من هم الدروز؟
"الموحدون" أو "بنو معروف"، هكذا يعرف الدروز أنفسهم، نسبة إلى إيمانهم بالله الواحد ولقبيلة بني معروف العربية التي اعتنقت الدرزية في بداياتها، وانضم إليها في ذلك عديد من القبائل العربية، أمثال تيم الله (تيم اللات) ولخم وطيء وربيعة النجدية وبني جندل الذين ينتسبون إلى قبيلة تميم وغيرها من القبائل العربية المعروفة.
فمن هم الدروز؟ بماذا يؤمنون وأين ينتشرون؟ وكيف حجزوا لأنفسهم مكانة استثنائية في دولهم؟ في ما يلي التفاصيل.
القاهرة
الانطلاقة والتأسيس
في عام 1017 ميلادية، في عهد الخليفة السادس للدولة الفاطمية الحاكم بأمر الله، ومن قلب القاهرة خرجت دعوة تبشيرية جديدة من رحم الإسماعيلية، أطلقت على نفسها اسم "الموحدين" أو "أهل التوحيد".
انطلقت الدعوة بإعلان تجلي القدرة الإلهية في الحاكم بأمر الله وبدأ نشر العقيدة التوحيدية. والتجلي الإلهي في معتقد الموحدين لا يعني تجسد الإله على الأرض، إنما هو وسيلة يقرب الله نفسه من خلالها للبشر.
من بين المبشرين والدعاة برز اثنان قادمان من بلاد فارس، هما محمد بن إسماعيل الدرزي وحمزة بن علي بن محمد الزوزني. وعلى رغم أن البعض ينسب تسمية الدروز إلى محمد الدرزي، فإن الدروز ينفون ذلك ويعيد بعضهم التسمية إلى "درز العقل"، لا سيما أن الدرزي انشق عن رفاقه في بداية الدعوة فيما تولى حمزة بن علي زمام التبشير ليعد أحد المؤسسين الفعليين الأوائل للطائفة.
لم تكد تمر سنوات قليلة، حتى وقع ما ليس في الحسبان: اختفى الحاكم بأمر الله. حصل ذلك عام 1021 في ظروف غامضة تعددت الروايات في شأنها، لكن النتيجة كانت واحدة: انتكاسة مأسوية للموحدين الذين تعرضوا في عهد الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله، نجل الحاكم بأمر الله، لقمع وحشي، مما دفعهم إلى مغادرة القاهرة واللجوء إلى مناطق جبلية وعرة في المشرق العربي، حيث مارسوا معتقداتهم بمنأى عن التهديدات. أما حمزة بن علي، فلم يعرف عنه شيء بعد فراره من القاهرة في ذلك العام، وتقول إحدى الروايات إنه أعدم في العام نفسه.
على رغم الصعوبات، تابع الداعية المقتنى بهاء الدين نشر الدعوة على مدى عقدين حتى وفاته عام 1943، تاركاً وراءه رسالة الحكمة الأخيرة، وفيها أمر أتباع الموحدين بإغلاق باب الدعوة نهائياً بعد 26 عاماً فقط من التبشير، ليقتصر أتباع الدروز بذلك على معتنقي المذهب الأوائل وأبنائهم ومن يخرج من سلالاتهم، من دون أن يكون الانضمام للطائفة متاحاً لأي شخص لم يولد درزياً.
الحاكم بأمر الله (ويكيميديا)
الحاكم بأمر الله (ويكيميديا)
بماذا يؤمنون؟
عقيدة الطائفة الدرزية واحدة من أكثر العقائد غموضاً حول العالم، إذ منذ نشأتها اختار مؤسسوها إحاطتها بالسرية والكتمان، فيقتصر تداول أسرار العقيدة الدرزية بين أبناء الطائفة حصراً، بل في أوساط مشايخها وعقالها فقط وليس بين العامة من الأتباع الذين تنحصر معرفتهم بالحد الأدنى المطلوب عن الديانة.
تتفرع الطائفة الدرزية عن المذهب الإسماعيلي، ثاني أكبر الفروع لدى المسلمين الشيعة بعد الاثني عشرية، ويؤمن الدروز بالقرآن، لكنهم يفسرونه تفسيراً خاصاً بهم. وعلى رغم ذلك، يعتبر الدروز أن طائفتهم مستقلة ومعتقداتهم خاصة، ويرتكزون في تعاليمهم بصورة أساسية على كتاب "رسائل الحكمة"، وهو عبارة عن مجموعة رسائل رعوية كتبها حمزة بن علي إلى جانب عدد من أوائل مؤسسي الطائفة وحكمائها.
المدخل إلى الديانة التوحيدية هو "ميثاق ولي الزمان"، وهو عهد أو قسم يتخذه الدرزي ليصبح درزياً فعلياً، وفيه يتبرَّأ من جميع الأديان الأخرى ليلتزم ديانته في ميثاق يعد أزلياً، أي إنه ينتقل مع صاحبه في جميع حيواته اللاحقة.
يؤمن الموحدون الدروز بالله "الواحد الأحد، خالق السماوات والأرض"، وينبع إيمانهم من سياقات طويلة من الأديان التوحيدية ممزوجة بمفاهيم فلسفية أثرت فيها أفكار أفلاطون. ويؤمنون بملائكة الله ورسله وأنبيائه، وباليوم الآخر. ومن أبرز معتقدات الموحدين، إيمانهم بالتقمص، أو تناسخ الأرواح، أي انتقال الروح البشرية إلى جسد مولود آخر بعد وفاة صاحبها.
يعتمد الدروز سبع وصايا أو مبادئ أساسية تشكل ركائز سلوكهم، هي: صدق اللسان، وحفظ الإخوان، وترك عبادة العدم والبهتان، والتبرؤ من الأبالسة والطغيان، والتوحيد، والرضا بتدبير الله، والتسليم لأمر لله.
ممارساتهم وطقوسهم
يشكل الدروز مجتمعاً متماسكاً يتشارك أعرافاً وقيماً وطقوساً اجتماعية ودينية في دائرة شبه مغلقة على ذاتها، إذ إن السرية التي تحيط العقيدة الدرزية وإغلاق باب الدعوة الذي حظر أي انضمام إلى الطائفة من خارجها، جعل الموحدين يلتفون أكثر على بعضهم أينما وُجدوا. لذلك، نجد أنه من القليل جداً أن يتزوج الدروز من خارج طائفتهم، لا سيما أن دينهم يحظر تعدد الزوجات.
دينياً، ينقسم أتباع الطائفة الدرزية إلى فئتين أساسيتين: الروحانيين والجسمانيين. الروحانيون هم رجال الدين الذين يمسكون أسرار الطائفة ومفاتيحها ويحافظون عليها، وينقسمون بدورهم إلى ثلاث فئات: الرؤساء، والعقلاء، والأجاويد. يتميز هؤلاء بأسلوب حياة زهيد، يطلقون لحاهم ويرتدون زياً أسود وقلنسوة بيضاء، يبتعدون عن شرب الخمر والتدخين، منهم من لا يتزوج إطلاقاً، ومنهم من يصوم يومياً، ومنهم من لا يأكل اللحم بتاتاً. ويختلف الروحانيون بفئاتهم الثلاث بدرجة التعمق في الدين والاطلاع على أسرار العقيدة، إذ يقال إن الرؤساء يملكون جميع أسرار الديانة وعارفون بجميع دهاليزها، والعقال يملكون أسرار التنظيم الداخلي للطائفة، أما الأجاويد فيملكون الأسرار الخارجية المتعلقة بالتعامل مع الطوائف الأخرى. يجتمع المشايخ الدروز ليل الخميس – الجمعة من كل أسبوع في مكان يسمى الخلوة، حيث يتلون الصلوات ويمارسون طقوس العبادة.
أما الجسمانيون فهم أتباع الطائفة من المنغمسين في الدنيويات وأمور الدنيا والبعيدين من الروحانيات، وينقسمون أيضاً إلى فئتين: أمراء وجهال، أي الجاهلين بالدين. لا يطلع هؤلاء على أسرار الطائفة ولا يشاركون في الخلوات الدينية، بل يكتفون بالشروحات التي يقدمها لهم المشايخ عن الدين. ويجوز للجسمانيين الاستمتاع بكل ملاذ الدنيا، فيشربون الخمر ويدخنون ويلبسون ما يشاؤون من دون قيود أو شروط، باستثناء الالتزام بمبادئ الدين الأساسية.
وفي ما يتعلق بالنساء، فنجد بينهن أيضاً العاقلات اللاتي يلبسن النقاب وثوباً يسمى "الصاية"، والجاهلات اللاتي لا يتقيدن بأي شروط.
أما مناسباتهم الدينية فتقتصر بصورة أساسية على عيد وحيد هو عيد الأضحى الذي تتخلله مراسم وصلوات دينية، غير أنهم يشتركون أيضاً في مناسبات وطقوس دينية مع مذاهب أخرى، كالزكاة وإحياء السنة الهجرية. وفي صدارة شخصياتهم الروحية، النبي شعيب الذي يحتل مكانة رفيعة ومقدسة في العقيدة الدرزية، إذ يُعد المؤسس الروحي والنبي الرئيس في مذهب التوحيد. لذلك تعد قرية حطين في الجليل الأسفل قرب بحيرة طبريا في إسرائيل، واحدة من أقدس بقاع الأرض للدروز في العالم، إذ يعتقد أن النبي شعيب دفن فيها.
مشايخ دروز (أ ف ب)
مشايخ دروز (أ ف ب)
نساء درزيات (أ ف ب)
نساء درزيات (أ ف ب)
الانتشار الجغرافي
الدروز أقلية بالكاد يعد أتباعها في العالم مليوناً ونصف المليون، وينتشرون بصورة خاصة في دول المشرق العربي
سوريا
تحتضن سوريا أكبر عدد من الدروز في العالم مع نحو 700 ألف نسمة، تعيش غالبيتهم جنوب البلاد، حيث تشكل محافظة السويداء معقلهم الأساسي. كما لهم وجود في ريف دمشق، لا سيما في جرمانا وصحنايا، وفي جبل السماق في ريف إدلب شمال غربي البلاد، كما في القنيطرة وجبل الشيخ قرب الحدود مع لبنان.
لبنان
لا إحصاءات رسمية لعدد الدروز في لبنان، لكن الترجيحات تقدر وجود ما بين 250 و400 ألف، يتركزون خصوصاً في مناطق جبل لبنان، لا سيما في الشوف وعاليه والمتن الأعلى، إضافة إلى مناطق السفح الغربي لجبل الشيخ جنوب البلاد في حصابيا وراشيا.
إسرائيل
يوجد في إسرائيل مجتمع درزي قوامه نحو 150 ألف نسمة يحملون الجنسية أو الإقامة الإسرائيلية ويتمتعون بخصوصية في ممارسة طقوسهم الدينية. يتوزع هؤلاء على قرى في الجليل وجبل الكرمل، إضافة إلى هضبة الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل.
الأردن
يعيش في الأردن ما بين 20 و30 ألف درزي، يتركزون في مناطق مثل الأزرق والرويشد.
حالهم حال معظم شعوب دول الشرق الأوسط، هاجر عدد من الدروز إلى مختلف بقاع العالم واستقروا في دول عدة.
دور سياسي فاعل
على رغم أقليتهم لعب الدروز على مر التاريخ دوراً سياسياً فاعلاً في دولهم تخطى أحياناً حجم طائفتهم، وانتظموا في المجتمعات التي يعيشون فيها من دون أن يخسروا خصوصيتهم. برز عدد من قادتهم السياسيين كلاعبين فاعلين في القضايا الوطنية، وحتى الإقليمية أحياناً.
في لبنان، ساعد الدروز الأيوبيين، ومن ثم المماليك على التصدي لتقدم الصليبيين في مناطق الساحل. وشهدت علاقاتهم بالسلطنة العثمانية تقلبات طغت عليها في الغالب التحديات ومقاومة الاستعمار على رغم الحكم الذاتي الذي تمتعوا به في جبل لبنان، لا سيما في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني في القرن الـ17، والذي تحالف مع الموارنة المسيحيين وتحدى السلطنة ونسج علاقات مع توسكانا، لكن علاقاتهم لم تبقى طيبة مع الموارنة، إذ شهدت مذابح بين الطرفين في عامي 1841 و1860. وفي التاريخ الحديث، لعب الزعيم الدرزي كمال جنبلاط دوراً سياسياً بالغ الأهمية اعتباراً من الخمسينيات وحتى اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، والتي شهدت مواجهات عسكرية متجددة بين الدروز والموارنة. وعقب اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، تولى نجله وليد جنبلاط القيادة خلفاً له ليلعب بدوره دوراً محورياً في الحياة السياسية اللبنانية.
رسمة تخيلية للجيش الأيوبي وهو يحاصر مدينة صور عام 1187 (ويكيميديا)
رسمة تخيلية للجيش الأيوبي وهو يحاصر مدينة صور عام 1187 (ويكيميديا)
الزعيم الدرزي اللبناني كمال جنبلاط (أ ف ب)
الزعيم الدرزي اللبناني كمال جنبلاط (أ ف ب)
الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش (ويكيميديا)
الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش (ويكيميديا)
جندي في القوات السورية في السويداء (أ ف ب)
جندي في القوات السورية في السويداء (أ ف ب)
في سوريا كذلك قاد الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش ثورة كبرى ضد الفرنسيين اندلعت عام 1925. وفي الحرب السورية الأخيرة، حيد الدروز أنفسهم عن الصراع المسلح على رغم خروج عديد من التظاهرات ضد نظام بشار الأسد في السويداء. غير أنهم شكلوا مجموعات مسلحة لحماية مناطقهم في ظل الصراعات العسكرية التي شهدتها سوريا طوال 14 عاماً من الحرب. وبعد إطاحة نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شهدت العلاقات بين الدروز وقادة دمشق الجدد توترات عدة على وقع مخاوف الأقليات من توجهات السلطة الجديدة، فعلى رغم تعهد الحكومة بحماية الأقليات، شهدت البلاد عديداً من الحوادث التي أذكت مخاوف السوريين، لا سيما في ضوء مجازر الساحل السوري في مارس (آذار) 2025 التي قتل خلالها مئات الأشخاص غالبيتهم مدنيون من الطائفة العلوية. وعلى رغم الجهود التي بذلتها الحكومة السورية لاحتواء الفصائل الدرزية المسلحة ودفعها إلى تسليم السلاح أو الاندماج في القوى الشرعية، لم تنجح هذه المساعي سوى مع بضع مئات من المسلحين الذين أدمجوا في عديد وزارة الدفاع. وقد شهدت بالفعل المناطق الدرزية اشتباكات مسلحة، أولها وقع في أواخر فبراير (شباط) الماضي بمنطقة جرمانا في ريف دمشق بين مسلحين دروز وقوات الأمن السورية، لكن سرعان ما تم احتواء الأمر والحد من الخسائر، ثم في أواخر أبريل (نيسان)، شهدت منطقة صحنايا بريف دمشق أيضاً اشتباكات عنيفة سقط خلالها عشرات القتلى من مدنيين ومسلحين دروز وقوات الأمن السورية، وتخللها تدخل إسرائيلي بشن غارات قالت تل أبيب إنها تشكل تحذيراً للحكومة السورية من المساس بالدروز. أما التصعيد الأكبر فوقع في محافظة السويداء في يوليو (تموز) الماضي، حيث جرت اشتباكات دموية بين مسلحين دروز ومجموعات من البدو والقبائل العربية، تصاعدت مع تدخل القوات الحكومية، ومن ثم الجيش الإسرائيلي الذي شن ضربات على قصر الشعب الرئاسي ومقر وزارة الدفاع في دمشق تحت شعار "حماية الدروز"، وذلك انطلاقاً من الروابط التي تجمع دروز إسرائيل، وتحديداً الجولان بدروز سوريا. وإزاء هذه الأحداث، تباينت الآراء بين المجموعات الدرزية، منها من يشدد على وحدة الأراضي السورية ورفض التدخلات الخارجية، ومنها من يخشى من الحكم المركزي لدمشق ويرفضه مستنداً إلى دعم خارجي إسرائيلي.
لحظة مصيرية
في خضم صراع نفوذ محتدم بين دول المنطقة، وفي ظل متغيرات سياسية وأحداث استثنائية، يجد الدروز أنفسهم مجدداً قلب الصراع، في لحظة تاريخية تتطلب اتخاذ قرارات مصيرية. هذه الطائفة التي كثيراً ما واجه أبناؤها العواصف وخرجوا في نهاية المطاف سالمين، يخوضون اليوم نزالاً جديداً مع التاريخ تحكمه السياسية والجغرافيا والميدان... ومشايخ عقل الطائفة.
كتابة وإعداد
إيليانا داغر
التنفيذ والغرافيك
عمر المصري
رئيس التحرير
عضوان الأحمري