حصيلة قمة موسكو: بوتين حصل على كل ما يريد

"اتفق الطرفان على أن تتحقق الزيارة في موسكو وكأن الجانب التركي هو الذي يلتمس العذر"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره التركي رجب طيب أردوغان عقب محادثات في موسكو (أ.ف.ب)

قبل أربعة أيام فقط من انعقاد القمة بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في موسكو، حذر أردوغان النظام السوري قائلاً، "إذا لم يسحب النظامُ قواتِه إلى الحدود التي نريد، فلن يبقى هناك رأس على الأكتاف".

ومع ذلك، فلم نر في الاتفاقية الموقعة بين البلدين مادة تشير إلى "انسحاب" الجيش السوري.

وهذا فقط كاف في الوصول إلى أطراف الخيوط التي نستنتج منها كيفية اجتماع أردوغان - بوتين.

"قتلهم كان نتيجة الخطأ"

ونستطيع القول إن عملية "درع الربيع" التي أطلقتها القوات المسلحة التركية بعد مقتل جنودها الـ36 قد تم إنهاؤها من قبل فلاديمير بوتين في الخامس من مارس (آذار).

ومن المثير للاهتمام أن عملية "ربيع السلام" التي أطلقتها أنقرة في شرق الفرات عام 2019 ضد أكراد سوريا(YPG) ، قد انتهت بمذكرة "سوتشي" وبمبادرة من بوتين أيضاً.

ومن الغريب أن الجنود الذين قُتلوا هم من أبناء تركيا... ولكن عندما صرح الروس بأن قتلهم كان نتيجة الخطأ، كان من المتوقع أن يعتذر الروس لتركيا، ولكن الحاصل هو العكس، إذ كان الرئيس التركي هو الذي طلب من موسكو إجراء المحادثات، ولم يبق الأمر عند هذا الحد، فقد اتفق الطرفان أن تتحقق الزيارة في موسكو وكأن الطرف التركي هو الذي يلتمس العذر.

والواقع أن هذا المنظر وحده كان كافياً للتنبؤ بما عسى أن تتمخض عنه هذه القمة بين بوتين وأردوغان، بعد هذا التحرك الدبلوماسي السريع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا شك أن أسوأ هدنة سلام أفضل من الحرب التي من شأنها أن تجر الخراب والدمار.

وحتى لو لم يكن هناك وقف دائم لإطلاق النار، فستلتقط المنطقة، إلى حد ما، بعضَ الأنفاس الهادئة في هذه الأجواء. إذ أعلن الجانبان أنهما وقَّعا على بروتوكول إضافي للمذكرة المبرمة في سوتشي عام 2018، وينص على طلب "العمل على تخفيض التوتر من أجل استقرار الوضع في المنطقة".

وبالفعل فقد أدت هذه القمة الثنائية التي استغرقت ست ساعات، إلى تخفيف حدة التوتر الذي أوشك أن يؤدي إلى مواجهة خطيرة بين تركيا وجيش النظام السوري في إدلب، وذلك أمر في غاية الأهمية.

مواد مختصرة

والأمر الذي لم يغب عن أنظار المراقبين أن المواد الثلاث المتفق عليها في البروتوكول كانت مكتوبة باختصار شديد ومن دون تفاصيل.

وكان الجانب الأكثر لفتاً للنظر هو أن المواد التي كانت مهمة بالنسبة لروسيا وبشار الأسد في مذكرة "سوتشي" (المواد 3، 5، 6، 8) قد دخلت باتفاقية موسكو التي جرى التوصل إليها يوم الخميس الماضي، حيز التنفيذ ولو متأخراً.

ففي هذه الحالة يحق للشعب التركي أن يسأل أردوغان "إذا كانت هذه هي غاية ما وصلنا إليه، فلماذا تعمدتم إرسال الجنود الأتراك إلى الموت؟".

وبهذا سقط الإنذار الذي أطلقته أنقرة في مهب الريح، وأصبحت موسكو ودمشق هما الرابحتين في نهاية المطاف.

وقد يتساءل البعض "أليست هناك مكاسب بالنسبة لأنقرة من خلال قمة بوتين - أردوغان؟".

بالطبع نعم، على الرغم مما تنطوي عليه من المخاطر والنقاط الغامضة، هناك مكاسب حصلت عليها أنقرة نوجزها في ما يلي:

- تأخير موجة هجرة جديدة ربما تبلغ حوالى مليون شخص.

- كما قلنا آنفاً جرى تفادي حرب فعلية وشيكة وخطيرة بين تركيا وسوريا.

- تهدئة أزمة سياسية غير ضرورية مع روسيا ولو بشكل مؤقت.

نقاط غامضة

ومن جانب آخر، لا تزال هناك نقاط في الاتفاقية غامضة وغير مؤكدة، إذ تنص الاتفاقية على أنه "سيتم إيقاف الأنشطة العسكرية كافة على طول خط التماس في منطقة خفض التصعيد في إدلب"، وتعبير "إيقاف الأنشطة العسكرية" غير واضح ولا يعني بالضرورة أن وقف النار سيكون "دائماً"، بل ربما يكون هناك وقف جزئي أو مؤقت.

وكان هدف روسيا وسوريا من عملياتهما الأخيرة التي قامتا بها في يناير (كانون الثاني)، هو السيطرة الكاملة على الطريق السريع M4، وبهذا البروتوكول تقاسمت روسيا مع تركيا الإشراف على طريق M4، ولكن لم تتم الإشارة إلى الطريق السريع M5 الذي يحظى بأهمية استراتيجية.

ومن النقاط التي لا تزال غير واضحة ولم تتم الإشارة إليها في نص الاتفاقية، موضوع إنشاء المنطقة العازلة أو الآمنة التي تصر تركيا على إنشائها في عمق 30 كلم.

وهناك مشكلة أخرى تنتظر تركيا، هي أنه في حال نشوب خلاف قوي بين روسيا والولايات المتحدة ستضطر أنقرة إلى خوض "حرب بالوكالة".

خيبة "العدالة والتنمية"

ومع دخول سوريا، على الأقل في هذه المرحلة، تحت سيطرة بوتين بشكل أقوى، استسلمت أنقرة للأمر بهذه القمة الأخيرة، للأمر الواقع.

وأخيراً، أود التطرق إلى أهم الأخطار التي تنتظر تركيا، وهو أنه في حال شنت روسيا مع نظام الأسد عملية واسعة ضد المنظمات الإرهابية في إدلب، فستكون لذلك تداعيات ثقيلة وشديدة على تركيا.

وإذا نجحت روسيا ونظام الأسد ضد هذه الجماعات التي تعتبرها روسيا منظمات إرهابية، بما فيها "الجيش الوطني السوري" المدعوم من أردوغان، فستكون تركيا هي المَخرج الوحيد لهؤلاء الإرهابيين. وهذا يعني أننا أقحمنا أنفسنا بأيدينا في حرب استعرت نارها على بعد 60 كيلومتراً خارج حدودنا، وأصبحنا جزءاً منها من غير ضرورة تلجئنا إليها.

المزيد من تحلیل