أميركا في ربع ألفية
رحلة الصعود والتحول

في الرابع من يوليو 1776، أعلنت 13 مستعمرة استقلالها عن التاج البريطاني.

وبعد 250 عاماً أصبحت الدولة التي نشأت على الساحل الشرقي لأميركا الشمالية واحدة من أكثر الدول نفوذاً وتأثيراً في تاريخ العالم، فما الذي طبع رحلة الولايات المتحدة منذ نشأتها حتى اليوم؟

نشأة الجمهورية 

عام 1776 وصلت التوترات بين بريطانيا و13 من مستعمراتها الأميركية إلى نقطة انفجار بعد أعوام من الخلافات حول الضرائب والتمثيل والسيطرة السياسية. في الرابع من يوليو (تموز) من ذلك العام، اجتمع ممثلون عن المستعمرات الـ13 في الكونغرس القاري الثاني، وأعلنوا رسمياً الانفصال عن بريطانيا، في وثيقة باتت تعرف بوثيقة الاستقلال التي أكدت مبدأ ربط شرعية السلطة بإرادة الشعب.

هذا الإعلان شكل نقطة تحول في النزاع بين الطرفين، إذ توسعت معه حال التمرد العسكري التي كانت قد بدأت في ليكسنغتون وكونكورد في أبريل (نيسان) 1775، لتتحول من نزاع داخلي مع السلطة البريطانية إلى حرب استقلال شاملة. وعلى رغم التفوق البريطاني عسكرياً، تمكن الجيش القاري للمستعمرات بقيادة جورج واشنطن من الصمود والمواجهة لأعوام حتى حقق أخيراً نصراً محورياً في معركة يوركتاون عام 1781 بدعم من فرنسا. بعد هذه المعركة أدرك البريطانيون أن استعادة السيطرة على المستعمرات مستحيلة، فتوقفت معظم المعارك الكبرى وبدأ الطرفان مفاوضات سلام أنهت الحرب رسمياً بتوقيع معاهدة باريس عام 1783.

معاهدة باريس

3 سبتمبر 1783

  • بريطانيا تعترف رسمياً باستقلال الولايات المتحدة الأميركية
  • ترسيم حدود الدولة الجديدة
  • بريطانيا توافق على سحب قواتها العسكرية

بعد انتزاعها الاستقلال، حولت المستعمرات الأميركية تركيزها على بناء الدولة، واعتمدت في المؤتمر الدستوري لعام 1787 نظاماً فيدرالياً تحكمه توازنات وضوابط تمنع الحكم الاستبدادي في دستور ما زال يشكل أساس النظام السياسي الأميركي.

وعام 1789، دخل الدستور حيز التنفيذ وأجريت أول انتخابات رئاسية نصّب خلالها جورج واشنطن بالإجماع رئيساً.

الجمهورية تتوسع

بعد الاستقلال دخلت الولايات المتحدة فترة من النمو السريع والتحول العميق، فقد بدأت الجمهورية الفتية في تعزيز مؤسساتها السياسية، بينما وسعت أراضيها بصورة كبيرة، بدءاً بصفقة شراء لويزيانا من الفرنسيين عام 1803، لتواصل من ثم التوسع غرباً عبر عمليات شراء وضم واتفاقات متتالية، حتى بلغت حدودها المحيط الهادئ.

1775

1783

1803

1813 - 1853

بالتوازي، كانت البلاد تشهد المراحل الأولى من التصنيع، إذ بدأ إنشاء المصانع والقنوات وسكك الحديد واستخدام التقنيات الجديدة مما أسهم في تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد الحصري على الزراعة، خصوصاً في الولايات الشمالية. وبعد اكتشاف الذهب في كاليفورنيا عام 1848، وانطلاق حمى الذهب في العام التالي، تسارعت وتيرة النمو بصورة كبيرة، إذ جذبت المناطق الجديدة آلاف الباحثين عن الثروة، مما عزز التوسع العمراني وشبكات النقل وسرّع نمو الأقاليم الغربية.

مقر شركة "كروفورد وفرايزر" وشركاه لتجارة العبيد في ولاية جورجيا، كما صوّره جورج ن. بارنارد قبيل إحراق أتلانتا عام 1864.

مقر شركة "كروفورد وفرايزر" وشركاه لتجارة العبيد في ولاية جورجيا، كما صوّره جورج ن. بارنارد قبيل إحراق أتلانتا عام 1864.

لكن إلى جانب الازدهار، كانت التوترات الوطنية تتفاقم، فمع كل توسع إقليمي، احتدم الجدل حول نقطة محورية: هل ينبغي السماح بانتشار نظام العبودية ليشمل الأراضي الجديدة؟ عمّق هذا الخلاف الانقسام بين ولايات الشمال والجنوب وأشعل أزمات سياسية متكررة. وبحلول عام 1860 كانت الولايات المتحدة قد تحولت من جمهورية ناشئة على الساحل الأطلسي إلى دولة قارية، لكنها كانت تقف على أعتاب أزمة داخلية كبرى ستقود إلى الحرب الأهلية.

جمهورية مقسومة

بحلول عام 1861 بلغت عقود من الصراعات حول قضية العبودية وتوازن القوة بين الولايات والحكومة الفيدرالية ذروتها. وعقب انتخاب أبراهام لينكولن رئيساً، بدأت الولايات الجنوبية المؤيدة للعبودية بالانفصال تدريجاً عن الاتحاد، ليبلغ عددها 11 ولاية شكلت كونفيدرالية خاصة بها، على الأثر اندلعت الحرب الأهلية الأميركية.

وفي حين خاض الاتحاد الحرب بداية للحفاظ على وحدة البلاد، أصبحت قضية إنهاء العبودية هدفاً مركزياً للصراع بحلول عام 1863، عندما أصدر لينكولن إعلان تحرير العبيد، الذي حرر أكثر من 3 ملايين مستعبد في الولايات الكونفيدرالية المتمردة حصراً، وأسهم في إضعاف الجنوب سياسياً، وسمح لعشرات آلاف السود بالانضمام إلى جيش الاتحاد.

ومع هزيمة الكونفيدرالية عام 1865 أُلغيت العبودية رسمياً في جميع أنحاء الولايات المتحدة عبر التعديل الـ13 للدستور، وعلى رغم الخسائر البشرية الهائلة، حافظت الحرب على الاتحاد وأعادت صياغة الأسس السياسية والأخلاقية للبلاد.

إعادة الإعمار
والنهضة الصناعية

بعد الحرب الأهلية دخلت الولايات المتحدة مرحلة إعادة الإعمار بالتزامن مع تحول اقتصادي هائل السرعة. خلال هذه الحقبة سعت الحكومة الفيدرالية إلى إعادة دمج الولايات الجنوبية المهزومة وتحديد حقوق الأميركيين الأفارقة المحرّرين حديثاً، فأقرت تعديلات دستورية أنهت العبودية ومنحت الجنسية والحماية القانونية وحق التصويت للرجال السود، لكن كثيراً من هذه المكاسب واجه انتكاسات لاحقة مع صعود قوانين الفصل العنصري في الجنوب.

قطار على جسر ديل كريك الحديدي في وايومنغ نحو عام 1860

قطار على جسر ديل كريك الحديدي في وايومنغ نحو عام 1860

اقتصادياً أصبحت سكك الحديد عصب الاقتصاد الجديد، إذ ربطت البلاد بشبكة نقل عابرة للقارة امتدت من الساحل الأطلسي إلى المحيط الهادئ، وسرّعت التجارة والاستيطان وحركة البضائع على نطاق غير مسبوق، وفي الوقت نفسه توسعت صناعة الفولاذ بصورة كبيرة وأسهمت في بناء الجسور والمصانع وناطحات السحاب، فيما أطلقت طفرة النفط المدفوعة بظهور مصافي البترول عصراً جديداً للطاقة وثروات خاصة هائلة، لكن التوسع المتواصل غرباً جاء غالباً على حساب أراضي السكان الأصليين الذين تعرضوا للتهميش والنزوح.

«من العالم القديم إلى العالم الجديد» مشهد يُظهر مهاجرين ألماناً أثناء مغادرتهم هامبورغ على متن باخرة متجهة إلى نيويورك. (هاربرز ويكلي، نيويورك، 7 نوفمبر 1874)

«من العالم القديم إلى العالم الجديد» مشهد يُظهر مهاجرين ألماناً أثناء مغادرتهم هامبورغ على متن باخرة متجهة إلى نيويورك. (هاربرز ويكلي، نيويورك، 7 نوفمبر 1874)

بين أواخر القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20 وصل ملايين المهاجرين من أوروبا وشكّلوا قوة عمل للمناجم والمصانع وورش البناء، وأسهموا في نمو المراكز الحضرية الكبرى مثل نيويورك وشيكاغو وبيتسبرغ. وفي الوقت ذاته بدأت الولايات المتحدة تبرز كقوة ذات نفوذ دولي متزايد، فبعد انتصارها في الحرب الإسبانية – الأميركية عام 1898 بسطت سيطرتها على بورتوريكو وغوام والفيليبين، وعززت حضورها في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ، كذلك رسخت موقعها الاستراتيجي عبر دعم إنشاء قناة بنما، التي افتُتحت عام 1914 وربطت بين المحيطين الأطلسي والهادئ، مما عزز التجارة العالمية والنفوذ الأميركي على الساحة الدولية.

وبحلول عام 1914 كانت الولايات المتحدة قد خرجت من ركام الحرب الأهلية كقوة صناعية عملاقة، أكثر ثراءً وتحضّراً وترابطاً من أي وقت مضى، لكنها كانت في الوقت نفسه مثقلة بعدم المساواة، واضطرابات العمل، واستمرار الانقسامات العرقية.

دولة على المسرح العالمي

بين عامي 1914 و1945 انتقلت الولايات المتحدة بصورة حاسمة من قوة صاعدة إلى قوة عالمية، وعلى رغم أنها لم تدخل الحرب العالمية الأولى سوى في أواخرها عام 1917، فإن قواتها العسكرية وإنتاجها الصناعي ساعدا في ترجيح كفة الحلفاء وعززا تنامي الوزن الدولي لأميركا. وخرجت من الحرب قوة اقتصادية ومالية كبرى إذ تحولت من دولة مدينة نسبياً إلى أكبر دائن في العالم، لتبدأ تدريجاً في مزاحمة القوى الأوروبية التقليدية على قيادة الاقتصاد العالمي.

متظاهرات من أجل حق المرأة في الاقتراع خلال مسيرة في مدينة نيويورك عام 1917، يحملن لافتات تضم تواقيع أكثر من مليون امرأة.

متظاهرات من أجل حق المرأة في الاقتراع خلال مسيرة في مدينة نيويورك عام 1917، يحملن لافتات تضم تواقيع أكثر من مليون امرأة.

أصبح عقد ما بعد الحرب معروفاً باسم "العشرينيات الهادرة"، وهي فترة ازدهار لثقافة الاستهلاك وموسيقى الجاز والسيارات والحداثة الحضرية. وشهدت البلاد تحولات اجتماعية مهمة، أبرزها منح النساء حق التصويت على المستوى الفيدرالي عام 1920، لكن الرخاء حمل في باطنه نواة أزمة اقتصادية حادة، إذ أدى انهيار سوق الأسهم عام 1929 إلى بدء "الكساد الكبير"، وهو انهيار اقتصادي مدمر تسبب في بطالة جماعية وانهيار مصارف عدة ومعاناة واسعة النطاق.

فلورنس تومسون مع عدد من أطفالها في الصورة الأيقونية "الأم المهاجرة".

فلورنس تومسون مع عدد من أطفالها في الصورة الأيقونية "الأم المهاجرة".

وسعياً إلى احتواء الأزمة، أطلق الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت "الصفقة الجديدة"، وهي حزمة طموحة من البرامج والإصلاحات الفيدرالية هدفت إلى توفير الإغاثة وخلق فرص عمل واستقرار الاقتصاد، مما أدى إلى توسيع دور الحكومة الفيدرالية بشكل غير مسبوق.

مدمرتان أميركيتان بعد تعرضهما للتدمير في بيرل هاربر عقب الهجوم الجوي الياباني.

مدمرتان أميركيتان بعد تعرضهما للتدمير في بيرل هاربر عقب الهجوم الجوي الياباني.

خلال الحرب العالمية الثانية تكرّست مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية، عندما تحولت إلى "ترسانة" الحلفاء الصناعية، ثم بعد الهجوم على بيرل هاربر عام 1941، إلى قوة عسكرية حاسمة في كل من أوروبا والمحيط الهادئ، وبعد انتهاء الحرب أسهمت في تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، مؤكدة انتقالها إلى موقع القيادة في النظام الدولي الجديد.

مدينة هيروشيما اليابانية قبل وبعد إلقاء القنبلة النووية الأميركية عليها في 6 أغسطس 1945.

مدينة هيروشيما اليابانية قبل وبعد إلقاء القنبلة النووية الأميركية عليها في 6 أغسطس 1945.

اختتمت هذه الحقبة بأحد أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ الحديث: إلقاء الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 1945 قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغاساكي، مما أسهم في استسلام اليابان وفتح العصر النووي وأعاد تعريف حجم الدمار في الحروب. وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة قد رسخت مكانتها باعتبارها القوة الاقتصادية والعسكرية الأبرز في العالم، ومهّدت الطريق لعصر جديد ستؤدي فيه دوراً محورياً في السياسة الدولية.

القرن الأميركي

بعد الحرب العالمية الثانية دخلت الولايات المتحدة ما عُرف لاحقاً بـ"القرن الأميركي"، وهي فترة وقفت خلالها في مركز السياسة العالمية والقوة العسكرية والتأثير الثقافي. قادت جهود إعادة إعمار أوروبا الغربية عبر "خطة مارشال"، وأسهمت في ترسيخ نظام دولي جديد من خلال الأمم المتحدة والمؤسسات الاقتصادية الدولية وجعلت من الدولار عملة عالمية، وكانت من أبرز مؤسسي حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949. في الأثناء، أصبح الاتحاد السوفياتي خصمها الرئيس، وشكّل الصراع الطويل بينهما، المعروف باسم الحرب الباردة، ملامح العلاقات الدولية من أوروبا إلى آسيا وخارجها.

طائرة نقل أميركية بالقرب من مدينة تشونغجو الكورية عام 1951.

طائرة نقل أميركية بالقرب من مدينة تشونغجو الكورية عام 1951.

وعلى رغم أن القوتين العظميين لم تنخرطا في مواجهة عسكرية مباشرة، فإن التنافس بينهما غذّى سلسلة من الحروب بالوكالة، من بينها الحرب الكورية (1950–1953) التي شاركت فيها قوات أممية تقودها الولايات المتحدة لصدّ الغزو الشيوعي لكوريا الجنوبية، والحرب الفيتنامية الأطول والأكثر انقساماً حيث أخفقت واشنطن في منع انتصار الشيوعيين على رغم أعوام من التصعيد العسكري. وبلغت الحرب الباردة إحدى أخطر لحظاتها خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما اقترب العالم من مواجهة نووية مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وتجلّى التنافس في ميدان العلم والتكنولوجيا عبر "سباق الفضاء"، إذ تنافست واشنطن وموسكو على التفوق العلمي والتكنولوجي، وبلغ هذا السباق ذروته عام 1969 عندما حطّ رواد فضاء أميركيون على سطح القمر، في انتصار مفصلي للابتكار الأميركي ومكانته العالمية.

الرئيس الأميركي ليندون ب. جونسون يوقّع قانون الحقوق المدنية لعام 1964، فيما يظهر بين الحضور خلفه مارتن لوثر كينغ الابن.

الرئيس الأميركي ليندون ب. جونسون يوقّع قانون الحقوق المدنية لعام 1964، فيما يظهر بين الحضور خلفه مارتن لوثر كينغ الابن.

وفي الداخل، شهدت هذه العقود تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، أبرزها صعود حركة الحقوق المدنية، إذ ناضل الأميركيون الأفارقة وحلفاؤهم ضد الفصل العنصري والتمييز العرقي، مما أثمر تشريعات مفصلية مثل قانون الحقوق المدنية عام 1964 وقانون حقوق التصويت عام 1965. وعرفت البلاد ازدهاراً اقتصادياً واسعاً في العقود التي أعقبت الحرب، وأسهمت قوتها الصناعية والثقافية في توسيع نفوذها العالمي.

سكان برلين الغربية أمام جدار برلين في وقت مبكر من 11 نوفمبر 1989 بينما يهدم حرس الحدود من ألمانيا الشرقية جزءاً من الجدار لفتح معبر جديد بين شطري برلين (أ ف ب).

سكان برلين الغربية أمام جدار برلين في وقت مبكر من 11 نوفمبر 1989 بينما يهدم حرس الحدود من ألمانيا الشرقية جزءاً من الجدار لفتح معبر جديد بين شطري برلين (أ ف ب).

وبحلول أواخر الثمانينيات بدأ المعسكر السوفياتي يضعف مع تصاعد أزماته الداخلية، وجاء سقوط جدار برلين عام 1989 ليمهّد لانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، منهياً الحرب الباردة ومانحاً الولايات المتحدة موقع القوة العظمى الوحيدة في العالم.

الهيمنة الأميركية

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، ودخلت مرحلة يشار إليها كثيراً بـ"عصر فرط القوة" نظراً إلى نفوذها العالمي غير المسبوق. في بدايات هذه المرحلة قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً في حرب الخليج (1990–1991) لطرد القوات العراقية من الكويت، في استعراض واضح لتفوقها العسكري والتكنولوجي، وأدت دوراً محورياً في إدارة الأزمات الدولية خلال تسعينيات القرن الماضي، بما في ذلك التدخل في البوسنة وكوسوفو، في إطار سعيها إلى ترسيخ النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة.

صورة تظهر مؤسسي شركة "مايكروسوفت" بيل غيتس (يميناً) وبول ألين عام 1975 (مايكروسوفت/أ ف ب).

صورة تظهر مؤسسي شركة "مايكروسوفت" بيل غيتس (يميناً) وبول ألين عام 1975 (مايكروسوفت/أ ف ب).

شهدت تسعينيات القرن الماضي طفرة اقتصادية سريعة غذّاها انتشار الإنترنت، إذ غير وادي السيليكون الأميركي والابتكارات الرقمية أساليب الاتصال والأعمال والروابط العالمية، وسرّع كل ذلك موجة أوسع من العولمة عززت ارتباط الاقتصادات بعضها ببعض أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، واصل حلف شمال الأطلسي توسعه شرقاً مع انضمام دول كانت سابقاً ضمن نطاق النفوذ السوفياتي، في خطوة عكست اتساع النفوذ الغربي وأثارت جدلاً جيوسياسياً متزايداً.

هجوم 11 سبتمبر 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك (أ ف ب).

هجوم 11 سبتمبر 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك (أ ف ب).

لكن هذه المرحلة من التفاؤل النسبي تلقت ضربة قاسية في الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، عندما أوقعت الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن آلاف القتلى وأعادت تشكيل السياسات الخارجية والداخلية للولايات المتحدة. رداً على ذلك، شنّت واشنطن حرباً على أفغانستان بهدف تفكيك تنظيم "القاعدة" وإسقاط حكم "طالبان"، وعززت إجراءاتها الأمنية الداخلية وأعادت تنظيم مؤسسات الأمن القومي، ثم أعقبت ذلك حرب العراق عام 2003 التي سعت إلى إسقاط نظام صدام حسين لكنها تحولت إلى نزاع طويل ومثير للجدل.

قوات أميركية في أفغانستان في نوفمبر 2001 (أ ف ب).

قوات أميركية في أفغانستان في نوفمبر 2001 (أ ف ب).

وبحلول أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة بقي التفوق العالمي للولايات المتحدة قائماً، لكنه بات يواجه تحديات متزايدة بفعل كلفة الحروب وتصاعد المنافسة الجيوسياسية، ولا سيما مع النمو المتسارع للصين، إضافة إلى الانقسامات السياسية الداخلية التي أخذت تزداد وضوحاً.

الاستقطاب السياسي

منذ 2008 وحتى 2026 عرفت الولايات المتحدة فصلاً جديداً من الاضطرابات حافظت خلاله على موقعها كقوة كبرى أولى في العالم لكنها واجهت تحديات داخلية وخارجية متصاعدة. بدأت هذه الحقبة مع الأزمة المالية عام 2008، وهي أسوأ انهيار اقتصادي منذ الكساد الكبير، إذ تسببت في إفلاس مصارف عدة وارتفاع البطالة وحجز ملايين المنازل وأضعفت ثقة الأميركيين بالمؤسسات السياسية والمالية.

عاملان يثبتان لوحة بورتريه للرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما، رسمها الفنان شيبرد فيري، في المعرض الوطني للصور الشخصية في واشنطن في 17 يناير 2009 (أ ف ب).

عاملان يثبتان لوحة بورتريه للرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما، رسمها الفنان شيبرد فيري، في المعرض الوطني للصور الشخصية في واشنطن في 17 يناير 2009 (أ ف ب).

في خضم تلك الأزمة حمل انتخاب باراك أوباما في 2008 دلالات رمزية وسياسية كبيرة، إذ أصبح أول رئيس أسود في تاريخ البلاد، مما أثار آمالاً في تجديد وطني حتى مع استمرار تفاقم الانقسامات الحزبية، غير أن الاستقطاب السياسي ازداد وضوحاً خلال العقد التالي، وبلغ مرحلة جديدة مع انتخاب دونالد ترمب عام 2016، في تعبير عن صعود التيارات الشعبوية وتصاعد الجدل حول الهجرة والتجارة والهوية الوطنية ودور النخب السياسية.

في الوقت نفسه كان صعود الصين قوةً اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية منافسة يزداد وضوحاً، الأمر الذي أعاد تشكيل أولويات السياسة الأميركية، ولم يعد التنافس محصوراً بالتجارة، بل امتد إلى التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وسلاسل الإمداد والنفوذ الجيوسياسي.

فردان من الطاقم الطبي يرتديان معدات الوقاية الشخصية ينقلان جثمان مريض متوفى جراء "كوفيد-19" بولاية نيويورك (أ ف ب).

فردان من الطاقم الطبي يرتديان معدات الوقاية الشخصية ينقلان جثمان مريض متوفى جراء "كوفيد-19" بولاية نيويورك (أ ف ب).

في أواخر 2019 وجهت جائحة "كوفيد-19" صدمة تاريخية جديدة، إذ أودت بحياة أكثر من مليون أميركي، وعطّلت الحياة اليومية، وكشفت عن ثغرات عميقة في الصحة العامة والحكم والتماسك الاجتماعي، وشهد عام 2020 موجة احتجاجات واسعة تحت شعار "حياة السود مهمة" أعادت قضايا العدالة العرقية وعلاقة الشرطة بالمجتمعات المحلية إلى صدارة النقاش الوطني.

مناصرو الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقتحمون مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 (أ ف ب)

مناصرو الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقتحمون مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 (أ ف ب)

وتفاقمت حدة الانقسامات السياسية بعد انتخابات 2020، وبلغت ذروتها مع اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، في حدث صادم أثار تساؤلات واسعة حول الثقة بالمؤسسات الديمقراطية الأميركية. وفي الخارج، أعادت الحرب الروسية – الأوكرانية منذ عام 2022 تركيز السياسة الأميركية على المنافسة بين القوى الكبرى وتعزيز التحالفات الغربية.

وفي الأعوام اللاحقة أطلقت الثورة السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بتطوّر النماذج التوليدية والأتمتة والمنصات الرقمية، سباقاً تكنولوجياً جديداً يحمل تداعيات بعيدة المدى على عالم العمل والأمن وتدفق المعلومات.

على امتداد هذه المرحلة شهدت الولايات المتحدة أيضاً استقطاباً سياسياً حاداً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع تعمّق الانقسامات الأيديولوجية وتصاعد انعدام الثقة وحدّة الصراعات حول الهوية والديمقراطية ودور أميركا في العالم، مما جعل من هذه الحقبة زمناً يجمع بين ابتكار استثنائي وتفتت وطني عميق في آن.

ماذا بعد؟

مع بلوغها عامها الـ250 تقف الولايات المتحدة دولةً شكلتها الثورة والتوسع والحروب والصراعات الاجتماعية والابتكار، وبعد قرنين ونصف القرن من التحولات العميقة، ستختبر العقود المقبلة قدرتها على تجديد ديمقراطيتها، وإدارة التحولات التكنولوجية المتسارعة، ومواجهة المنافسة العالمية المتصاعدة، وتجاوز انقساماتها الداخلية، لتحديد ملامح الفصل التالي من تاريخها.

كتابة وإعداد
إيليانا داغر

التنفيذ والغرافيك
عمر المصري

رئيس التحرير
عضوان الأحمري