Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ترامواي" بيروت... ذاكرة الدولة القوية "الغابرة"

شكل العمود الفقري لسياسة النقل العام خلال النصف الأول من القرن الـ 20

"ترامواي" بيروت ذاكرة الزمن الجميل (مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

في عام 1909 انطلق "الترامواي" الكهربائي في بيروت واستمر إلى عام 1965، وشكل ظهوره حدثاً استثنائياً في بيئة اعتادت على جر العربات بواسطة الرجال أو الحيوانات

 

على رغم مرور ستة عقود على توقفه عن العمل، يستمر "الترامواي" بالحضور في يوميات أبناء بيروت، ووجدان كبار السن الذين عايشوا ظهوره وعانوا آثار غيابه. يرددون أغنية الفنان إبراهيم مرعشلي "رزق الله على أيامك يا ترامواي بيروت"، ويتندرون اليوم على أيام خلت، عندما عاشت العاصمة بيروت أيام عزّ وبحبوحة، قبل أن يتوقف "الترامواي" عن العمل عام 1965 في وقت كانت تعيش بيروت نهضة اقتصادية مهمة عشية الحرب الأهلية.

 

مسار العز

في 17 أبريل (نيسان) 1909 سار "الترامواي" في شوارع بيروت للمرة الأولى. وأعلنت صحيفة "الإقبال" في حينه، "تبيّن بالمعاينة أن خط الترامواي الكهربائي الممتد من ساحة الاتحاد (البرج) إلى موقع نهر بيروت قد أنشئ على الوجه المطلوب، وشرع بتسيير مركباته".

ويصف المؤرخ طه الولي في كتابه "بيروت في التاريخ والحضارة والعمران" كيف استقبل البيروتيون "الترامواي" بوصفه حدثاً مثيراً "إذ إن أبناء ذلك الزمن لم يستطيعوا أن يصدقوا ما رأته عيونهم من أن كتلة ضخمة من الحديد تنطلق من مكان إلى آخر من دون أن تدفعها أيدي الناس أو تجرها الدواب، لا سيما أنهم رأوا مثل هذه الحافلة من قبل في طرابلس الشام وهي تجَرّ بواسطة الخيول".

 

وتعددت الأوصاف التي أطلقها أهالي بيروت عليه، من "دولاب الشيطان أو المسكون بالجن إلى الحارة المتنقلة". وينقل المؤرخ الولي عن المعمرين أن "كثيرين ممن كانت بيوتهم قرب خط الترامواي بادروا بالابتعاد ببيوتهم عن هذا الخط".

وترافق ظهور "الترامواي" مع سريان الكهرباء في أسلاك الإنارة في سنوات العقد الأول من القرن الـ 20، وفي يونيو (حزيران) 1906، منح "الباب العالي" (السلطنة العثمانية) موافقته على منح امتياز إنشاء خطوط "الترامواي" للمدعو سليم رعد لمدة 99 سنة. وفي ذلك الحين، أصدرت الشركة التي كانت تسمى "شركة الترامواي والتنوير العثمانية في بيروت" 36 ألف سهم قيدتها رسمياً في بورصة "دار السعادة" في إسطنبول. وخصصت في حينه مسارات عدة له ضمن العاصمة بيروت.

ذاكرة بيروت

رافق "الترامواي" أبناء بيروت في مختلف محطات حياتهم، بحسب المؤرخ عبد اللطيف فاخوري (84 سنة)، وينطلق من تجربته الخاصة في استعمال "الترامواي"، مؤكداً أن "أهالي بيروت ضبطوا ساعاتهم، وبرمجوا يومياتهم على ضوء حركة الترامواي"، فهو بوصفه ابناً للعاصمة، استخدم "الترامواي" للانتقال بين مختلف أحيائها، وإلى المدرسة، وأماكن الترفيه والنزهة لقاء أجرة زهيدة وبمتناول عامة الناس والشباب اليافعين.

 

ويروي فاخوري "في أيام الفرصة كنا نركب الترامواي إلى رأس بيروت، والمنارة، وخلال المسار تعرفنا على تفاصيل المدينة بسبب توقفه عند كل محطة"، مضيفاً "اقترنت تسمية المحطات بأسماء السكان في المناطق، مثل محطة النويري، ومحطة غراهام التي نسبت لطبيب كانت عيادته على الخط، وقد اتفق مع مسؤولي الترامواي على دق الجرس مرات عدة عند الوصول إلى موقع عيادته، لكي يُدرك الركاب أنهم بلغوا محطة غراهام".

ويأسف فاخوري أن "الكهرباء كانت منتظمة في بيروت قبل 100 عام، أما اليوم فإن الأوضاع آخذة بالتراجع، وبدأ الناس يفتقدون الترامواي الذي ما زال يعمل في أرقى العواصم والمدن، فيما تحولت العاصمة إلى مكان يضيق بالسيارات، ويختنق من الزحام". ويقرن بين الترامواي وحياة العز والصورة الجميلة لبيروت قائلاً "الشيء الوحيد الذي كان لا يحيد عن المسار، ولا يهادن هو الترامواي، حتى أصبح وصفاً للشخص المستقيم الذي لا يحيد عن الحق وموقفه".

صورة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية

يتطرق المؤرخ الولي إلى تطور حافلات "الترامواي"، "ففي عام 1909 كان مفتوح الجانبين، وكان يفصل بين المقاعد المتقابلة عمود حديدي، وكانت في زاويته مقصورة مربعة، خاصة بالسيدات تسدل عليها الستائر، وويل لمن يدخل تلك المقصورة، سواء أكانت خالية أو مشغولة". ولما كانت الحافلات مكشوفة الجانبين، كان الركاب يستعملون مظلاتهم لاتقاء حرارة الشمس في الصيف والمطر في الشتاء.

كما يروي الولي بعض الصور اليومية التي رافقت "الترامواي"، "فعندما كان ينقطع التيار الكهربائي، كان المسؤولون يستعينون على دفعه بواسطة الدواب أو بعض أصحاب الزنود القوية من ركابه الذين يستفيدون لقاء خدمتهم بالتخلص من دفع ثمن التذكرة المقررة. وكانت حافلات الترامواي هدفاً للحجارة وثمار البندورة والبيض احتجاجاً على ارتفاع سعر التذكرة، كما شكل الترامواي مناسبة للتعبير عن مقاومة الانتداب الفرنسي ورفضه. كما شكل اختراقه أحياء بيروت مناسبة لكتابة الشعارات السياسية، والإعلان عن المواقف المتناقضة، وبقي كذلك إلى أن باعته الحكومة إلى تجار الخردة".

وعكس "الترامواي" التنوع الاجتماعي والتفاوت الطبقي في كثير من الأحيان، وخصصت مقاعد لأبناء الطبقة الشعبية المتواضعة، وأخرى لمقتدري الحال والأغنياء، وتفاوتت أسعار التذاكر، وكان هناك الجواز "باس" الذي يسمح بالركوب لفترة طويلة، كما حظي آخرون بجوازات مجانية، مثل الرئيس بشارة الخوري (رئيس جمهورية)، ورياض الصلح (رئيس حكومة).

"ترامواي" الدولة القوية

شكل "الترامواي" موضوع اهتمام لباحثين في لبنان بوصفه مدخلاً لحل مشكلة النقل العام، وتكريس قيم المواطنية، والتجانس في مجتمع تعددي. ويؤكد الأكاديمي محب شانه ساز أنه "في بيروت كانت هناك أداة ثورية للنقل اسمها الترامواي، تربط أقاصي المناطق من المنارة إلى فرن الشباك، وما يتضمن هذا المسار من تنوع ثقافي واجتماعي، وربط الحرج وسينما سلوى بالدورة، ولكن للأسف السلطة السياسية قدمت مصالحها، وتعزيز استيراد السيارات، على حساب المصلحة العامة، ومصلحة الجماهير والعمال"، واصفاً وضع العاصمة المركزية بالكارثي بفعل الازدحام المروري، والتلوث والضجيج، والطابع الفردي للنقل بواسطة السيارة، وإهدار الوقت والمال والصحة والأعصاب. ويتحدث شانه ساز عن مشاهد من الحياة اليومية اللبنانية، فالمشوار الذي يحتاج نصف ساعة سيراً على الأقدام، يستغرق أضعاف ذلك في السيارة "ما يجعل المدينة بلا مستقبل".

ويرى أن الترامواي توقف عام 1965 لأسباب غير عقلانية بسبب التسويق للعربات التي تسير على المنتجات البترولية، وسياسة القروض المصرفية التي خاطبت النزعة للترقي الاجتماعي، في وقت حافظت الدول الكبرى على هذه الوسيلة في النقل العام، لا بل قامت بتوسيع نطاقها، وأحسنت استغلالها سياحياً على غرار "الترامواي السياحي في إسطنبول الذي يعتبر من أبرز معالم شارع الاستقلال الذي يجتذب ملايين السائحين سنوياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"ترامواي" الأخلاق العملية 

يعتبر "الترامواي" أبعد من مجرد وسيلة نقل، ليتحول وسيلة للتغيير الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، والتربية وتهذيب السلوك الفردي، ويصف شانه ساز الولاة العثمانيين بـ "المتنورين" لأنهم ربطوا أنحاء ولاياتهم، ويسروا الانتقال بين أنحائها حيث أصبح بإمكان الطلاب البيروتيين الانتقال إلى مختلف المدارس والمؤسسات التربوية بواسطة وسيلة نقل آمنة. كما أسهمت في ترقية السلوك الفردي، والتناغم الاجتماعي إذ يضطر الفرد لتحسين سلوكياته وتهذيبها في معرض استخدام النقل العام، وأصبحت "آداب استقلال الترامواي في قلب دروس الأخلاق - التربية المدنية، وإعطاء الأولوية للنساء والمسنين والحوامل".

من جهة أخرى، خلق الترامواي اهتماماً متزايداً بالوقت والساعة، لذلك نجد الاتجاه لبناء أبراج الساعة الصناعية، على غرار ما حصل في منطقة "السرايا القديمة"، وغيرها من المواقع المهمة حيث كان بإمكان المواطن الاطلاع على الوقت من أجل مواكبة حركة "الترامواي" الذي اتصف بالدقة والانضباط.

 

ولعب "الترامواي" دوراً في ظهور المساحات العامة، وبناء الأرصفة، ومظاهر الحداثة المختلفة، وأسهم بشكل أو بآخر في إرساء أسس الدولة الحديثة، لذلك يجزم شانه ساز بأن "إزالة الترامواي في غفلة من الدارسين والمقررين أدت إلى مفاعيل خطيرة على مستوى تماسك وقوة ووحدة الدولة، وإزالة القيم التي رافقته، وأعادت الناس إلى صيغة الحنتور على صورة السيارة التي يركبها فرد واحد أو راكبان اثنان على الأكثر، وارتفاع قيم الأنا على حساب المواطنة الجماعية". ويلفت إلى "عودة اللبناني إلى التقوقع الاجتماعي والطائفي، بدءاً من عام 1958، وثورة شمعون (رئيس الجمهورية كميل شمعون) عندما تحوّل إلى منصة لتبادل الرسائل بين المناطق (الغربية والشرقية)، ورسم خطوط التماس، الأمر الذي أسس لنهاية المكوك الذي قاد إلى ولادة نسيج اجتماعي مشترك، وصولاً إلى الانفجار في عام 1975 والحرب الأهلية"، مذكراً بانفكاك الحاضنة الشعبية حول "الترامواي" وصولاً إلى توقفه في عام 1965 بسبب الأعطال المتكررة وسوء الإدارة، وبرزت ظاهرة الاستغناء عن الحافلات المتعطلة عوضاً عن صيانتها، الأمر الذي أدى إلى تراجع أعدادها، وتكرار تأخير المواعيد، والحوادث، لذلك، تحولت بعض الحافلات إلى مطاعم، أو قطع أكسسوار في مؤسسات سياحية، ناهيك عن استخدامها "متاريس" خلال الحرب الأهلية اللبنانية على خطوط التماس.

ويعترف شانه ساز أن طرح عودة "الترامواي" هو طرح حالم ومثالي في الوقت الراهن، وفي ظل اضمحلال الدولة، مشدداً على "ضرورة الاستمرار في الحلم من أجل الدولة العادلة والحقوق، ومشروع الدولة التي يختصرها الترامواي أو حتى المترو ووسائل النقل الجماعية".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات