حدود مشتعلة: كيف تحول جنوب لبنان إلى خط تماس دائم مع إسرائيل؟

في جنوب لبنان، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بدرجة التوتر.  

على امتداد "الخط الأزرق"، يكفي صوت طائرة مسيّرة أو تحليق منخفض لطائرة حربية كي يتوقف الزمن للحظات.  

هنا، حيث تتداخل الحياة اليومية مع احتمالات الحرب، لم يعُد الصراع حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من المشهد. 

كيف تحول هذا الشريط الحدودي الضيق إلى واحد من أكثر خطوط التماس تعقيداً في الشرق الأوسط؟
التفاصيل تحت المجهر. 

اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل – 1949 

اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل – 1949 

من الهدنة إلى "فتح لاند" 

في حرب النكبة التي اندلعت غداة إعلان قيام دولة إسرائيل في الـ14 من مايو (أيار) عام 1948، قام لبنان بدور محدود في الأعمال القتالية إلى جانب الجيوش العربية اقتصر على جبهة الجليل الشمالي، من دون الدخول في عمليات واسعة أو حاسمة.  

حاله حال الدول المشاركة في الصراع، وقّع عام 1949 اتفاق هدنة مع إسرائيل برعاية الأمم المتحدة، أوقفت الأعمال القتالية بين الطرفين وثبتت خط الهدنة الحدودي بينهما. 

نجحت هدنة 1949 في إرساء استقرار نسبي على الحدود بين لبنان وإسرائيل منذ توقيعها وحتى أواخر الستينيات، لكن بيروت كانت أضعف من أن تبقي نفسها بمنأى عن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي ألقى بثقله على الداخل اللبناني، ولا سيما مع استقبال أكثر من 100 ألف لاجئ فلسطيني بعد حرب 1948. فمع اندلاع حرب 1967، وعلى رغم بقاء لبنان خارج الصراع العسكري، بدأت التوترات تتصاعد وصولاً إلى اتفاق القاهرة بين لبنان و"منظمة التحرير الفلسطينية" الذي شرّع العمل الفدائي الفلسطيني من جنوب لبنان واستدعى ردوداً عسكرية إسرائيلية.  

الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الأول 

بعد أحداث "أيلول الأسود" في الأردن عام 1970 وطرد الفدائيين، انتقلت قواعد "منظمة التحرير الفلسطينية" تدريجاً إلى لبنان مستفيدة من الغطاء الذي أتاحه اتفاق القاهرة. ومع ترسخ الوجود الفلسطيني في بيروت وتصاعد العمل الفدائي انطلاقاً من الجنوب، دخل لبنان في صلب الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الطرفين. ولعل أبرز تجليات هذا التحول كان في عملية "ربيع الشباب" التي نفذتها إسرائيل مساء التاسع من أبريل (نيسان) عام 1973 عبر قوات خاصة دخلت إلى قلب بيروت وصيدا وقتلت ثلاثة من كبار قادة "منظمة التحرير الفلسطينية"، رداً على هجوم ميونيخ عام 1972 الذي قتل فيه 11 رياضياً إسرائيلياً.  

سعت السلطات اللبنانية إلى ضبط العمل الفدائي وإعادة تنظيم الوجود المسلح الفلسطيني لتقليص الاحتكاك مع إسرائيل، عبر إبرام اتفاق ملكارت مع الفلسطينيين في مايو 1973. إلا أن هذه المساعي بقيت حبراً على ورق واستمر التصعيد حتى تفجّر باندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في أبريل 1975، بين قسم يرفض التعدي الفلسطيني على سيادة الدولة، وآخر يدعم "منظمة التحرير". 

اتفاق ملكارت مع الفلسطينيين في مايو 1973

اتفاق ملكارت مع الفلسطينيين في مايو 1973

إثر ذلك، لم يعُد لبنان مجرد متلقٍّ لتداعيات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل أصبح ساحة مواجهة مفتوحة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية. تصاعدت المواجهات حتى بلغت ذروتها خلال عملية الليطاني في مارس عام 1978، حين شنت إسرائيل أول اجتياح واسع لجنوب لبنان بهدف إبعاد الفصائل الفلسطينية من حدودها.  

عملية الليطاني 

التاريخ: 14-21 مارس 1978 
الهدف:
إبعاد الفدائيين الفلسطينيين من حدود إسرائيل 
النتيجة:  
- اجتياح إسرائيلي واسع لجنوب لبنان حتى نهر الليطاني 
- انسحاب المسلحين الفلسطينيين إلى شمال نهر الليطاني 
- تهجير عشرات آلاف اللبنانيين من قراهم 
كيف انتهت:  
- ضغط دولي وصدور القرارين 425 و426 عن مجلس الأمن 
- إنشاء "اليونيفيل" قوات لحفظ السلام وانتشارها في جنوب لبنان 
- انسحاب القوات الإسرائيلية بعد نحو 3 أشهر  

حولت عملية الليطاني جنوب لبنان من منطقة حدودية متوترة إلى ساحة مواجهة مفتوحة ودائمة عبر سلسلة من الضربات والردود، وسط عجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها على كامل أراضيها. 

الاجتياح الكبير: بيروت تحت النار 

خلال صيف عام 1982، دخل الصراع اللبناني – الإسرائيلي مرحلة غير مسبوقة جاءت شرارتها من لندن. ففي الثالث من يونيو (حزيران) من ذلك العام، تعرض السفير الإسرائيلي في العاصمة البريطانية شلومو أرغوف، لمحاولة اغتيال تبنتها منظمة "أبو نضال" الفلسطينية. وعلى رغم أن هذه المنظمة كانت على خلاف مع "منظمة التحرير"، فإن تل أبيب استخدمت الحادثة كذريعة مباشرة لشن اجتياح واسع للبنان، انطلق في السادس من يونيو تحت عنوان عملية "سلامة الجليل".  

هدف العملية المعلن كان إبعاد المسلحين الفلسطينيين 40 كيلومتراً من حدود إسرائيل، لكن سرعان ما توسعت لتتحول إلى اجتياح شامل بغطاء ناري كثيف، وصولاً إلى بيروت التي أصبحت عاصمة تحت الحصار. وعلى وقع القصف والأزمة الإنسانية المتفاقمة في بيروت، تم التوصل في أغسطس (آب) إلى تسوية بوساطة أميركية، قضت بخروج المسلحين الفلسطينيين من لبنان، فاتجه ياسر عرفات إلى تونس لتصبح المقر الجديد لـ"منظمة التحرير".  

الانسحاب الفلسطيني لم ينهِ الحرب، إذ أبقت إسرائيل على احتلالها لأجزاء واسعة من لبنان، بما فيها بيروت والجنوب والبقاع. لكن قواتها تعرضت لهجمات مستمرة كبدتها خسائر بشرية دفعتها أخيراً إلى البدء بالانسحاب الفعلي في أوائل عام 1985 منفذة عملية "إعادة انتشار" انتهت بالخروج من معظم الأراضي اللبنانية فيما أبقت على احتلال "الحزام الأمني"، وهو منطقة حدودية جنوب لبنان بعمق يراوح ما بين 10 و15 كيلومتراً.  

أدى الاجتياح إلى إعادة تشكيل المشهد اللبناني بالكامل، احتلال إسرائيلي طويل لجنوب لبنان وتصاعد الانقسامات الداخلية وظهور قوى مسلحة جديدة أبرزها "حزب الله" المدعوم من إيران الذي سيصبح لاحقاً اللاعب الأساس في المواجهة مع إسرائيل على الحدود الجنوبية.   

 

الجنرال أنطوان لحد قائد جيش لبنان الجنوبي (أ ف ب)

الجنرال أنطوان لحد قائد جيش لبنان الجنوبي (أ ف ب)

قصف إسرائيلي على النبطية خلال عملية "عناقيد الغضب" (أ ف ب)

قصف إسرائيلي على النبطية خلال عملية "عناقيد الغضب" (أ ف ب)

مناصرو "حزب الله" يرفعون علامات النصر أثناء عودتهم إلى الجنوب في 28 أبريل 1996 (أ ف ب)

مناصرو "حزب الله" يرفعون علامات النصر أثناء عودتهم إلى الجنوب في 28 أبريل 1996 (أ ف ب)

حرب استنزاف طويلة 

سيطرة إسرائيل على المنطقة الحدودية بالتعاون مع "جيش لبنان الجنوبي" (جيش لحد)، وهو مجموعة منشقة عن الجيش اللبناني ومدعومة من إسرائيل لمواجهة المسلحين الفلسطينيين، فتحت الباب أمام أعوام طويلة من الحرب المفتوحة مع الفصائل المقاومة على رأسها "حزب الله"، تخللتها مواجهات مستمرة وكمائن وهجمات ضد الدوريات والقواعد الإسرائيلية ومواقع "جيش لحد". 

كلما كانت العمليات ضد الإسرائيليين تتصاعد، كانت تل أبيب ترد بقوة نارية أكبر وحملات عسكرية واسعة، أبرزها عملية "تصفية الحساب" أو حرب الأيام السبعة في يوليو (تموز) عام 1993، حين استهدفت إسرائيل البنية التحتية وقطعت أوصال الجغرافيا اللبنانية عن بعضها بعضاً، قبل أن ينتهي أسبوع المواجهات بتفاهمات لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية.  

في أبريل عام 1996، شنت تل أبيب مجدداً عملية "عناقيد الغضب" سعياً إلى وقف إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان نحو المستوطنات شمال إسرائيل. وبعد 16 يوماً من القصف العنيف الذي تخللته مجزرة قانا عندما استهدف الجيش الإسرائيلي مقراً لـ"اليونيفيل" احتمى فيه مئات المدنيين الهاربين من الحرب، انتهت الحملة العسكرية باتفاق غير رسمي لوقف إطلاق النار عرف بـ"تفاهم نيسان"، ونص على الامتناع عن استهداف المدنيين مع الاعتراف بحق الطرفين المتحاربين في "الدفاع عن النفس". 

هذه التفاهمات التي كرست قواعد اشتباك جديدة من دون أن تضع حداً نهائياً للمواجهة بين إسرائيل و"حزب الله"، زجت تل أبيب في حرب استنزاف طويلة تكبدت خلالها خسائر بشرية ومادية من دون تحقيق نتائج ملموسة، مما دفعها أخيراً إلى الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 وإنهاء احتلالها المباشر للأراضي اللبنانية.    

2000 – 2006 
الجنود ينسحبون والسلاح يبقى 

ما بدا نهاية مرحلة، كان بداية أخرى.

بين عامي 2000 و2006، دخل لبنان مرحلة "ما بعد الاحتلال" التي تحول خلالها الصراع إلى قواعد اشتباك جديدة على الحدود الجنوبية وتوتر سياسي داخلي متصاعد شهد محطات عدة. 

انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وانهيار "جيش لبنان الجنوبي" 

- تذرع "حزب الله" بمزارع شبعا المتنازع عليها للاحتفاظ بسلاحه واستمرار عملياته 
- تصاعد الجدل الداخلي في لبنان حول سلاح "حزب الله" ودوره بعد التحرير 
- 2004: عملية تبادل أسرى بين إسرائيل و"حزب الله" عبر وساطة ألمانية 

القرار الدولي 1559 الداعي إلى الانسحاب السوري من لبنان ونزع سلاح الميليشيات 

موجة اغتيالات في لبنان أبرزها لرئيس الوزراء رفيق الحريري

أبريل 2005: انسحاب الجيش السوري من لبنان  

"لو علمنا إن عملية الأسر ستقود إلى هذه الحرب لما قمنا بها قطعاً"

أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، أغسطس 2006

الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت جراء حرب تموز (أ ف ب)

الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت جراء حرب تموز (أ ف ب)

الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت جراء حرب تموز (أ ف ب)

الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت جراء حرب تموز (أ ف ب)

حرب تموز 


بعد ستة أعوام من الاستقرار النسبي على الحدود، قرر "حزب الله" أن يشعل صيف 2006 بعملية "الوعد الصادق". فسعياً إلى عملية تبادل أسرى يحرر فيها المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية، نفذ الحزب في الـ12 من يوليو (تموز) عملية عسكرية عبر الحدود أسر فيها جنوداً إسرائيليين، ليأتي رد تل أبيب مدمراً. 33 يوماً استخدمت فيها إسرائيل أشد أسلحتها ضد "حزب الله" ولبنان، مستهدفة البنية التحتية والجسور ومطار بيروت والأحياء السكنية، فيما ردّ الحزب بإطلاق آلاف الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل. 

فضلاً عن الخسائر البشرية، تسببت الحرب بدمار كبير في لبنان وانتهت بصدور القرار الدولي 1701 الذي نص على وقف الأعمال القتالية وتعزيز انتشار الجيش اللبناني و"اليونيفيل" في الجنوب، مع توسيع مهماتها لمنع الأعمال العدائية.  

في إسرائيل، وعلى رغم التفوق العسكري والدمار الذي ألحق بلبنان، ساد انطباع بأن الدولة فشلت في تحقيق نصر حاسم، ولا سيما أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يلحظ أية عملية لتبادل الأسرى وبقيت رفاة الجنود الإسرائيليين بقبضة "حزب الله". أما في لبنان، وعلى رغم نزوح الآلاف والأضرار الهائلة التي لحقت بالجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، فاحتفل الحزب بـ"نصر إلهي" لمجرد صموده أمام آلة الحرب الإسرائيلية.  

بذلك، أدت "حرب تموز" إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، حيث استمر الردع المتبادل من دون حرب شاملة مباشرة، فيما كان الانقسام الداخلي في لبنان حول سلاح "حزب الله" يتصاعد. 

2006– 2023  

الحدود تتحول إلى ساحة ردع متبادل: لا حرب شاملة… ولا سلام 

- الردع المتبادل: خشية إسرائيل من ترسانة "حزب الله" الصاروخية وتجنب الحزب إعطاء مبررات لشن حرب إسرائيلية 
- ردود موضعية: اشتباكات حدودية أحياناً وردود منضبطة من الجانبين لتجنب حرب شاملة 
- استعدادات متوازية: تعزيز "حزب الله" قدراته العسكرية وجاهزية إسرائيلية لأية مواجهة 
- الساحة السورية: انتقال المواجهة إلى سوريا حيث استهدفت إسرائيل مواقع وإمدادات وقادة "حزب الله" الذي دخل الحرب دعماً لنظام الأسد 
- مواجهات محدودة: بين الحين والآخر بما فيها حادثة أفيفيم 2019 وتبادل للقصف في أغسطس 2021  
- ترسيم الحدود البحرية: بين لبنان وإسرائيل في أكتوبر 2022 بوساطة أميركية 
 

جبهة الإسناد والغرق الكبير 
 

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، استفاق الشرق الأوسط على "طوفان الأقصى". عملية عسكرية شنتها حركة "حماس" داخل إسرائيل قتلت فيها المئات وأسرت العشرات، لترد إسرائيل بفتح "باب جهنم" على قطاع غزة. على الفور، أعلن "حزب الله" فتح "جبهة إسناد" من جنوب لبنان، دعماً لغزة و"حماس".  

على مدى 11 شهراً، تبادلت إسرائيل و"حزب الله" الهجمات في سياق مضبوط، الحزب يطلق الصواريخ والمسيّرات فيما تستهدف إسرائيل مواقعه وقادته الميدانيين. وظلّت العمليات تتصاعد في هذا الإطار حتى الـ17 من سبتمبر (أيلول) عام 2024، اليوم الذي أطاحت فيه إسرائيل بقواعد اللعبة عبر عملية نوعية غير مسبوقة في العالم، تفجيرات "البيجر". في لحظة واحدة، تلقى مئات من عناصر "حزب الله" في مختلف أنحاء لبنان رسائل مشفرة عبر أجهزة الـ"البيجر" التي كانت في حوزتهم، وما إن التقطوها ليطلعوا على مضمونها حتى انفجرت بين أيديهم. وأسفرت العملية عن مقتل العشرات وإصابة آلاف الأشخاص بجروح خطرة، ولا سيما في الوجه والعيون والأيدي، مما شكل صدمة أمنية واستخباراتية كبيرة لـ"حزب الله". في اليوم التالي في الـ18 من سبتمبر، أثناء تشييع ضحايا اليوم السابق، نفذت إسرائيل موجة تفجيرات ثانية، هذه المرة عبر أجهزة الـ"ووكي توكي" التي كانت مع عناصر الحزب.  

بذلك، تحولت المواجهات إلى حرب مفتوحة بين الطرفين لا سقوف لها. قرى بأكملها في الجنوب أُفرغت خلال ساعات، فيما حمل سكان الضاحية الجنوبية لبيروت ما استطاعوا قبل الفرار. وفي غضون 10 أيام فقط، قضت إسرائيل على رأس "حزب الله" حسن نصرالله بضربات بالقنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات دمّرت مقره المحصن على عمق عشرات الأمتار تحت الأرض في الضاحية الجنوبية. وبعد ذلك بأسبوع، اغتالت إسرائيل مجدداً خلف نصرالله، هاشم صفي الدين، قبل أن يعلن رسمياً حتى عن توليه منصبه. وتحت وطأة الضربات الموجعة التي تكبدها "حزب الله"، توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية، دخل حيز التنفيذ في الـ27 من نوفمبر عام 2024.   

كبار قادة "حزب الله" 
اغتالتهم إسرائيل 

اتفاق وقف إطلاق النار 
بين لبنان وإسرائيل 
27 نوفمبر 2024 

المنطقة العازلة  

دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، توقف "حزب الله" عن إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، لكن الأخيرة لم تتوقف عن شن الضربات على معاقل الحزب وبناه التحتية واغتيال قيادييه، على اعتبار أن هذه أهداف تشكل تهديداً لها. كما أن تل أبيب لم تسحب قواتها بالكامل من الأراضي اللبنانية وأبقت على وجودها في خمس نقاط حدودية، ومنعت أهالي القرى الجنوبية من العودة لبيوتهم بغاراتها المتواصلة على مناطقهم.  

على رغم الخسائر التي كان يتكبدها، توانى "حزب الله" عن الرد ليتجنّب أية ذريعة تستغلها إسرائيل لتجديد الحرب المفتوحة. في الأثناء، كان الجيش اللبناني ينتشر جنوب الليطاني وينفذ خطة حصر السلاح التي أقرتها الحكومة، حتى أعلن في يناير (كانون الثاني) الماضي إنجاز المرحلة الأولى وبسط سيطرته على الجنوب. 

استمر الوضع على هذه الحال حتى أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً على إيران اغتالت فيها الزعيم الأعلى علي خامنئي في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي. على الإثر، فتح "حزب الله" مجدداً جبهة إسناد لإيران، فردت إسرائيل بمزيد من التصعيد والتوغل في الأراضي اللبنانية، داعية سكان جميع قرى جنوب الليطاني وصولاً حتى إلى الزهراني إلى الإخلاء، معلنة عن منطقة عازلة يحدها "خط أصفر" بعمق يراوح ما بين أربعة و10 كيلومترات.  

وبعدما ورّط "حزب الله" لبنان بحرب إسناد جديدة، ردت الحكومة اللبنانية بحظر النشاط العسكري والأمني للحزب ونزع سلاحه، في قرار وُصف بالتاريخي وإن لم تظهر مفاعيله الميدانية بصورة فورية. وعلى وقع توسع الاحتلال الإسرائيلي وازدياد الدمار والخسائر البشرية والمادية، قررت الدولة اللبنانية المضي قدماً بالدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، سعياً إلى وضع حد نهائي للحرب وإنهاء الاحتلال.  

هل تنتهي الحرب؟ 

على مدى أكثر من سبعة عقود، تغيّر كل شيء تقريباً على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، الجيوش والفصائل والتحالفات، وحتى الخرائط العسكرية. لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً، الجنوب اللبناني ظل مساحة مفتوحة على احتمالات الحرب. 

من هدنة 1949 إلى "فتح لاند"، ومن اجتياح 1982 إلى حرب تموز، ثم جبهة الإسناد بعد السابع من أكتوبر عام 2023، لم يكُن الصراع مجرد مواجهات عسكرية متقطعة، بل سلسلة تحولات أعادت رسم لبنان والمنطقة مراراً.  

اليوم، وبينما تعود مفاوضات الحدود ووقف إطلاق النار للواجهة، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يدور في الحلقة نفسها، هدوء هش وردع متبادل وحرب مؤجلة لا أكثر. 

أما جنوب لبنان الذي عاش لعقود على إيقاع الطائرات والصفارات والنزوح، فلا يزال حتى الآن خط تماس مفتوحاً بين مشروعين متصارعين… وبين حرب انتهت مرات كثيرة، من دون أن تنتهي فعلاً.  

 

كتابة وإعداد
إيليانا داغر

التنفيذ والغرافيك
مريم الرويغ

رئيس التحرير
عضوان الأحمري