هو طراز أوروبا المعماري في القرون الوسطى، مزيج بين العمارة الرومانية والبيزنطية القديمة والتقاليد المحلية الأُخرى، بدأ أواخر القرن التاسع وشهد ذروة ازدهاره بين القرنين الـ 11 والـ 12، واستمر حتى ظهور النمط الغوطي، ويُعتبر طراز "الرومانسك" مقدمة للنمط الغوطي الذي أخذ في ما بعد أشكالاً أكثر تعقيداً.

تطوّر نمطه الأول في شمال إيطاليا ومنها إلى غرب أوروبا التي كانت تحت سيطرة روما، حيث صاغ مصطلح "الرومانسك الأول" المعماري جوزيب بويج آي كادافالتش في آواخر القرن الـ 10، ووفقاً لقاموس أوكسفورد الإنجليزي، فإن كلمة "رومانسك" تعني "ينحدر من الرومانية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المباني "الرومانسكية"

وشُيّدت على هذا الطراز المباني المدنية المحلية البسيطة منها والأنيقة، والقصور الفخمة والمباني التجارية والقلاع والأسوار والجسور، إلاّ أنّ للأبنية الدينية الأهمية الكبرى في هذا الطراز، وجاءت بتدرّج واضح بدءًا من الكاتدرائية ثم الكاتدرائية مع الدير والكنيسة والكنيسة الصغيرة والمصلى، إضافة إلى أبنية التعميد.

وانتقلت عمارة "الرومانسك" إلى بلدان العالم الكاثوليكية، وكان يعتمد تأثير الأبنية وأهميتها على البعد والقرب من إيطاليا، فكانت لأبنية فرنسا وألمانيا الأهمية الكبرى ثم ألمانيا وإسبانيا، وأخيراً إنجلترا التي يشار إلى هذا النمط فيها باسم "العمارة النورماندية"، واختلفت أشكال ومظاهر هذا الطراز باختلاف المواقع الجغرافية.

مخطط الكنيسة "الرومانسكية"

ازدهر هذا الطراز في فترة الحروب الصليبية التي نتج منها تعصب ديني زاد سلطة وصلاحيات رجال الدين وتأثيرهم في الفنانين والمعماريين، فوُظّفت العمارة في خدمة النواحي الدينية والتركيز على تشييد المباني الدينية على حساب المدنية منها، وبُنيت الكنائس الضخمة التي أظهرت قوة ومتانة العقيدة المسيحية، وكانت تُصمّم على شكل صليب لاتيني ينتهي الضلع الأطول منه بمصلّى نصف دائري محاط برواق تحدّه أقواس وأعمدة، ويوازي الضلع الكبير من الجانبين رواق سُمي بالممر، وتموضعت أبراج النواقيس (المربعة، المثمنة، الدائرية) في تقاطع الضلعين بين الأروقة ما بين صحن الكنيسة والمذبح، أو في النهاية الشرقية أو الغربية، كما أن ازدياد المواعظ الدينية تطلّب وجود أكثر من قبلة وصالة ترتيل في الكنيسة الواحدة وزادت الحجرات في الممرات.

السمات "الرومانسكية"

واشتهرت عمارة "الرومانسك" بالجودة العالية وبارتفاع مستوى المهارة الفنية التي ساعدت في بقائها حتى اليوم، واختلفت عن العمارة الرومانية بتقليل التراكيب وتبسيط الضخامة والصرحية الرومانية، واشتركت معها بشكل خاص في تبني مخططات "الباسيليكا" ذات المسقط المستطيل البسيط المؤلف من الصحن في المنتصف وممرين جانبيين، تعلوهما شرفات ويحددهما صفّ أو صفّان من الأعمدة.

كما اشتهرت بالأقواس المزخرفة نصف الدائرية والأعمدة المتينة ذات التيجان القريبة شكلياً من "الكورنثية" التي ترتكز قاعدتها على تماثيل منحوتة على هيئة حيوانات غريبة الأشكال، وبالأقبية الأسطوانية والأبراج الكبيرة والأروقة المزخرفة والجدران السميكة.

وتميّزت واجهتها بوجود نافذتين مقوّستين مفصولتين بدعامة تحتويهما نافذة مقوسة كبيرة، وجاءت الشرفات مطلة على الخارج من فوق الأجنحة الجانبية للكنيسة، واستُعملت الأعمدة لفصل المصلّى (المذبح) عن الممرات الجانبية.

كما اعتمد الطراز "الرومانسكي" على نظام التمفصل الإيقاعي الذي يعتمد على الحركة وعدم الثبات في تشكيل المسقط الأفقي من خلال استخدام الأقواس المتتالية في الواجهات، والارتفاعات المختلفة في مستويات الأسقف في المبنى الواحد.

مواد الإكساء

وأثّر في تصميم "الرومانسك" والمواد المستخدمة، مجموعة عوامل اجتماعية ودينية وجغرافية ومناخية وجيولوجية، لكن كانت العقود المزخرفة أهم السمات المميزة لواجهات هذا الطراز مع كثرة استعمال الرخام في إكساء الجدران الداخلية والخارجية، وجاءت الأسقف خشبية بسيطة مزخرفة بألوان متنوعة براقة ذات سطوح مائلة مغطاة بالقرميد من الخارج، وزُينت النوافذ بالزجاج الملوّن المعشق.

وكانت الكنائس مزدانة بالتصوير الجداري والتزيين النباتي والحيواني، إضافة إلى الأعمال النحتية التي كان لها حضور واضح في معظم العناصر المعمارية كالأعمدة والجدران والعقود والواجهات، كما استُعمل الطابوق المفخور (الطوب المحروق) والحجارة والرخام في جميع عناصر البناء، ما أسهم في زيادة متانة الأبنية وبقاء عدد كبير منها حتى وقتنا الحالي.

وتأثرت بعمارة الشام والعراق نتيجة احتكاك معماريي أوروبا بالشرق في فترة الحروب الصليبية، فأخذوا منهم استخدام الرخام الملون والزخارف وأعمال الموزاييك والقباب الدائرية.


الطراز الإيطالي

امتازت "الرومانسكية" في إيطاليا بالمحافظة، فأبقت على المقنطرات والقباب البيزنطية واستخدام الخشب في البناء، وكان للتنوع المناخي دور في نشوء طرز عدة تبعاً للمناطق (الشمالية والداخلية والجنوبية)، فسُمي الطراز الأول "اللومباردي" نسبة إلى "لومبارديا" (شمال إيطاليا) التي تميزت بشتاء طويل ورطب، فجاءت الأبنية بجدران سميكة وقناطر زخرفية متناغمة عُرفت باسم  (Lombard bands).

وكانت الكنائس "باسيليكية" بواجهات عريضة وبسيطة تحمل بعض العقود  على مجموعة من الأعمدة، تتموضع عليها غالباً نافذة مستديرة فوق البهو الرئيس ذات الأقسام الإشعاعية على شكل وردة تضيء صحن الكنيسة (المصلى).

وأبراج النواقيس مرتفعة مربعة زُخرفت بـ "كرانيش" وسُقفت بقمم مخروطية الشكل مدبّبة، كما تموضعت عقود القباب شمالاً وزادت سماكة الجدران واستُعمل الحجر والطوب المصنوع من التربة الطينية في الحوائط الداخلية والرخام للأروقة الخارجية، والأسقف خشبية مائلة مغطاة بالقرميد، وتميزت بالأقبية كأسلوب تسقيف معماري للمصلّى والممرات التي جاءت بطابقين، وارتبطت الكنائس بأبنية دائرية أو مثمّنة تمثل أبنية التعميد، مثال كنيسة "سان زينو" في لومبارديا.

والطراز الثاني سُمي "التوسكاني" نسبة إلى توسكانا (وسط إيطاليا) التي تتميز بمناخ معتدل لذلك قلّت الفتحات وضاقت، واعتُمد نمط الكنيسة "الباسيليكية" مع أساليب إنشائية ومواد بناء محلية، واستُخدم العقد المدبب والأعمدة "الكورنثية"، تأثر بالعمارة البيزنطية وبالطرز العربية، خصوصاً في استخدام الفسيفساء والزخارف الملونة، فجاءت الجدران مغطاة بالرخام وبزخارف الفسيفساء، والسقف خشبي مفتوح مزين بألوان زاهية مختلفة، مثال كاتدرائية "بيزا" في توسكانا.

أما الطراز الثالث، فسُمّي "الصقلي" نسبة إلى جزيرة صقلية (جنوب إيطاليا) ذات المناخ الدافئ شتاء والحار صيفاً، لذلك جاءت الأسقف مستوية، وظهرت فيها التأثيرات البيزنطية والنورماندية والإسلامية، فنجد أشرطة من الرخام والواجهات والأقواس المدببة التي تؤكد التأثيرات الإسلامية الطرز، والمخطط الصليبي كتأثير من الطراز النورماندي، وجود الفضاء الداخلي المربع المسقوف بقبة تحملها أربعة أعمدة، واستُعمل الموزاييك للإكساء، مثال كاتدرائية مونريال في صقلية.

بين فرنسا وإنجلترا

بُنيت كنائس "الرومانسك" الفرنسية على مخطط الصليب اللاتيني وسُقفت المصليات بقبو نصف إسطواني وممرات جانبية بطابقين. استُعملت بداية الجملونات الخشبية في التسقيف ثم استُبدلت إلى المقنطرات، واستُخدمت الأعمدة المثمنة، إضافةً إلى الأكتاف الساندة أو ركائز العقد المستخدمة في العمارة الإسلامية المبكرة، مثال كاتدرائية "أنغوليم".

أما في إنجلترا، فتطورت العمارة ببطء وبقيت لفترة طويلة في مرحلة تقليد العمارة الرومانية إلى أن ظهرت "الرومانسكية"، فاعتُمد مخططها ذو الصليب اللاتيني أيضاً، لكن بأذرع أكثر طولاً وجاءت زخارفها أكثر تقدماً مما في فرنسا، ولم تستعمل القباب حتى مراحلها الأخيرة، واعتمدت الأقبية والمقنطرات المضلعة والأقواس المدببة والعقود المدببة بدلاً من النصف دائرية، مثال كاتدرائية "دورهام".