قرار حكومي ضيّق الخناق على آخر متنفس إلكتروني للسوريين

نظام الباقات أتى في وقت مرهق للشعب من الحرب والحصار

صورة متداولة بين الناشطين الذين طالبوا بإلغاء قرار نظام (باقات) (مواقع التواصل الاجتماعي)

مع دخول مارس (آذار)، وُضِع قرار نظام (باقات)، خدمة شبكة الإنترنت داخل الأراضي السورية حيز التنفيذ، وولّى معه النظام السابق بعدما منح خدمته لأكثر من عقدٍ كانت فيه الشبكة تبثّ على مدى 24 ساعة بسرعات متفاوتة يختارها المشترك مع ما يتناسب ورغباته مقابل أجر مادي.

معارضون... ولكن

ويخال سوريون عارضوا الطريقة الجديدة من نظام الباقات وحضوا فيها المواطنين المتضررين بالتأثير في الشركة صاحبة الخدمة، بالتوجه وإلغاء الاشتراك في هذه الخدمة (ADSL) بعد أسبوع، إن لم تعدل وزارة الاتصالات السورية عن قراراها. وعلى الرغم من قناعتهم التي لا يخامرها الشكّ بخصوص "مقاطعة" الخدمة إن كانت تجدي نفعاً "كون القرار الصادر، حكومياً، ولا رجعة عنه" بحسب قولهم، إلا أنهم على يقين بأنه سيترك تأثيراً، حتى لو جزئياً، يدفع الحكومة بالتفكير ملياً بقرارها.

وفاجأت الوزارة المعنية، السوريين بالآلية الجديدة وعزته إلى أسباب تتعلق بتحسين جودة الاستخدام وفق ما نشرته على صفحتها الرسمية، ومرفقة حدود السرعات مع شرح مفصل عن تحولها إلى باقات وتتعدد الشرائح من الواحد (ميغا) إلى سرعة ثمان وتوزعها على باقات شهرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الصبر الجميل

في غضون ذلك، لا تلتفت كثيراً الجهات المشغلة للشركة المستثمرة إلى كم الاعتراضات والامتعاض الذي سيطر على الشارع السوري حول قرارها الجديد الذي يضيّق الخناق على المتنفس السوري الوحيد، لا سيما أن السوريين وجدوا ضالتهم بالهروب إلى العالم الافتراضي من واقعهم الأليم وباتت منصات التواصل الاجتماعي هي مصدر معلوماتهم ومنبراً حراً لآرائهم.

ويقول الشاب عادل، أحد الطلاب الجامعيين، ويدرس ماستير في الجامعة الافتراضية، أن القرار سيترك بلا أدنى شك تأثيراً في أمثالي "فبحسب نظام الباقات سأكون منذ الأسبوع الأول من كل شهر منهياً كل مدخراتي"، في حين يرى السوريون أنفسهم أيضاً أمام زيادات أسعار في الأماكن العامة، ومقاهي الإنترنت مع تقويض الاستخدام لأقنية "اليوتيوب" المصورة، التي ألحقت ضرراً بوسائل الاتصال المجانية مع دول الخارج، وهذا إن حصل عبر الاتصالات الهاتفية أو الخليوية، سيكلف السوريين كثيراً ويصب في مصلحة شركات الاتصالات، بحسب قول معارضين للقرار.

أسئلة من دون إجابات

ووسط كل ذلك، اقتصرت التبريرات المقتضبة والقليلة على حوارات تلفزيونية بثها التلفزيون السوري الرسمي، على هامش لقاءات مع مسؤولي هذا القطاع لشرح ميزات خدمة الباقات الإيجابية منها "ترشيد الاستهلاك الجائر من قبل بعض المستخدمين للسرعات الكبيرة والتي تنعكس سلباً على أداء الخدمة وسرعتها". ويأتي ذلك مع تبادل ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً عن القرار وكتبوا فوقه بخط عريض بلون أحمر "نطالب بإلغاء القرار"، وخلال أسبوع، وفي حال عدم العدول عنه، فإن المقاطعة هي خيار لا محالة منه.

وتحرك بعض الحقوقيين باتجاه التفكير بالدفع نحو إقامة دعاوى قضائية بحق الشركة المشغلة كونها نكثت بالاتفاق بينها وبين عملاء لها في حال استمرارها في هذا الإجراء الجديد، ويتحضر المحامي، رفعت الشمالي من دمشق، لرفع دعوى قضائية بسبب تصرف الشركة.

وفي حديثه إلى "اندبندنت عربية" أوضح الشمالي "أن القانون لا يسمح لشركة الاتصالات السورية، وهي شركة مغفلة بحسب الأنظمة بتغيير الشروط المحددة بالتعاقد مع العملاء بصفات الخدمة والتحول إلى نظام الباقات وندرس مع مجموعة حقوقيين هذا الأمر لنقيم دعوى لإعادة الأمور إلى نصابها وهذا ما يكفله القانون لنا".

استجواب الوزير

وتفيد المعلومات الواردة بأن عدداً من البرلمانيين تحرك بطلب تحت قبة مجلس الشعب لاستجواب وزير الاتصالات والوقوف على أسباب هذا القرار ومناقشته بتداعياته على المواطن المنهك بكثير من الضرائب والرسوم. نبيل الصالح، برلماني يعد من أكثر المتصدين للقرار من أعضاء مجلس الشعب، وهي السلطة التشريعية في سوريا، ونشر على صفحته "طلبنا استجواب الوزير، إياد الخطيب بعد توقيع الطلب من قبل 10 برلمانيين لقاء خدمة الإنترنت السيئة التي تبيعها المؤسسة بأسعار تفوق كل دول العالم المتمدن".

وحيال طلب الاستجواب، يرى البرلماني الصالح أن هذا القرار سيؤمن أرباحاً مادية للحكومة من دون النظر إلى الخسائر الاقتصادية والنفسية للناس "أثخنتهم الحرب والغلاء وأساسيات العيش، ولا نعلم في ما إذا كانت الاتصالات سوف تأخذ ضريبة على استخدام الواتساب والتلغرام كما فعلت شقيقتها اللبنانية".

خيارات مريرة

ناشطون سوريون اختاروا أن يتصدوا لهذه الأزمة الوافدة على عالمهم الرقمي، فالشبكة العنكبوتية ليست خياراً كما يعبرون، بل إنها أسلوب حياة وطريقة عيش لا يمكن الاستغناء عنها، ويعلمون جيداً أنه مع كل النداءات لمقاطعة الخدمة لن يتمكنوا من ليّ ذراع شركة الاتصالات المشغلة وهي شركة حكومية. وعلى المقلب الآخر، يرى عدد من رواد التواصل الاجتماعي أن هذا القرار لم يأت في التوقيت الصحيح، فالشعب السوري مرهق من الغلاء والحرب والحصار، ولا يخلو يوم من قرارات زيادة على الأسعار التي تصب في خزينة الدولة.

في المقابل، يواجه المشتركون قرارين "أحلاهما مرٌ" في سياق التضامن مع مناشدة الناشطين، إما أن يلغوا الاشتراك من مؤسسة الاتصالات للخدمة كأسلوب ضغط وهنا سيكون أمامه التوجهم إلى الشركات الخاصة، والتي تعمل هي ذاتها بنظام الباقات، أو الالتزام بهذا القرار والذي يعدونه مجحفاً.

ليس ناشطو قضية الـ (WIFI) وحدهم مَن يشعر بالاستياء، بل عموم السوريين، إذ يرونه مجحفاً بحقهم، فعبر نظام الباقات والتي مصيرها النفاد خصوصاً أن معظم أبناء البلد مغتربون ويفوق عددهم في أرجاء العالم ستة ملايين، هم على تواصل عبر تطبيقات اتصال مجاني مع أهاليهم في الداخل السوري، كانت معها ميزة الاشتراك المقطوع (نعمة) لم يحسبوا أنها ستزول.

المزيد من اتصالات