Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الولايات المتحدة والغرب تخليا عن تركيا خلال معركتها في سوريا

سعت أنقرة على مدى عقد كامل إلى تقويض وعرقلة السياسة الخارجية الأميركية

القوات التركية في محافظة إدلب السورية (أ.ف.ب)

وسط صخب الهجمات المتبادلة بين القوات التركية والسورية في إدلب، التي انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار في موسكو الخميس الماضي، امتلأ الإعلام التركي بانتقادات لاذعة ومريرة ضد الولايات المتحدة والغرب بسبب تخليهما عن مساندة أنقرة خلال صراعها الأخير ضد دمشق وحليفتها موسكو. لكن باحثين ومحللين سياسيين في واشنطن وجدوا العديد من الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة لا تعبأ كثيراً بطلب تركيا تزويدها بصواريخ باتريوت أو بمساندة أنقرة سياسياً أو عسكرياً. فما هي هذه الأسباب؟ ولماذا اتخذت أوروبا موقفاً مماثلاً للموقف الأميركي على الرغم من أن تركيا عضو فاعل في حلف شمال الأطلسي؟

ذعر تركي

مع الضربات التي أودت بحياة أكثر من 30 جندياً تركياً، انتابت أنقرة حالة من الذعر بسبب نقص الاهتمام الواضح من قبل الغرب عموماً والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً حيال ما يجري معها. وعلى الرغم من الكلمات الصادرة من حلف الناتو بمساندة أنقرة، إلا أن إلحاح تركيا في طلب تزويدها ببطاريات صواريخ باتريوت الدفاعية ذهب أدراج الرياح. ومع تبادل الضربات المتبادلة بين أنقرة ودمشق، تصاعدت حملة غضب من كبار المعلقين السياسيين في تركيا إلى حدود جديدة. إذ غرد سنان أولغن، وهو محلل دبلوماسي شهير، مطالباً الغرب بمساندة أنقرة وعدم التخلي عن حليفه التركي، بينما ذهب المتحدث باسم الرئيس رجب طيب أردوغان، فخر الدين ألتون، إلى انتقاد رد فعل الغرب، واصفاً إياه بأنه أمر محبط.

وهكذا، التقطت وسائل الإعلام التركية الخيط، وأطلقت حملة من التوبيخ والتنديد بالموقف الأميركي والأوروبي.

ثمن الفوضى التركية

لكن هذه الحملة الشعواء، ترددت أصداؤها في الغرب ولكن باعتبارها مضيعة للوقت والجهد. ذلك أن الباحثين والمحللين السياسيين في الولايات المتحدة اعتبروا أن تركيا وليس الغرب هي المسؤولة عما حدث منذ سنوات طويلة، حيث سعت أنقرة على مدى نحو عقد كامل إلى تقويض وعرقلة السياسة الخارجية الأميركية، وانخرطت في خطاب عدائي ضد واشنطن، وهددت الأميركيين واعتقلت عدداً منهم، وهي أمور لم تكن تحصل من قبل بين الولايات المتحدة وتركيا.

قبل عام 2011، لم يكن أحد في واشنطن ينتقد أردوغان أو حزب العدالة والتنمية الحاكم، ولكن الآن تبدلت الأمور، وأصبح من الصعب بل من النادر جداً أن تجد أنقرة حليفاً لها في العاصمة الأميركية، على الرغم من سعي النظام التركي إلى تسخير أشخاص للدفاع عنه في الأوساط الأميركية، لكن من دون أي فاعلية.

ونتيجة لذلك، لم يعد في واشنطن أي اهتمام بمساندة تركيا هذه الأيام، بل على العكس، حيث يطالب البعض بترك أردوغان يدفع ثمن الفوضى التي صنعها بنفسه.

أردوغان ليس شريكاً

ويقول ستيفن كوك، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، إن أردوغان لم يكن شريكاً للولايات المتحدة في الماضي، فلماذا يجب على واشنطن أن تخاطر بالتورط في الصراع السوري من أجل مساعدة بلاده، بل كان يجب على الأتراك ألا يتوقعوا من الولايات المتحدة أكثر من بعض التمنيات الطيبة.

صحيح أن الولايات المتحدة لديها قدرات وإمكانات عسكرية متميزة، يُمكن أن تمد يد العون لتركيا، إلا أن الأتراك لم يكونوا في حاجة مُلحة إليها حيث لم تكن خسائرهم فادحة خلال المعارك المحدودة على الخطوط الأمامية مع قوات الرئيس السوري بشار الأسد.

المشكلة في السياسة التركية

وبينما ينطبق الأمر نفسه على أوروبا، من حيث أفعال أردوغان الهادفة إلى الإضرار بالدول الأوروبية من خلال تشجيع اللاجئين على العبور عبر الحدود، أصبح من المستغرب لماذا يتوقع أردوغان أي مساعدة عسكرية أوروبية من دول تعاني نقصاً في التمويل.

وتشير مجلة فورين بوليسي الأميركية، إلى أن المشكلة لدى تركيا لا تتعلق بالكفاءة العسكرية ضد قوات الأسد الضعيفة التي تدخلت روسيا لإنقاذها عام 2015، لكن المشكلة الحقيقية تتعلق بسياسة تركيا في سوريا، حيث لا يوجد لدى المسؤولين الأتراك أي فكرة عن كيفية إنهاء النزاع هناك. كما أنهم عاجزون عن تخفيف معاناة السوريين التي تبدو بلا نهاية. لكن ذلك لا يجعل الأتراك مختلفين عن نظرائهم الأميركيين والبريطانيين.

لا مصلحة أميركية

ففي الوقت الذي يشعر صناع السياسة في واشنطن بالحزن والأسى نتيجة المجازر التي تقع في سوريا بين الحين والآخر، لا ترى الولايات المتحدة أي مصلحة لها في استخدام قوة عسكرية في سوريا، بما في ذلك حماية المدنيين أو تقديم مساعدات إنسانية في مناطق حروب نشطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما تصور أردوغان في مرحلة من مراحل الصراع أن تغيير النظام في دمشق أصبح قاب قوسين أو أدنى، إلا أنه كان مخطئاً، بل بدا أنه في حاجة إلى وقت وصبر طويلين حتى في التعامل مع القضية القومية الكردية في شمال سوريا.

ولهذا السبب اضطر أردوغان إلى التوقيع على اتفاقية لوقف إطلاق النار مع كل من الروس والإيرانيين في سبتمبر (أيلول) 2018، التي فرضت شروطاً محددة على تركيا، مثل نزع سلاح الجماعات المتطرفة في سوريا. وهو أمرٌ لم يكن يرغب في تحقيقه أيضاً.

لكن مع نهاية عام 2019، قرر الأسد والجيش الروسي أن الوقت قد حان كي يستعيد الرئيس السوري السيطرة على المحافظات القريبة من الحدود مع تركيا، حيث ظلت إدلب المحافظة الوحيدة المتبقية خارج نطاق سيطرته.

لا مساعدة لتركيا

هكذا، أفرزت استراتيجية الأرض المحروقة كارثة إنسانية لم تتكشف جوانبها وحجمها بعد، حيث وجد نحو مليون شخص أنفسهم محاصرين بين ثلاثة جيوش. ومع تزايد احتمالات دخول ملايين السوريين اليائسين إلى الأراضي التركية هرباً من الحرب والتدمير، وجد أردوغان نفسه مضطراً لتعزيز الوجود العسكري التركي في إدلب، ما أدى إلى اشتعال حرب داخل حرب أخرى، لم يرد الأميركيون أن يكونوا طرفاً فيها لأنها لا تمثل لهم أولوية قصوى.

وبتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأردوغان في 5 مارس (آذار)، لم تعد تركيا بحاجة إلى واشنطن على المدى القصير، لكن على المدى الطويل ستواجه أنقرة أزمة محتملة تتمثل في رعاية ملايين اللاجئين إليها، الذين قد يؤدي وجودهم إلى زعزعة الاستقرار في الداخل التركي.

ومع ذلك فمن غير المتوقع أن تشرع الولايات المتحدة في مساعدة تركيا في أزمتها الجديدة القديمة، على الرغم من الأسباب الجذرية للحالة الطارئة المتولدة عن استمرار نزيف الدماء في سوريا. كما أنه من غير المتوقع أن تدفع دول الاتحاد الأوروبي مزيداً من المليارات التي تدفعها سنوياً إلى تركيا، كي توقف تدفق اللاجئين السوريين وغير السوريين إلى القارة الأوروبية عبر الحدود التركية.

المزيد من دوليات