من التحالف إلى الصدام

قصة الصراع بين أميركا وفنزويلا

اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من داخل مقره شديد التحصين في كراكاس، شكل صدمة أعادت خلط الأوراق في فنزويلا وأميركا اللاتينية والعالم بأسره. لكن ما هي قصة الصراع بين أميركا وفنزويلا؟

كيف وصلت الدولتان إلى هنا وما الذي حكم علاقتهما على مر الأعوام؟ التفاصيل هنا تحت المجهر.

السفير الأميركي الأول إلى فنزويلا فرانسيس باتريك كوريغان (فايند إيه غرايف)

السفير الأميركي الأول إلى فنزويلا فرانسيس باتريك كوريغان (فايند إيه غرايف)

حلفاء الماضي

بعد انفصال فنزويلا عن كولومبيا عام 1830، كانت الولايات المتحدة من أوائل الدول، وربما الأولى على الأرجح التي اعترفت بها كدولة مستقلة، حين وافقت واشنطن في الـ28 من فبراير (شباط) عام 1835 على تعيين قنصل فنزويلي في نيويورك. وبعد أشهر قليلة، شيد البلدان علاقاتهما الدبلوماسية عندما قدم القائم بالأعمال الأميركي أوراق اعتماده إلى الحكومة الفنزويلية في الـ30 من يونيو (حزيران). وبعد أقل من عام، في الـ20 من يناير (كانون الثاني) 1836، وقع البلدان أول معاهدة بينهما تحت اسم "معاهدة السلام والصداقة والملاحة والتجارة" وقد دخلت حيز التنفيذ في الـ20 من يونيو من العام نفسه بعد مصادقة البلدين عليها. لم يمر وقت طويل حتى رفع البلدان مستوى علاقاتهما الدبلوماسية عام 1939 حين حولت واشنطن مفوضيتها في فنزويلا إلى سفارة، لتبدأ منذ ذلك الحين حقبة من التعاون والتجارة المتصاعدة بين الطرفين، مدفوعة خصوصاً بتجارة النفط بعد اكتشاف الحقول الضخمة في فنزويلا وتحولها إلى مورد رئيس للنفط الخام إلى الولايات المتحدة.

مع بدء الحرب الباردة في أواخر الأربعينيات، انقسم العالم عموماً إلى معسكرين، غربي بزعامة الولايات المتحدة يتبنى سياسات رأسمالية وديمقراطية وليبرالية، وشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي يتبنى سياسات شيوعية ومركزية. وخلال هذه المرحلة، ما بين الخمسينيات والسبعينيات، شهدت دول أميركا اللاتينية حركات اجتماعية ساعية إلى التخلص من التقسيم الطبقي الموروث عن الأنظمة الاستعمارية، مما أكسب الحركات الشيوعية والماركسية واليسارية زخماً متصاعداً في دول عدة، من بينها البرازيل والأرجنتين ونيكاراغوا وبوليفيا وتشيلي، الدولة التي قدمت عام 1970 سلفادور ألندي كأول رئيس ماركسي منتخب ديمقراطياً في العالم. وهذه الحركات في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة شكلت تهديداً كبيراً لواشنطن التي أرادت إبعاد نفوذ الاتحاد السوفياتي من حدودها قدر المستطاع والحفاظ على مصالحها واستثماراتها في المنطقة، ولا سيما بعد نجاح الثورة الكوبية عام 1959 وإرسائها أول حكم شيوعي بدعم سوفياتي في أميركا اللاتينية. ولمواجهة هذه التهديدات، راحت واشنطن تدعم القوى اليمينية في دول المنطقة بوجه الحركات اليسارية ولو على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما تسبب بفصول من العنف في عدد من الدول.

خلال هذه المرحلة كانت كراكاس حليفاً أساسياً لواشنطن، وقام النفط بدور محوري في تنمية العلاقات الثنائية بين البلدين، إذ كانت شركات النفط الأميركية الكبرى تعمل بحرية في فنزويلا وكانت الأخيرة واحدة من أكبر ثلاثة موردي نفط للولايات المتحدة ومصدراً مهماً لضمان أمن الطاقة في الدول الغربية. وامتد التعاون بين البلدين إلى المجال الأمني والعسكري، من التعاون الاستخباراتي وصفقات الأسلحة إلى التدريب ومكافحة تجارة المخدرات. كانت العلاقة بين البلدين قائمة نوعاً ما على معادلة النفط الفنزويلي مقابل الاستثمارات والحماية السياسية الأميركية. لكن على رغم أن فنزويلا كانت حينها دولة ديمقراطية تعتمد نظاماً اقتصادياً حراً، فإن الفساد المستشري في ظل نظام الحزبين اللذين كانا يتناوبان على السلطة ويتقاسمان مغانمها، كان يغذي الغضب الشعبي الداخلي إزاء النخب الحاكمة وتفشي الفقر والتفاوت الطبقي في البلاد، مما مهد تدريجاً لصعود حركة مناهضة للنخبة الفنزويلية الحاكمة وراعيها الأميركي معاً، تحت قيادة الضابط هوغو تشافيز.

قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو (إلى اليسار) ورئيس تشيلي سلفادور ألندي (ويكيبيديا/أ ف ب)

قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو (إلى اليسار) ورئيس تشيلي سلفادور ألندي (ويكيبيديا/أ ف ب)

صعود تشافيز

متأثراً بالزعيم الثوري الفنزويلي سيمون بوليفار المؤمن بتوحيد أميركا اللاتينية، وبتجربة المجلس العسكري اليساري في البيرو، أسس الضابط الفنزويلي هوغو تشافيز مع زميلين له، أواخر عام 1982، "الحركة البوليفارية الثورية 200" (MBR-200)، وبدأ يجوب البلاد جذباً للمؤيدين.

في أواخر الثمانينيات، كانت الأوضاع المعيشية تزداد سوءاً في فنزويلا. وعلى إثر ارتفاع أسعار المحروقات عام 1989، خرجت تظاهرات في كراكاس سرعان ما تحولت إلى أعمال عنف مع لجوء السلطة إلى قمع الاحتجاجات بالقوة

مما أسفر عن مقتل 275 شخصاً وفق حصيلة السلطات، فيما أفادت وسائل إعلام فنزويلية بسقوط ما لا يقل عن ثلاثة آلاف قتيل. هذه الحملة أضرت بشدة بسمعة الحكومة ومنحت تشافيز مزيداً من الشعبية.

لم يكتفِ الضابط الشاب بالحشد السياسي والشعبي، كان طموحه كبيراً وتمتع بجرأة كافية ليحاول عام 1992 الإطاحة بالرئيس كارلوس أندريس بيريز عبر انقلاب عسكري. على رغم أن تحركه كان مشروعاً بوجه الفساد بالنسبة إلى بعضهم، بمن فيهم الرئيس السابق رافايل كالديرا، فشلت محاولته واضطر إلى تسليم نفسه ودخول السجن. لكن ذلك لم يمنع بعضاً من رفاقه الضباط من تنفيذ محاولة انقلاب ثانية في العام نفسه، هاجموا خلالها المقر الرئاسي وسيطروا على التلفزيون الحكومي وبثوا مقطعاً مصوراً لتشافيز من داخل سجنه يدعم فيه تحركهم. مرة جديدة فشلت محاولة الانقلاب، لكنها أدت إلى اندلاع أعمال شغب في ضواحي العاصمة تمكنت السلطات تباعاً من احتوائها.

مع عودة رافايل كالديرا للرئاسة الفنزويلية عام 1994 وسعيه إلى تحقيق الاستقرار عبر سياسة تصالحية تطوي صفحة الاضطرابات التي شهدتها البلاد، أصدر الرئيس في بداية عهده عفواً عن تشافيز خرج بموجبه من السجن ليبدأ مسيرة سياسية حافلة. فمن رحم الحركة البوليفارية الثورية 200، أسس تشافيز عام 1997 "حركة الجمهورية الخامسة" (MVR) كحزب سياسي اشتراكي ليخوض عبره سباق الانتخابات الرئاسية الفنزويلية في ديسمبر (كانون الأول) 1998، ويحقق فوزاً تاريخياً بحصوله على 56 في المئة من الأصوات بعدما رفع في حملته شعارات استئصال الفساد والتخلص من الفقر وإنهاء نظام الحزبين وفتح الحياة السياسية أمام أحزاب أخرى.

حكم تشافيز والعلاقة مع أميركا

وصول هوغو تشافيز إلى السلطة شكل نقطة تحول في تاريخ فنزويلا وفي علاقاتها مع الولايات المتحدة، فالرئيس الذي تعهد بإعادة رسم النظام السياسي والاقتصادي للبلاد والانتقال به إلى أسس اشتراكية ديمقراطية، بعيداً من "الإمبريالية" الأميركية، لم يتأخر في العمل على تحقيق رؤيته لفنزويلا.

بعد توليه الرئاسة في فبراير 1999، أعد تشافيز دستوراً جديداً نص على تغييرات عدة بما فيها تمديد ولاية الرئيس لستة أعوام وتوسيع صلاحياته واستبدال غرفتي الكونغرس بمجلس نواب واحد ووقف التمويل الحكومي لحملات الأحزاب الانتخابية. وطرح مشروع الدستور على الاستفتاء العام في ديسمبر من العام نفسه وكسب التأييد الشعبي. وفي ضوء هذا التغيير، أجرت البلاد انتخابات جديدة عام 2000 حقق فيها تشافيز فوزاً كبيراً حاصداً نحو 60 في المئة من الأصوات. اجتماعياً واقتصادياً، أطلق الرئيس الاشتراكي خطة "بوليفار 2000" التي هدفت إلى مكافحة الفقر وإعادة تأهيل البنى التحتية وتشييد منازل وتنفيذ حملات تطعيم واسعة.

لتمويل برامجه الإصلاحية، اعتمد تشافيز على عائدات النفط، فشدد سيطرة الدولة على شركة النفط الوطنية (PDVSA) التي كانت تتمتع باستقلالية واسعة وأعاد توجيه أرباحها لتمويل مشاريعه وعيّن الموالين له في مناصب كبرى في الشركة. هذه التغييرات الجوهرية أثارت غضباً شعبياً في أوساط رجال الأعمال والنخب الفنزويلية ومخاوف من تحويل البلاد إلى دولة شيوعية ديكتاتورية. وفي أبريل (نيسان) 2002، فجرت المعارضة غضبها في إضراب عام واحتجاجات ضخمة سرعان ما تحولت إلى أعمال عنف واشتباكات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 19 شخصاً. إثر ذلك، قادت مجموعة من الضباط العسكريين انقلاباً ضد تشافيز واعتقلته في الـ11 من أبريل وعينت رجل الأعمال اليميني بيدرو كارمونا رئيساً انتقالياً، فعلق بدوره الدستور وأمر بحل المجلس النيابي. لكن تحت وطأة التنديدات الخارجية والتحركات الداخلية لمؤيدي تشافيز، تحركت مجموعة عسكرية موالية للرئيس الاشتراكي وتمكنت خلال 48 ساعة من إسقاط سلطة كارمونا الانتقالية وإعادة تشافيز لرئاسة فنزويلا. هذه الأزمة عمقت الشرخ بين تشافيز والولايات المتحدة، فعلى رغم نفي واشنطن دعمها للانقلاب ورفضها قرار كارمونا بتعليق الدستور وحل المجلس النيابي، فإن اعترافها خلال الساعات الأولى للتحرك بالتواصل مع قادة المعارضة الفنزويلية رسخ قناعة لدى تشافيز بأن الولايات المتحدة قامت بدور في تدبير الانقلاب للإطاحة به قبل أن تتراجع عن موقفها.

بعد هذه المحاولة الانقلابية، اتجهت العلاقات الأميركية – الفنزويلية إلى مزيد من التدهور. فعام 2004، طلبت الحكومة الفنزويلية من واشنطن سحب جنودها ومستشاريها من القواعد العسكرية الفنزويلية، بما فيها قاعدة فورتي تيونا (Fuerte Tiuna) حيث كانت القوات الأميركية موجودة منذ أكثر من 50 عاماً. وفي 2005، أنهى تشافيز كل أنواع التعاون العسكري بين البلدين وأوقف جميع برامج التدريب والمناورات المشتركة التي كان يخضع بموجبها الجنود الفنزويليون لتدريبات على يد القوات الأميركية، وأوقف كذلك التعاون مع إدارة مكافحة المخدرات الأميركية التي اتهمها باستخدام ضباطها وعناصرها للتجسس على بلاده.

بهذه القرارات، قطع الرئيس الفنزويلي علاقات بلاده العسكرية مع الولايات المتحدة، واستبدلها بتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الدول الاشتراكية والشيوعية، بما يشمل كوبا وروسيا والصين وإيران، ودول أميركا اللاتينينة مثل بوليفيا ونيكاراغوا وجزر الكاريبي، وأبرم صفقات نفطية وعسكرية معها، وأسس بالشراكة مع كوبا "التحالف البوليفاري لشعوب أميركا" كمنظمة حكومية دولية لتعزيز التكامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين بلدان أميركا اللاتينية و‌الكاريبي. ورداً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة حظراً على بيع الأسلحة لفنزويلا وبدأت تشديد الضغوط عليها، فلجأت كراكاس إلى موسكو لتعويض النقص.

هوغو تشافيز يقسم اليمين الرئاسي عام 1999 (أ ف ب)

هوغو تشافيز يقسم اليمين الرئاسي عام 1999 (أ ف ب)

هوغو تشافيز يصافح الجماهير بعد أدائه اليمين الرئاسي عام 2000 (أ ف ب)

هوغو تشافيز يصافح الجماهير بعد أدائه اليمين الرئاسي عام 2000 (أ ف ب)

احتجاجات في كراكاس في أبريل 2002 (أ ف ب)

احتجاجات في كراكاس في أبريل 2002 (أ ف ب)

فرضت شركة النفط الفنزويلية قيوداً على المبيعات في أبريل 2002 ما أدى إلى اندلاع  احتجاجات (أ ف ب)

فرضت شركة النفط الفنزويلية قيوداً على المبيعات في أبريل 2002 ما أدى إلى اندلاع  احتجاجات (أ ف ب)

مقاتلتان فنزويليتان خلال احتفالات الاستقلال عام 2002 (أ ف ب)

مقاتلتان فنزويليتان خلال احتفالات الاستقلال عام 2002 (أ ف ب)

بهذه العبارات، هاجم تشافيز الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووصفه بـ"الشيطان" خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006، مندداً بـ"الإمبريالية الأميركية" ومتهماً واشنطن بـ"الهيمنة والاستغلال ونهب شعوب العالم". وبعد فوزه في انتخابات ديسمبر من العام نفسه بغالبية 63 في المئة من الأصوات، واصل تشافيز العمل على تحقيق رؤيته الاشتراكية. داخلياً، أمّم قطاعي الاتصالات والكهرباء ومشاريع نفطية في حزام أورينوكو ومصرف "بنكو دي فنزويلا" الخاص وعزز قبضته على وسائل الإعلام. خارجياً، تشدد في نهجه المعارض للولايات المتحدة وسدد ديون بلاده لصندوق النقد الدولي وانسحب من المنظمة الدولية، ليعلن من ثم إنشاء "بنك الجنوب" لتمويل المشاريع التنموية في أميركا اللاتينية. وبالتوازي مع ذلك، كانت فنزويلا تشهد ارتفاعاً في معدلات التضخم وفي العجز بالموازنة العامة، مما انعكس في أول خسارة لتشافيز ضمن استفتاء نظمه في أواخر عام 2007 لتعديل الدستور.

عام 2008، وصلت العلاقات الأميركية – الفنزويلية إلى القعر مع طرد تشافيز السفير الأميركي واستدعاء سفير بلاده من واشنطن، تضامناً مع الرئيس البوليفي إيفو موراليس الذي أقدم على هذه الخطوة أولاً متهماً الولايات المتحدة بدعم حركات المعارضة ضده وتدبير مؤامرة للإطاحة به. ردت واشنطن على قرار كراكاس بالمثل وطردت سفيرها.

في فبراير 2009، وعلى رغم ازدياد انتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني في فنزويلا وفق توثيقات منظمة "هيومن رايتس ووتش"، نجح تشافيز أخيراً في إقرار التعديلات الدستورية التي تبقيه في السلطة إلى أجل غير مسمى، في استفتاء عام حصد فيه تأييد 54 في المئة من الناخبين.

في الأثناء، كانت العلاقة بين واشنطن وكراكاس تشهد مزيداً من التدهور أججته تجارة المخدرات المتصاعدة في أميركا اللاتينية. ففي تقرير صادر في يوليو (تموز) عام 2009، قالت السلطات الأميركية إن تجارة المخدرات ازدادت عبر الأراضي الفنزويلية باتجاه أميركا الشمالية وأوروبا، واتهمت حكومة تشافيز برفض التعاون معها في مكافحة هذه الآفة. وبعد انسحابها من قاعدة مانتا الاستراتيجية في الإكوادور، أبرمت واشنطن عام 2009 اتفاقات مع بوغوتا أتاحت لها استخدام القواعد العسكرية الكولومبية لمكافحة المخدرات والإرهاب، ومساندة الحكومة الكولومبية في حربها ضد تمرد منظمة "فارك" اليسارية المدعومة من كراكاس، وفق بوغوتا. رأى تشافيز في هذه الاتفاقات التي سمحت بوجود عسكري أميركي عند تخوم بلاده تهديداً كبيراً واعتبرها بمثابة "إعلان حرب" وتآمر مشترك من قبل الولايات المتحدة وكولومبيا ضد فنزويلا، فأمر جيشه بالاستعداد للدفاع عن البلاد وتوصل مع موسكو إلى اتفاق لفتح خط ائتمان بقيمة 2.2 مليار دولار لشراء الأسلحة.

هوغو تشافيز مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006 (أ ف ب)

هوغو تشافيز مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006 (أ ف ب)

عام 2011، الصحة خانت تشافيز، إذ شخصت إصابته بالسرطان وعاود المرض الظهور بعد تلقيه العلاج الكيماوي، مما هدد حظوظه بالفوز بانتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2012 الرئاسية. وعلى رغم مرضه وتراجع شعبيته بسبب ارتفاع معدل الجريمة والتضخم والنقص في المواد الغذائية والأساسية، حقق الرئيس اليساري فوزه بولاية رابعة بغالبية 54 في المئة من الأصوات.

ومع تجدد إصابته بالسرطان في ديسمبر 2012، أوصى تشافيز الفنزويليين باختيار نائبه نيكولاس مادورو لقيادة البلاد.

وبعد وقت قصير، توفي الرئيس اليساري في الخامس من مارس (آذار) عام 2013.

من سائق حافلة انتقل نيكولاس مادورو إلى عالم السياسة بالانضمام إلى "الحركة البوليفارية الثورية 200" بقيادة هوغو تشافيز.

بعد انتخاب تشافيز رئيساً عام 1998، فاز مادورو بمقعد نيابي ثم تبوّأ في 2005 رئاسة الجمعية الوطنية.

عين وزيراً للخارجية من عام 2006 إلى عام 2012 فبنى علاقات وطيدة مع حلفاء مثل كوبا وروسيا والصين وإيران.

في 2012، عينه تشافيز نائباً للرئيس واختاره خليفة له.
بعد وفاة تشافيز في مارس 2013، تولى مادورو الرئاسة الانتقالية حتى فاز رسمياً بالانتخابات بفارق ضئيل لم يتجاوز 50.6 في المئة من الأصوات.

حقبة جديدة من التدهور

تولى مادورو السلطة خلفاً لتشافيز ليقود بلاداً ترزح تحت وطأة مشكلات جمة، اقتصاد يعتمد بصورة رئيسة على عائدات النفط وسط تقلبات في الأسعار تربك المداخيل وعجز كبير في الموازنة العامة إثر نفقات حكومية كبيرة ومعدلات تضخم تواصل الارتفاع بسرعة ومؤسسات ضعيفة وفساد مستشرٍ وديمقراطية هشة بفعل أعوام من السلطة المركزية، وبنى تحتية متآكلة وخدمات عامة سيئة وظهور بوادر نقص في الغذاء والدواء وانقسام شعبي حاد بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها وارتفاع كبير في معدلات الجريمة وتفشي العنف.

على رغم كل هذه المصاعب، اختار مادورو السير على خطى سلفه معتمداً أجندة اشتراكية فاقمت مشكلات البلاد، إذ حافظ الرئيس الجديد على البرامج الاجتماعية التي تكبد الخزانة كلفاً مرتفعة وعزز سيطرة البلاد على القطاعات الرئيسة وأمّم مزيداً من الشركات، ووضع قيوداً على تحديد الأسعار وصرف العملات، واستثمر في علاقاته مع المؤسسات العسكرية لحماية سلطته واستخدم صلاحياته والأجهزة القضائية لقمع المعارضة والتضييق على وسائل الإعلام. وعلى الصعيد الخارجي، انتهج مادورو سياسة العداء نفسها تجاه الولايات المتحدة وعزز شراكة بلاده مع كوبا وروسيا والصين وإيران، مبرماً معها اتفاقات جديدة على الصعد التجارية والمالية والعسكرية.

كل ذلك وضع مادورو بوجه تحديات كبيرة منذ بداية عهده. ففي فبراير عام 2014، خرجت تظاهرات طلابية في سان كريستوبال غرب البلاد عقب محاولة اعتداء جنسي على طالب، وسرعان ما اتسعت رقعة التحركات لتشمل مختلف أنحاء البلاد والعاصمة كراكاس، احتجاجاً على ارتفاع مستويات العنف الإجرامي والتضخم والنقص المزمن في السلع الأساسية. لم تتساهل حكومة مادورو مع هذه التحركات التي استمرت أشهراً، وردت عليها بحملة قمع أسفرت عن سقوط عدد من القتلى واعتقال المئات. على الإثر، فرضت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أواخر 2014 عقوبات على عشرات المسؤولين الفنزويليين، جمدت بموجبها أصولهم وحظرت منحهم تأشيرات أميركية، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وقمع المعارضة والاحتجاجات.

نيكولاس مادورو يتولى الرئاسة الفنزويلية بعد أداء القسم الرئاسي (أ ف ب)

نيكولاس مادورو يتولى الرئاسة الفنزويلية بعد أداء القسم الرئاسي (أ ف ب)

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في لقاء مصور (أ ف ب)

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في لقاء مصور (أ ف ب)

عناصر الشرطة الفنزويلية يعتقلون طالباً خلال احتجاجات فبراير 2014 (أ ف ب)

عناصر الشرطة الفنزويلية يعتقلون طالباً خلال احتجاجات فبراير 2014 (أ ف ب)

انتخابات 2015
تحول مفصلي

أزمة خانقة

تدهور أمني واقتصادي غير مسبوق
تضخم يتجاوز 160%
نقص مزمن في السلع الأساسية… من الغذاء إلى الدواء

غضب شعبي يتصاعد

الشوارع تغلي مع تفاقم الأزمة
الثقة بالحكومة تتراجع بسرعة

مفاجأة صناديق الاقتراع

تحالف المعارضة يحقق فوزاً تاريخياً في انتخابات ديسمبر 2015
أكبر هزيمة للاشتراكيين منذ صعود هوغو تشافيز قبل أكثر من 15 عاماً

نقطة تحول

سيطرة المعارضة على الجمعية الوطنية
قدرة على عرقلة المراسيم الرئاسية والسياسات الحكومية
تهديد مباشر لموقع الرئيس نيكولاس مادورو

البرلمان بيد المعارضة

والرئاسة بيد مادورو…

فنزويلا تدخل مرحلة جديدة من المواجهة السياسية

ترمب يشدد الضغوط

خسارة الاشتراكيين للسيطرة على الجمعية الوطنية تزامن مع حدث أميركي شكل عثرة جديدة أمام حكم مادورو، وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2016. فالرئيس الجمهوري الآتي من خارج المؤسسات السياسية التقليدية، ينتهج سياسة الضغوط القصوى ضد خصومه، من الصين وروسيا وإيران وصولاً إلى فنزويلا.

بعد خسارتهم الانتخابية، سارع الاشتراكيون في الجمعية الوطنية المنتهية ولايتها إلى تمرير قرارات تحمي سلطتهم قبل انتقال الدفة إلى المعارضة، وعلى رأس التدابير المتخذة تعيين قضاة موالين لهم في المحكمة العليا للسيطرة عليها واستخدامها وسيلة لتقويض عمل المعارضة. وبالفعل، هذا ما حصل خلال الأشهر اللاحقة، فمنذ اضطلاع الجمعية الوطنية الجديدة بمهماتها حتى بدأت المحكمة العليا تصدر قرارات لتقويض عمل المشرعين مقابل تعزيز سلطة مادورو، فتبطل قوانين من جهة وتشرع قرارات الرئيس من جهة أخرى.

هذه القرارات أثارت تنديدات جمة وغضباً شعبياً ترجم في حلقات من الاحتجاجات، لكن الأزمة تفجرت في مارس 2017، عندما قررت المحكمة العليا تجريد النواب من حصانتهم وسحب الصلاحيات التشريعية من الجمعية الوطنية لتتسلمها هي بنفسها، متذرعة بمخالفة الجمعية قراراتها عبر تنصيب ثلاثة نواب من المعارضة كانت المحكمة علقت عضويتهم بناء على مزاعم بمخالفات انتخابية. وقوبل هذا القرار برفض داخلي وخارجي واسع، إذ اعتبر بمثابة "انقلاب" على الدستور لتحييد الجمعية الوطنية. وعلى وقع التظاهرات الحاشدة والضغوط الخارجية، اضطرت المحكمة العليا إلى التراجع جزئياً عن قرارها بعد ثلاثة أيام فقط وإعادة الصلاحيات التشريعية للجمعية الوطنية.

هذه الأزمة دفعت فنزويلا إلى مزيد من الانقسام والفوضى والعزلة الدولية، وفتحت الباب أمام ترمب لتشديد الضغوط على كراكاس.

ففي مايو (أيار) من العام نفسه، فرضت وزارة العدل الأميركية عقوبات على ثمانية قضاة في المحكمة العليا الفنزويلية لتقويضهم عمل الجمعية الوطنية الفنزويلية المنبثقة من انتخابات ديمقراطية. وفي يوليو، استهدفت العقوبات الأميركية مادورو نفسه وعدداً من كبار المسؤولين في نظامه بعد تشكيل لجنة لإعادة صياغة الدستور سعياً إلى تخطي البرلمان. وعلى مدى الأشهر اللاحقة، وسع ترمب مروحة العقوبات لتشمل القطاع المالي الفنزويلي عبر حظر شراء سندات الدين الصادرة عن الحكومة وشركة النفط الفنزويلية ومنعهما من الوصول إلى الأسواق المالية الأميركية.

2018
انتخابات بلا جمهور

في مايو 2018، أجرت فنزويلا انتخابات رئاسية قاطعتها أحزاب المعارضة وسجلت أدنى نسبة اقتراع.

حصد مادورو 67% من الأصوات، في نتيجة رفضتها المعارضة.

وثقت منظمات دولية مخالفات واسعة:
- استعجال العملية الانتخابية
- غياب المراقبين الدوليين
- انحياز الإعلام الرسمي
- إكراه انتخابي عبر توزيع مساعدات غذائية
- استطلاعات موجّهة لصالح الحكومة

الولايات المتحدة ودول أوروبية وأخرى في أميركا اللاتينية رفضت رفض الاعتراف بالانتخابات، فيما نال مادورو دعم حلفائه التقليديين.

غوايدو يتحدى مادورو

لم تمر سوى أشهر قليلة على الانتخابات حتى دخلت فنزويلا منعطفاً جديداً مع إعلان زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو في الـ23 من يناير عام 2019 خلال تظاهرات حاشدة في كراكاس، نفسه رئيساً انتقالياً للبلاد باعتبار العملية الانتخابية مزورة وفوز مادورو فيها غير شرعي. استند غوايدو في إعلانه على مواد دستورية تنص على أنه في حال خلو موقع الرئاسة يتولى رئيس الجمعية الوطنية، غوايدو حينها، الرئاسة الانتقالية حتى إجراء انتخابات حرة. وعليه، أعلن غوايدو نفسه رئيساً انتقالياً متعهداً بتشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات نزيهة. على الفور، اعترفت الولايات المتحدة بغوايدو رئيساً انتقالياً، لتتوالى سريعاً الاعترافات به من قبل الدول الأوروبية وعدد من دول أميركا اللاتينية، في خطوة رفضها مادورو واعتبرها بمثابة "انقلاب".

موظف في شركة النفط الوطنية الفنزويلية يرفع العلم الإيراني مع وصول ناقلة نفط إيرانية إلى فنزويلا في 2020 (أ ف ب)

موظف في شركة النفط الوطنية الفنزويلية يرفع العلم الإيراني مع وصول ناقلة نفط إيرانية إلى فنزويلا في 2020 (أ ف ب)

ولم تقف الإدارة الأميركية عند حد الاعتراف بغوايدو، بل واصلت تباعاً تشديد عقوباتها على نظام مادورو، فحظرت كل أنواع التعاون مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية وجمدت أصولها في الولايات المتحدة باعتبارها مصدر الدخل الرئيس لكراكاس، وجمدت أيضاً أصول الحكومة الفنزويلية في الولايات المتحدة وحظرت تقديم أي دعم مادي لها، واستهدفت العقوبات كذلك المصرف المركزي الفنزويلي وقطاع الذهب والتنقيب والمصارف وغيرها.

وفي خطوة متقدمة مع اقتراب انتهاء ولاية ترمب الأولى، وجهت وزارة العدل الأميركية في مارس 2020 تهماً لنيكولاس مادورو و14 مسؤولاً فنزويلياً آخر، بينهم وزير الداخلية، بتورطهم بالإرهاب المتصل بتجارة المخدرات، ولا سيما تهريب الكوكايين، وبتبييض الأموال، وعرضت مكافأة مالية بـ 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى توقيف الرئيس الفنزويلي. وبذلك، ازدادت العلاقات الأميركية – الفنزويلية تدهوراً وتوتراً.

 

المفاوضات مع المعارضة

عام 2021 فتح نافذة أمل صغيرة لمادورو لتنفس الصعداء مع تبوّؤ الديمقراطي جو بايدن الرئاسة الأميركية، فهذا الأخير تراجع عن سياسة الضغوط القصوى التي اعتمدها سلفه واتجه نحو سياسة أكثر انتقائية وموجهة لتشجيع كراكاس على تنفيذ إصلاحات ديمقراطية. في البداية، خفف بايدن ضغوط واشنطن في ملف الهجرة، إذ منح في مارس الحماية الموقتة لـ300 ألف مهاجر فنزويلي على خلفية الاضطرابات التي تشهدها بلادهم، مما يسمح لهم بالبقاء قانونياً في الولايات المتحدة لمدة 18 شهراً.

في المقابل، وبعد أعوام من الجهود الفاشلة، قررت الحكومة الفنزويلية والمعارضة الدخول في مفاوضات جديدة برعاية النرويج، عقدت جولتها الأولى في العاصمة المكسيكية في أغسطس (آب) 2021 والثانية والثالثة في سبتمبر (أيلول)، ليعود مادورو ويعلق مشاركة الحكومة في المفاوضات في أكتوبر بعدما سلمت دولة الرأس الأخضر الأفريقية مبعوثه ورجل الأعمال أليكس صعب إلى الولايات المتحدة حيث يواجه تهماً بتبييض الأموال، فيما كانت كراكاس تأمل في أن تضم صعب إلى وفدها الحكومي المشارك في المفاوضات. وبوجه الضغوط الأميركية، لجأ مادورو مجدداً إلى حلفائه الخارجيين، فأبرم عام 2022 اتفاق تعاون مع إيران لمدة 20 عاماً في مجالات النفط والدفاع والبتروكيماويات والسياحة والثقافة.

مر أكثر من عام قبل أن تستأنف الحكومة الفنزويلية والمعارضة المفاوضات في جولة رابعة عقدت أيضاً في مكسيكو في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022، وأفضت إلى اتفاق بين الطرفين على تأسيس صندوق بإدارة الأمم المتحدة يمول من موارد فنزويلية مجمدة في الخارج ويعمل على تنفيذ مشاريع اجتماعية لتلبية الحاجات الأكثر إلحاحاً للبلاد. واتفق الطرفان أيضاً على مواصلة المحادثات في شأن الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2024. وفي ضوء هذا الاختراق، رحبت إدارة بايدن بالاتفاق ومنحت شركة "شيفرون" الأميركية ترخيصاً لاستئناف عمليات استخراج النفط في فنزويلا وفق شروط محددة كجزء من تخفيف جزئي للعقوبات على كراكاس ولتشجيعها على الإصلاح.

مرة جديدة لم تتمكن الحكومة الفنزويلية والمعارضة من الاستفادة من الزخم الذي أفرزته جولة مفاوضاتهما الأخيرة لتحقيق مزيد من التقدم، إذ عُلق الحوار بينهما لنحو عام تقريباً فيما كان مادورو يطالب برفع مزيد من العقوبات عن بلاده. في الأثناء، كانت المعارضة الفنزويلية تشهد بنفسها تحديات متصاعدة، انتهت بإعلانها حل حكومة غوايدو الانتقالية في الخامس من يناير عام 2023 بسبب عجزها عن اتخاذ أية تدابير فاعلة في الحياة السياسية الفنزويلية، واستبدالها بلجنة متعددة الأطراف تتولى إدارة الأصول الفنزويلية الخاضعة لسيطرتها في الخارج.

في أكتوبر 2023، وبعد تقارير صحافية عن لقاءات سرية مباشرة بين مسؤولين في إدارتي بايدن ومادورو في الدوحة، وافقت الحكومة الفنزويلية على استئناف المفاوضات مع المعارضة، وعقدت الجولة الخامسة هذه المرة في بريدجتاون عاصمة بربادوس، وأسفرت عن اتفاق تألف من جزءين ينص على إجراء انتخابات رئاسية نزيهة عام 2024 تضمن حرية الترشح والمنافسة الديمقراطية وتجري بإشراف مراقبين دوليين من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وعلى الفور، ترحيباً بالاتفاق، وافقت واشنطن على تخفيف العقوبات المفروضة على فنزويلا، فسمحت بمزيد من التعاملات مع قطاع النفط الفنزويلي وكذلك قطاع الذهب، وسمحت بتبادل سندات الدين الفنزويلية في السوق الثانوية، فيما أبقت على حظر تداولها في السوق الأولية. وفي ديسمبر، عززت واشنطن وكراكاس انفتاحهما باتفاق تبادلا بموجبه الإفراج عن 10 أميركيين مسجونيين في فنزويلا و20 سجيناً سياسياً فنزويلياً وتسليم الولايات المتحدة الهارب الملقب باسم "فات ليونارد"، مقابل إفراج واشنطن عن حليف مادورو المقرب رجل الأعمال أليكس صعب.

الهدوء في العلاقات الأميركية – الفنزويلية لم يدُم طويلاً، فما لبث أن حلّ يناير عام 2024 حتى عصفت رياحه بآمال التهدئة. فبعد قرار المحكمة العليا الفنزويلية بعدم أهلية زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو للترشح للانتخابات الرئاسية ومنعها من تولي مناصب عامة لمدة 15 عاماً، رأت واشنطن في ذلك انتهاكاً لاتفاقات بربادوس التي تعهدت كركاس بموجبها بالسماح لجميع المرشحين خوض الاستحقاق بنزاهة. وعلى الإثر، فعّلت إدارة بايدن مجدداً سياسة "العصا والجزرة" وأعادت فرض عقوبات على قطاع الذهب في فنزويلا، ومن ثم ألغت في أبريل الاستثناءات الممنوحة لشركات النفط العاملة في فنزويلا، معيدة بذلك تشديد العقوبات على قطاع النفط الفنزويلي.

 

ممثلو الحكومة والمعارضة الفنزويلية خلال جولة المفاوضات الأولى في العاصمة المكسيكية في أغسطس (آب) 2021 (أ ف ب)

ممثلو الحكومة والمعارضة الفنزويلية خلال جولة المفاوضات الأولى في العاصمة المكسيكية في أغسطس (آب) 2021 (أ ف ب)

احتجاج في كراكاس في أغسطس 2022 للمطالبة بالإفراج عن أليكس صعب (أ ف ب)

احتجاج في كراكاس في أغسطس 2022 للمطالبة بالإفراج عن أليكس صعب (أ ف ب)

زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو (أ ف ب)

زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو (أ ف ب)

فوز مثير للجدل

في 28 يوليو 2024، أجرت فنزويلا انتخابات رئاسية، انتهت بإعلان رسمي بفوز نيكولاس مادورو على حساب مرشح المعارضة إدموندو غونزاليز أوروتيا.

نيكولاس مادورو

51%

إدموندو غونزاليز أوروتيا

44.2%

المعارضة ومنظمات مستقلة رفضت النتيجة وأكدت أن جداولها تظهر فوز غونزاليز بـ67% من الأصوات، فيما وصف مراقبون دوليون الانتخابات بأنها غير حرة وغير نزيهة، وقد شابها:

  • غياب الشفافية
  • فقدان وإخفاء جداول تصويت
  • استبعادات تعسفية في اللحظة الأخيرة
  • مناخ سياسي قهري

على رغم التنديد الدولي، أدى مادورو اليمين الرئاسية في 10 يناير 2025 بحضور دول حليفة بينما رفضت عشرات الدول الاعتراف بشرعية الانتخابات.

عمقت الانتخابات أزمة فنزويلا وعززت عزلة مادورو الدولية، إذ فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والغربيون عقوبات جديدة على فنزويلا.

عودة ترمب

في الـ20 من يناير عام 2025، أقسم دونالد ترمب اليمين الرئاسية لولاية ثانية، عائداً بخطط تحمل تغييراً جذرياً في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. ففي استراتيجيتها الأولى للأمن القومي الصادرة أواخر عام 2025، تحدد إدارة ترمب بوضوح أولويتها، "استعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي"، أي في أميركا الشمالية واللاتينية، بما يشمل منع خصوم واشنطن من بناء أي نفوذ في المنطقة، في إطار "ملحق ترمب لمبدأ مونرو".

"ملحق ترمب لمبدأ مونرو"

  • استعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي
  • منع المنافسين مثل الصين وروسيا وإيران من بناء نفوذ في المنطقة
  • بناء التحالفات ومنح المساعدات بناءً على طرد النفوذ الأجنبي
  • توسيع الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة
  • اعتبار حماية الحدود ومكافحة الهجرة والمخدرات ركائز أمنية أساسية
  • إعادة توطين الاقتصاد في الأميركتين الشمالية والجنوبية

هذه الرؤية تحولت كابوساً لاحق مادورو منذ لحظة تولي ترمب مقاليد الرئاسة لولاية ثانية. فمع وصوله إلى البيت الأبيض، أعاد ترمب تفعيل سياسة الضغوط القصوى على الخصوم وعلى رأسهم فنزويلا. وألغى الرئيس الأميركي الاستثناءات التي كان سلفه قد منحها لبعض الشركات للتنقيب عن النفط في فنزويلا، ورحّل عدداً كبيراً من المهاجرين الفنزويليين من الولايات المتحدة، وأطلق حرباً ضد تجارة المخدرات مصنفاً عدداً من عصابات أميركا اللاتينية، بما فيها الفنزويلية "تران دي أراغوا"، منظمات إرهابية، وهو تصنيف أتاح له ملاحقتها داخل الولايات المتحدة وخارجها. وبذلك، بدأت المواجهة تحتدم بين ترمب ومادورو.

في خضم حملة تبادل الاتهامات، توصل الرجلان إلى اتفاق في الـ18 من يوليو عام 2025 أفرجت بموجبه فنزويلا عن 10 أميركيين معتقلين لديها مقابل استرجاع أكثر من 250 مهاجر فنزويلي كانت الولايات المتحدة رحلتهم إلى السلفادور. واشنطن رأت في الاتفاق إنجازاً دبلوماسياً "حرر كل أميركي احتجز ظلماً في فنزويلا"، فيما اعتبرته كراكاس نصراً دبلوماسياً اعترفت خلاله إدارة ترمب بصورة غير مباشرة بشرعية نظام مادورو، غير أن هذا الاتفاق لم ينجح في إحداث خرق يزرع الطمأنينة في قلب مادورو، إذ بعد نحو شهر فقط بدأت القوات الأميركية تعزز وجودها العسكري  تدريجاً في منطقة الكاريبي وقبالة سواحل فنزويلا في إطار حربها على "كارتلات" المخدرات اللاتينية.

التصعيد العسكري الأميركي في الكاريبي

- أغسطس 2025

في 19 أغسطس، أكد مسؤولون أميركيون نشر مدمرات صواريخ موجهة قبالة سواحل فنزويلا.

بحلول أسابيع قليلة، كانت القوات الأميركية قد نشرت سفناً حربية وغواصة متطورة ونحو 6000 جندي في المنطقة، وأرسلت مقاتلات "أف 35" إلى قاعدة عسكرية في بورتو ريكو، لتشكل بذلك أكبر انتشار عسكري أميركي في المنطقة منذ عقود.

- سبتمبر 2025

هذا الشهر شهد تصعيداً عسكرياً أميركياً في منطقة الكاريبي.

في 2 سبتمبر، شنت الولايات المتحدة أول ضربة عسكرية استهدفت قارباً قالت إنه انطلق من فنزويلا ويحمل مخدرات لمصلحة عصابة "تران دي أراغوا"، مما أسفر عن مقتل 11 شخصاً.

على رغم الجدل الذي أثارته الضربة داخل أميركا وخارجها لناحية شرعيتها، شنت الولايات المتحدة في 15 سبتمبر ضربة ثانية على "قارب مخدرات" موقعة ثلاثة قتلى، وضربة ثالثة في 19 سبتمبر أوقعت ثلاثة قتلى.

- أكتوبر 2025

في 2 أكتوبر، قال ترمب في مذكرة إن الولايات المتحدة تخوض "نزاعاً مسلحاً" ضد عصابات المخدرات، مبرراً فعلياً استخدام القوة العسكرية ضد "قوارب المخدرات".

ومنذ ذلك الحين، ازدادت وتيرة الضربات وتكثفت، فشنت القوات الأميركية خلال أكتوبر وحده تسع عمليات على قوارب قبالة سواحل فنزويلا وفي شرق المحيط الهادئ، موقعة ما لا يقل عن 44 قتيلاً.

في 15 أكتوبر، أعلن ترمب السماح لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) تنفيذ عمليات سرية داخل فنزويلا، مضيفاً أن إدارته تبحث أيضاً شن عمليات برية في المنطقة.

في الأثناء، تصاعدت الأصوات المنددة بالضربات الأميركية داخلياً وخارجياً. وفي 21 أكتوبر، اعتبر خبراء مفوضون من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن التهديدات والإجراءات الأميركية تشكل "انتهاكاً لسيادة فنزويلا وميثاق الأمم المتحدة"، وأن الضربات على قوارب المخدرات في المياه الدولية "تنتهك القانون الدولي للبحار وترقى إلى مستوى الإعدام خارج نطاق القضاء".

في 24 أكتوبر، أمر ترمب بإرسال "يو أس أس جيرالد فورد"، أكبر وأهم حاملة طائرات في العالم، من الشرق الأوسط إلى قبالة سواحل أميركا اللاتينية، في تصعيد عسكري كبير في المنطقة.

- نوفمبر 2025

خلال نوفمبر، نقلت الإدارة الأميركية التصعيد العسكري في منطقة الكاريبي إلى مستوى غير مسبوق.

في النصف الأول من الشهر، واصلت القوات الأميركية استهداف القوارب، فشنت سبع ضربات قتلت فيها 21 شخصاً. وعلى وقع التصعيد العسكري الأميركي والمخاوف من اجتياح بري، أعلنت الحكومة الفنزويلية في 11 نوفمبر تنفيذ انتشار عسكري كثيف في كل أنحاء البلاد بما يشمل مدنيين وعسكريين سابقين.

في 13 نوفمبر، أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث رسمياً إطلاق "عملية رمح الجنوب" ضد تجار المخدرات. ومع وصول حاملة الطائرات "يو أس أس جيرالد فورد" في 16 نوفمبر، ارتفع عدد القوات الأميركية المنتشرة في منطقة الكاريبي إلى نحو 12 ألفاً.

وعلى رغم إعلان ترمب استعداده لإجراء محادثات مع مادورو، فإن واشنطن استمرت في التصعيد العسكري، وأرسلت في 20 نوفمبر قاذفات "بي-52" الاستراتيجية للتحليق بمحاذاة سواحل فنزويلا.

في 24 نوفمبر، صنفت وزارة الخارجية الأميركية "كارتل دي لوس سولس" منظمة إرهابية لتجارة المخدرات، متهمة نيكولاس مادورو برئاستها وإدارتها برفقة مسؤولين حكوميين. وهذا التصنيف الذي يمنح واشنطن صلاحيات أوسع لاستهداف المنظمة، اعتبرته فنزويلا "كذبة لتبرير تدخل غير شرعي وغير قانوني" ضدها.

في 27 نوفمبر، قال ترمب خلال اجتماع مع عسكريين أميركيين، إنه بعد إيقاف معظم عمليات مهربي المخدرات الفنزويليين عن طريق البحر، ستبدأ الولايات المتحدة إيقاف عمليات التهريب عبر البر "قريباً جداً".

وفي تصعيد جديد، دعا الرئيس الأميركي في 29 نوفمبر شركات الطيران إلى اعتبار المجال الجوي فوق فنزويلا وقربها مغلقاً، مما عدّته كراكاس "تهديداً استعمارياً" و"عدواناً مفرطاً وغير قانوني وغير مبرر على الشعب الفنزويلي".

وسط ذلك، أكد ترمب في 30 نوفمبر أنه أجرى في وقت سابق من الشهر اتصالاً هاتفياً بمادورو، لكنه رفض الكشف عن محتوى المكالمة أو إذا ما كانت إيجابية أو سلبية.

- ديسمبر 2025

بعد توقف لنحو 20 يوماً، عادت القوات الأميركية في ديسمبر لشن ضرباتها على "قوارب المخدرات" في منطقة الكاريبي، مستهدفة نحو 14 قارباً وموقعة نحو 35 قتيلاً خلال شهر.

في 10 ديسمبر، انتقلت الإدارة الأميركية إلى مرحلة جديدة من التصعيد، إذ أعلن ترمب الاستيلاء على ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا، في عملية وصفتها كراكاس بأنها "قرصنة دولية" وقال وزير الخارجية الفنزويلي إيفان غيل إنها تكشف عن "الأسباب الحقيقية وراء العدوان المتواصل على فنزويلا... الاستيلاء على النفط الفنزويلي من دون أي مقابل".

بعد أيام قليلة، أصدر ترمب في 16 ديسمبر أمراً بفرض "حصار شامل" يمنع جميع ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات من دخول أو مغادرة فنزويلا. وبذلك، بدأ فصل أميركي جديد بملاحقة الناقلات، ففي 20 ديسمبر، احتجزت الولايات المتحدة ناقلة نفط ثانية قبالة سواحل فنزويلا، وفي 22 ديسمبر، طارد خفر السواحل الأميركي سفينة في منطقة البحر الكاريبي كانت تقترب من فنزويلا. وفي 29 ديسمبر، قال ترمب إن الولايات المتحدة دمرت "منشأة كبيرة تنطلق منها السفن"، من دون أن يحدد موقعها، فيما ذكر مسؤولون أميركيون ضمن تصريحات صحافية أن الرئيس كان يشير إلى منشأة لتهريب المخدرات في فنزويلا.

وفي ختام عام 2025، وسعت واشنطن مجدداً عقوباتها على قطاع النفط الفنزويلي وأعلنت في 31 ديسمبر فرض عقوبات على أربع شركات وأربع ناقلات نفط بعضها مرتبط بـ"أسطول الظل" لتهريب النفط الفنزويلي.

 

 

الفصل الأخير: نهاية مادورو

تحت وطأة الضغوط الأميركية المتصاعدة، خرج الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، خلال مقابلة مصورة بثها التلفزيون الرسمي في الأول من يناير، ليفتح باب التفاوض مع أميركا، فأكد استعداده للبحث في شأن "أي شيء تريده" واشنطن، من مكافحة المخدرات والنفط وصولاً إلى الاتفاقات الاقتصادية، لكنه أكد مجدداً أن ما تريده واشنطن هو تغيير النظام في فنزويلا للوصول إلى احتياطاتها النفطية الهائلة. "غصن الزيتون" الذي مده مادورو لم يلتقطه ترمب، بل قرر اعتقال حامله ومحاكمته.

من غرفة عمليات مستحدثة داخل منتجع مارالاغو في فلوريدا، وبمشاركة وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ورئيس الأركان الجنرال دان كين، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب عند الساعة 10:46 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة (3:46 فجراً بتوقيت غرينيتش)، الأمر بتنفيذ "عملية العزم المطلق"، متمنياً لقواته "حظاً سعيداً… ورياحاً مواتية".

على الإثر، انطلقت نحو 150 طائرة أميركية، بما فيها طائرات استطلاع ومسيّرات ومقاتلات، من قواعد بحرية وبرية باتجاه كراكاس التي لامس فيها الليل منتصفه. أمّنت هذه الطائرات الحماية لمروحيات حلقت على ارتفاع بضع عشرات من الأمتار فوق سطح المحيط كي لا ترصدها الرادارات الفنزويلية وهي في طريقها نحو مقر إقامة مادورو، فيما كانت الأقمار الاصطناعية الأميركية تعمي دفاعات كراكاس السيبرانية. وما هي سوى دقائق، حتى اهتزت العاصمة الفنزويلية على وقع حملة قصف واسعة دمرت خلالها الطائرات الأميركية دفاعاتها الجوية وأوقعتها في ظلام دامس بلا كهرباء. وبحلول الساعة الواحدة فجراً بالتوقيت المحلي، كانت وحدة من قوات "دلتا" الخاصة هبطت داخل مجمع الرئيس الفنزويلي المحصن بشدة. وبعد اشتباكات مسلحة وسريعة مع الحراس، استسلم مادورو وزوجته سيليا فلوريس من دون مقاومة تذكر، ووجدا نفسيهما مكبلين بقبضة القوات الأميركية. وضعا قيد الاحتجاز من قبل وزارة العدل الأميركية، ونقلا على متن مروحية أميركية إلى السفينة الحربية "يو أس إس إيوو جيما". إثر نجاح العملية، أعلن الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة اعتقلت مادورو وزوجته ونقلا خارج البلاد.

"الولايات المتحدة نفذت بنجاح ضربة واسعة النطاق على فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو، الذي ألقي القبض عليه مع زوجته ونقلا إلى خارج البلاد.
تم تنفيذ هذه العملية بالتنسيق مع جهات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة."
دونالد ترمب

العملية التي استغرقت ساعتين و20 دقيقة، ونفذت بنجاح من دون أية خسائر بشرية أميركية، تطلبت أشهراً من التحضير والتدريب، راقب خلالها رجال الاستخبارات الأميركيون جميع تحركات مادورو، مدعومين بمعطيات عميل واحد داخل الحكومة الفنزويلية، أراد الأميركيون "فهم كيفية تحركه. أين يعيش، وإلى أين يسافر، وما يأكل، وما يرتدي، وما حيواناته الأليفة التي يربيها"، وفق ما كشف عنه الجنرال كين. وبعد تخطيط دقيق وتدريبات مكثفة شملت إنشاء نسخة طبق الأصل بالحجم الطبيعي عن مقر مادورو الآمن للتدرب على طرق التسلل إليه، وضعت في أوائل ديسمبر اللمسات الأخيرة على المهمة التي أطلق عليها اسم "عملية العزم المطلق". وللحفاظ على سريتها وعنصر المفاجأة، لم تبلغ إدارة ترمب الكونغرس بالعملية وحجبتها عن كبار المسؤولين في انتظار حلول الوقت المناسب لتنفيذها.

"كانت العملية معقدة للغاية، معقدة جداً، المناورة بأكملها، عمليات الهبوط، وعدد الطائرات. كانت لدينا طائرة مقاتلة لكل موقف محتمل... شاهدت العملية حرفياً، كما لو أنني كنت أشاهد برنامجاً تلفزيونياً". بهذه العبارات وصف ترمب خلال حديث تلفزيوني واحدة من أصعب العمليات العسكرية في تاريخ أميركا والتي شكلت نقطة تحول في تاريخ فنزويلا، لا بل العالم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة عمليات مستحدثة داخل منتجع مارالاغو في فلوريدا (أ ف ب)

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة عمليات مستحدثة داخل منتجع مارالاغو في فلوريدا (أ ف ب)

اشتعال النيران في كراكاس جراء ضربات أميركية خلال عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (أ ف ب)

اشتعال النيران في كراكاس جراء ضربات أميركية خلال عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (أ ف ب)

الصورة الأولى للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد اعتقاله على يد القوات الأميركية (أ ف ب)

الصورة الأولى للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد اعتقاله على يد القوات الأميركية (أ ف ب)

"عملية العزم المطلق" للقبض على مادورو

في كراكاس، 3 يناير 2026

نحو منتصف الليل

غارات على أهداف عسكرية ومطارات بمشاركة 150 طائرة لتأمين وصول مروحيات القوات الأميركية

2:01

وصول القوات الأميركية إلى مجمع مادورو

3:29

المروحية التي تقل مادورو وزوجته تنطلق من كراكاس وتحط على متن السفينة "يو أس أس إيوو جيما"

نقل مادورو وزوجته إلى قاعدة غوانتانامو

نحو 14:00

انطلاق طائرة من غوانتانامو تنقل مادورو وزوجته إلى نيويورك

نحو 17:30

وصول مادورو وزوجته إلى نيويورك

الصباح التالي

بعد ليلة غرقت فيها كراكاس بظلمة دامسة ملأها صخب المروحيات ودوي الانفجارات، استفاق الفنزويليون في الثالث من يناير 2026 على واقع جديد ومستقبل مجهول. الرجل الذي حكمهم منذ عقد خرج من بلاده مكبلاً، والرجل الذي أمر باعتقاله خرج ليعلن نفسه وصياً جديداً على بلادهم.

فخلال مؤتمر صحافي عقده عقب العملية، أعلن ترمب بوضوح ومن دون مواربة أن الولايات المتحدة "ستدير" فنزويلا "حتى نتمكن من تنفيذ انتقال آمن وسليم وحكيم للسلطة". وفيما أكد حرص واشنطن على إدارة فنزويلا بصورة سليمة، لم يوضح كيف ستتم هذه الإدارة أو من سيتولاها، لكنه ألمح إلى أن فريقاً يضم وزيري خارجيته والحرب وغيرهما سيكون منتظماً في هذه المهمة. أما على الصعيد الفنزويلي الداخلي، فاستبعد ترمب تسليم السلطة إلى زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماشادو، وأشار إلى تعامل محتمل مع نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز التي تولت بالفعل السلطة في بلادها بعد اعتقال مادورو.

وكشف ترمب خلال مؤتمره عن أن الولايات المتحدة ستعيد تشغيل قطاع النفط الفنزويلي عبر شركات أميركية كبرى، قائلاً "سنأخذ ثروة هائلة من الأرض… وسنصلح البنية التحتية النفطية وستدفع الشركات كلفة ذلك"، مؤكداً أن واشنطن لن تتكلف شيئاً على هذه الإصلاحات بل ستغطيها عائدات النفط.

وفيما كان ترمب منشغلاً في وضع خطط لإدارة فنزويلا والاستفادة من ثرواتها النفطية، كان مادورو يمثل وزوجته بعد يومين على اعتقالهما أمام محكمة في نيويورك بتهم الاتجار بالمخدرات والإرهاب، وهي تهم دفعا ببراءتهما منها.

أما في ما يتعلق بمدة الفترة الانتقالية التي ستتولى خلالها واشنطن إدارة فنزويلا، فقال الرئيس الأميركي ضمن مقابلة مع "نيوروك تايمز" بعد أيام قليلة على عملية كراكاس، إن الأمر قد يستمر لأعوام و"الوقت وحده سيحدد" هذه المدة. وأضاف ترمب "سنعيد بناءها بطريقة مربحة للغاية... سنأخذ النفط، سنخفض أسعاره، وسنقدم الأموال ‌لفنزويلا التي هي في أمس الحاجة إليها".

العالم و"مبدأ دونرو"

لم تكُن عملية كراكاس العسكرية أقل وطأة على دول العالم منها على الفنزويليين، ففيما سارع حلفاء مادورو إلى إدانة العملية، وعلى رأسهم الصين وروسيا، وجد حلفاء واشنطن نفسهم أمام معضلة الخصومة من جهة والسيادة من جهة أخرى، فعبروا عن قلقهم إزاء انتهاك الولايات المتحدة للقوانين الدولية.

المخاوف الدولية من جنوح الولايات المتحدة نحو مزيد من استخدام القوة في إدارة الشؤون الدولية فاقمتها سياسات ترمب والتهديدات التي أطلقها في كل حدب وصوب منذ توليه الرئاسة، ولم يسلم منها حتى حلفاؤه. من الحرب التجارية والرسوم التي فرضها على جميع دول العالم تقريباً، إلى سحب بلاده من منظمات واتفاقات دولية، وصولاً إلى إنذاراته لدول الخصم بما فيها كولومبيا والمكسيك وكوبا، والدول الحليفة على حد سواء، أدخل ترمب العالم في مرحلة ضبابية تنذر بانقسامات جديدة. وجاءت تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك، الدولة الحليفة للولايات المتحدة والعضو في حلف شمال الأطلسي، لتشعل المخاوف من بدء عصر جديد يحكمه "مبدأ دونرو"، وهو النسخة المحدثة التي أطلقها دونالد ترمب على "مبدأ مونرو" الذي يعلن القارة الأميركية منطقة مغلقة أمام تدخل القوى الخارجية ويؤكد القيادة الأميركية لنصف الكرة الغربي.

 

"الولايات المتحدة الأميركية أقوى دولة في العالم بفارق كبير. إننا القوة الوحيدة القادرة على ضمان السلام في العالم، وهذا يتحقق ببساطة من خلال القوة".

دونالد ترمب، "تروث سوشال"، 20 يناير 2026

كتابة وتحرير
إيليانا داغر

التنفيذ والغرافيك
عمر المصري

رئيس التحرير
عضوان الأحمري